تفسير سورة آل عمران

هل يمكن أن تظهر في الأمة صور مشابهة لما قاله اليهود وفعلوه؟ وما هو التحريف المعنوي الذي وقع في تفسير القرآن وتأويل آياته على غير مراد الله ورسوله؟ وكيف يلوِي الطواغيت وأصحاب القلوب المريضة ألسنتهم بالقرآن ليلبسوا على الناس ويدعوا أن ما يفهمونه هو الدين الصحيح؟

الآية وسبب نزولها

57) تدبر قول الله عز وجل: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 78].

هذا وصف من الله عز وجل لفريق من اليهود، وذم لهم على تحريفهم للتوراة والإنجيل لفظًا ومعنىً، وإضلال الناس وخداعهم بحسن صيغهم وكذبهم عليهم بأن ما يقولونه هو من الكتاب المنزل، فأكذبهم الله عز وجل وفضحهم فقال: ﴿وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 78].

ومثل ذلك قول الله عز وجل عنهم: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾ [النساء: 46].

معنى ﴿يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ﴾

وقوله سبحانه: ﴿يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ﴾ مثل قوله تعالى: ﴿لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ﴾، هذا وإن كانت هذه الآيات نزلت في فريق من اليهود، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

وقد ظهر من بعض من ينتسبون إلى الإسلام صورًا مشابهة لما قاله اليهود وفعلوه.

والقرآن قد حفظه الله من التحريف اللفظي الذي وقع من اليهود في كتبهم، ولكن وقع فيه التحريف المعنوي بتأويل آياته وتفسيرها على غير مراد الله عز وجل، ولا مراد رسوله ﷺ، وهذا هو التأويل الفاسد الذي فنده علماء السنة وردوا عليه وأبطلوه.

الطواغيت وأصحاب القلوب المريضة

وإن في الأمة اليوم لمن يتبع الأمة الغضبية في ما ذكره الله عنهم في هذه الآية ولا سيما الطواغيت الذين يحكمون بغير ما أنزل الله، ويوالون اليهود والنصارى وأتباعهم من المنافقين، وأصحاب القلوب المريضة الذين آثروا الحياة الدنيا على الآخرة، ومن أجل هذه الدنيا الفانية لووا ألسنتهم بالقرآن وادعوا أنهم هم الذين يفهمون آيات القرآن ويفهمون الدين الصحيح.

فَأَوَّلُوا آيات الكتاب بما يلبي رغباتهم وأهواءهم، وادعوا أن ما يفهمونه من الكتاب والسنة هو الدين الصحيح الذي أنزل على محمد ﷺ، وأن ما يدعو إليه الدعاة الصادقون ويجاهدون في سبيل الله لنشره في الأرض هو دين ضال وأهله فئة ضالة انحرفت عن الدين الصحيح، فافتروا بذلك على الله الكذب حيث نسبوا تبديلهم لدين الله بأنه من الله.

وصدق الله العظيم في قوله عن اليهود وعن هؤلاء المنافقين: ﴿يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 78].

اقرأ أيضا

تدبرات وهدايات من سورة آل عمران (8)

تدبرات وهدايات من سورة آل عمران (9)

تدبرات وهدايات من سورة آل عمران (10)

التعليقات معطلة