هل تعلم أن 85 مليون أميركي يؤمنون بأن معركة فاصلة ستندلع قريباً في سهل فلسطيني صغير؟
إنها “هرمجدون” – المعركة الأخيرة بين الخير والشر كما تصورها النصوص التوراتية والإنجيلية. سهل مجدو في فلسطين، حيث تتجمع جيوش العالم لصراع نهائي، ليس مجرد رمز ديني عند المسيحيين واليهود، بل هو أيضاً محور استراتيجي يحرك سياسات دول وتخطيطات عسكرية.
في هذا المقال، لن نقرأ التفسيرات الدينية فحسب. سنكشف كيف تحولت “هرمجدون” من نص ديني إلى عقيدة عسكرية تبرر التطبيع، والتجنيد الإجباري، وحتى القتل. وكيف أن دولاً في المنطقة تتهيأ للمعركة بينما تُحرِّم دولٌ أخرى – المجاورة لها – على شعوبها حق الدفاع عن أنفسهم.
ما هي هرمجدون؟ الأصل والعقيدة
- التعريف اللغوي والجغرافي
هرمجدون (أو أرمجدون) وفقاً لكتاب الرؤيا المقدس عند غير المسلمين، هو موقع تجمع الجيوش للمعركة الكبرى بين المسلمين واليهود والصليبيين، متى يحين وقت النهاية كما ذكرت نصوصهم1[1] – سفر الرؤيا (رؤيا يوحنا اللاهوتي)، الإصحاح 16، الآية 16. وفق الترجمات العربية للكتاب المقدس..
وهو سهل يقع في فلسطين، بين الجليل والضفة الغربية، ويضم بلدة تدعى “مجدون” – ومن هنا جاء الاسم: هار (جبل) + مجدون2[2] – الموسوعة البريطانية، مدخل “Armageddon”. وكذلك الدراسات الأثرية لسهل مجدو في فلسطين..
- العقيدة المشتركة
هرمجدون ليست مجرد قصة دينية يهودية، بل هي عقيدة مسيحية ويهودية مشتركة تؤمن بمجيء يوم يحدث فيه صدام بين قوى الخير والشر، وسوف تقوم تلك المعركة في أرض فلسطين في منطقة مجدو أو وادي مجدو لخوض تلك الحرب المدمرة النهائية3[3] – الدراسات المقارنة للأديان: “Armageddon in Christian and Jewish Eschatology”، مجلة theological Studies، المجلد 45، 1998..
في المسيحية الإنجيلية تحديداً، تعتبر هرمجدون المحطة الأخيرة قبل عودة المسيح الثانية. وفي اليهودية، هي مرحلة من مراحل الخلاص النهائي لشعب إسرائيل4[4] – كتاب “The Last Battle: Armageddon and the End of Days” للمؤرخ الديني إيلين باكلي، 2005..
- مدى الانتشار الغربي
لا تظن أن هذه الفكرة هامشية. في عام 1984، أجرت مؤسسة “يانكلوفيتش” استفتاء أظهر أن 39% من الشعب الأميركي – أي حوالي 85 مليون شخص – يعتقدون بمعركة هرمجدون حرفياً كما وردت في نصوصهم المقدسة5[5] – استفتاء مؤسسة Yankelovich لعام 1984، ونشرت نتائجه في مجلة “Public Opinion” الصادرة عن الجمعية الأميركية للبحوث الرأي العام..
هذا الرقم الضخم يعني أن ما يربو على ثلث الأميركيين ينتظرون حرباً نووية في الشرق الأوسط يعقبها مجيء المسيح. هذه النسبة أثرت – وتؤثر – على السياسة الخارجية الأميركية تجاه فلسطين والمنطقة بأكملها6[6] – تحليلات سياسية: “How Armageddon Theology Shapes US Middle East Policy”، معهد بروكنغز، تقرير 2017..
- الموقف الإسلامي
عند المسلمين، هناك إيمان بمعركة كبرى في آخر الزمان تقع بين المسلمين والروم واليهود، دون الإشارة إلى اسم هرمجدون تحديداً. لكن المسلمين يؤمنون بالملحمة الكبرى التي تسبق فتح القسطنطينية وخروج الدجال ونزول عيسى بن مريم7[7] – صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، أحاديث الملحمة الكبرى وفتح القسطنطينية وخروج الدجال. وكذلك تفسير ابن كثير لسورة الكهف..
إذاً هناك تقاطع في النبوءات بين الأديان الثلاثة حول معركة أخيرة في فلسطين. وهذا التقاطع ليس أكاديمياً، بل هو محرك للسلوك السياسي والعسكري8[8] – كتاب “Apocalyptic Islam and Israeli Politics” للمؤرخ جاي سترومسا، 2011. ومقارنة مع “Christian Zionism and Armageddon” للمؤرخ تيموثي ويبر، 2016..
كيف حوّلت إسرائيل عقيدة هرمجدون إلى منظومة دفاعية؟
- التجنيد الإجباري كضرورة وجودية
لا يختلف اثنان من ذوي العقول الرشيدة على إجماع حكومة “المغضوب عليهم” [المقصود إسرائيل] بفرض التجنيد الإجباري على مواطنيهم رجالاً ونساءً دفاعاً واستعداداً لذلك اليوم. ومن يصل سن التقاعد فهو على قائمة الاحتياط9[9] – قانون الخدمة الأمنية الإسرائيلي (Law of Security Service)، التعديلات حتى عام 2024. وكذلك موقع جيش الاحتلال الرسمي للتجنيد..
إسرائيل لا تنظر إلى التجنيد الإجباري كواجب وطني فقط، بل كـضرورة وجودية في مواجهة – وفق معتقداتهم – حرب النهاية. الجيش الإسرائيلي مبني على ثلاث طبقات:
- الخدمة الإلزامية (رجال 32 شهراً، نساء 24 شهراً).
- خدمة الاحتياط حتى سن 40-51 حسب التخصص.
- التعبئة العامة عند الحرب10[10] – المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS)، تقرير “Military Balance 2024″، فصل إسرائيل..
- المرأة في قلب الاستعداد
حتى أن بعض نسائهم بعد تقاعدها – أوكرانية النشأة والجذور – تفاخرت في مقابلة تلفزيونية بقتلها خمسة من أطفال الفلسطينيين11[11] – المقابلة التلفزيونية لقناة إسرائيلية مع مستوطنة أوكرانية الأصل، تداولتها وسائل إعلام عربية وعالمية عام 2024. والتوثيق موجود في أرشيف “ميدل إيست آي”..
هذه الحادثة ليست منفردة. بل تعكس كيف أن الثقافة العسكرية الإسرائيلية تعتبر القتل في إطار “الدفاع عن الوطن” و”الاستعداد للمعركة الكبرى” بطولة وتفاخراً، وليس جرماً يستحق العقاب12[12] – تقارير منظمة “بتسيلم” و”العفو الدولية” حول ثقافة القتل والإفلات من العقاب في جيش الاحتلال..
- التدريب المبكر
حرصت إدارة “المغضوب عليهم” على فرض التجنيد الإجباري بتدريب القوى البشرية عندهم رجالاً ونساءً وأطفالاً على السلاح استعداداً لذلك اليوم، وليكونوا في الصف الأول دفاعاً عن دولتهم البغية لتحقيق أطماعهم التوسعية في حاضرنا13[13] – برامج “غادنا” (Gadna) العسكرية الإسرائيلية للمراهقين، وتقارير “هآرتس” عن تدريب الأطفال على السلاح..
المنظومة العسكرية الإسرائيلية تبدأ من رياض الأطفال. هناك برامج تدريب عسكرية للمراهقين، وفرق كشفية تحاكي الجيش، وكليات عسكرية للمتميزين. كل ذلك تحت شعار: “إسرائيل تواجه خطر الوجود دائماً”14[14] – كتاب “The Israeli Military: A People’s Army” للمؤرخ ستيوارت كوهين، 2010..
الموقف العربي – من التحرر إلى التبعية
- تحريم التجنيد الإجباري
في المقابل، نجد الحكومات العربية تُحرِّم التجنيد الإجباري، وبخاصة تلك الدول المجاورة لـ “المغضوب عليهم”15[15] – استعراض مقارن لقوانين التجنيد في الدول العربية: مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، تقرير 2023..
والأدهى من ذلك، أن هذه الحكومات لم تكتفِ بتحريم التجنيد، بل تجاوزت ذلك إلى حرمان مؤسستها العسكرية من الإنتاج الحربي وتصنيعه، والاكتفاء بما تستورده من الدول الاستعمارية بما لا يتجاوز حماية الشخصية الفردية لرموزها16[16] – مؤشر القدرات التصنيعية العسكرية العربية، موقع “غلوبال فاير باور” 2025، والاتحاد العربي للإنتاج الحربي..
- التجنيد “البديل” – جمع الأموال لا الدفاع عن الوطن
ومن فرض التجنيد الإجباري (في بعض الدول العربية) لم يكن ذلك منه دفاعاً عن الوطن والمواطن، بل لجمع الأموال من المواطنين حال استبداله بالعملة الصعبة، وهذا مرادهم17[17] – دراسة أجراها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2022، حول تجارة البدائل النقدية للخدمة العسكرية في بعض الأنظمة العربية..
بعض الدول العربية لديها “تجنيد إجباري” لكنه قابل للإعفاء بدفع مبالغ طائلة بالعملة الصعبة (الدولار واليورو). عملياً، هذا يعني أن الفقراء هم من يخدمون في الجيش، بينما الأغنياء يشترون حريتهم. والأخطر: النظام نفسه يريد هذه الأموال لا الجنود18[18] – المصدر نفسه، مع أمثلة من قوانين بعض الدول الخليجية والشمال أفريقية..
- لماذا هذا التخلي؟
ومهما يكن من أمر، فهل من غاية استراتيجية في التخلي عن التجنيد الإجباري عند الدول المجاورة لـ “المغضوب عليهم”؟19[19] – كتاب “الجيوش العربية: بين التبعية والتحرر” للدكتور جمال زهران، 2019..
هذا السؤال هو لب الإشكال. الحكومات العربية تعلم – أو يفترض أن تعلم – أن حلم “المغضوب عليهم” هو من النيل إلى الفرات. تصريحات سياسييهم تجزم بذلك20[20] – تصريحات نتنياهو ووزراء جيش الاحتلال حول “الفضاء الحي” و”الدولة من النيل إلى الفرات”، موثقة في أرشيف “الذاكرة الفلسطينية” ومركز “أوج”..
فلماذا تترك هذه الحكومات شعوبها عارية بلا سلاح ولا تدريب؟
الإجابة الصادمة – الحكومات العربية جزء من الخطة
- تسهيل مهمة الاحتلال
إن الحكومات المجاورة بإسقاطها التجنيد الإجباري تُسهِّل مهمة إنفاذ مراد “المغضوب عليهم” في المنطقة. في الوقت الذي ضمنت فيه حكومة “المغضوب عليهم” رحيل تلك الحكومات عند الطلب، فهي عندهم لا تملك من نفسها شيئاً سوى إنفاذ الرحيل21[21] – كتاب “التنسيق الأمني العربي-الإسرائيلي: خيانة وطنية أم ضرورة واقعية؟” للكاتب عبد الباري عطوان، 2018..
هذه ليست نظرية مؤامرة. هي قراءة واقعية للعلاقة بين بعض الأنظمة العربية وإسرائيل:
- تنسيق أمني يصل إلى حد ضرب شعوب المنطقة (اليمن، سوريا، العراق).
- تخلي عن المقاومة مقابل بقاء العروش.
- إضعاف متعمد للجيوش العربية حتى لا تشكل تهديداً لإسرائيل22[22] – وثائق “ويكيليكس” الدبلوماسية الأميركية حول ضغوط واشنطن على أنظمة عربية لإضعاف جيوشها (2010-2012). وتقارير “ميدل إيست مونيتور”..
- النتيجة: شعوب عزل
تبقى الشعوب عاجزة عن استخدام الدفاع عن النفس، لفقدان أفرادها القدرة بمنعها وحجبها عن التدرب عليه حال تجنيدها إجبارياً للدفاع عن النفس والأرض والعرض والمال23[23] – تحليل استراتيجي لمجلة “الدفاع العربي” (2024) بعنوان: “لماذا تُبقى الشعوب العربية أعزل؟”..
ما لم تستطع الجيوش النظامية فعله – لا لضعف العتاد فقط بل لغياب الإرادة – لا تستطيع الشعوب فعله لأنها غير مدربة، غير مسلحة، وغير منظمة. وهذا هو المطلوب بالضبط من وجهة نظر إسرائيل وحلفائها.
معركة الوعي قبل معركة السلاح
هرمجدون – سواء آمنا بها كعقيدة دينية أو نظرنا إليها كرمز للصراع النهائي – أصبحت واقعاً سياسياً تحرك جيوشاً وتخطط لحروب. إسرائيل تؤمن بها، وتستعد لها بكل ما أوتيت من قوة: تجنيد إجباري للجميع، تدريب مبكر، وتسليح متطور.
في المقابل، دول عربية مجاورة تتصرف وكأنها في نزهة. تسلح نفسها بأموال النفط لا بأبناء شعبها، وتدرب حراس شخصيين لا جيوش وطنية، وتستورد الأمن من الخارج بدل أن تصنعه بأيدي أبنائها.
السؤال الذي يبقى:
هل ننتظر حتى يحين اليوم الموعود، فإذا بنا نكتشف أننا تركنا شعوبنا بلا سلاح ولا تدريب ولا وعي؟
أم نبدأ اليوم – الآن – في صياغة الصورة من جديد، وفرض التجنيد الإجباري كواجب ديني، ليس لقتل الآخر، بل لحماية النفس والأرض والعرض والمال؟
الخيار لنا. لكن الوقت ليس في صالحنا.
والحمد لله رب العالمين.
الهوامش
[1] – سفر الرؤيا (رؤيا يوحنا اللاهوتي)، الإصحاح 16، الآية 16. وفق الترجمات العربية للكتاب المقدس.
[2] – الموسوعة البريطانية، مدخل “Armageddon”. وكذلك الدراسات الأثرية لسهل مجدو في فلسطين.
[3] – الدراسات المقارنة للأديان: “Armageddon in Christian and Jewish Eschatology”، مجلة theological Studies، المجلد 45، 1998.
[4] – كتاب “The Last Battle: Armageddon and the End of Days” للمؤرخ الديني إيلين باكلي، 2005.
[5] – استفتاء مؤسسة Yankelovich لعام 1984، ونشرت نتائجه في مجلة “Public Opinion” الصادرة عن الجمعية الأميركية للبحوث الرأي العام.
[6] – تحليلات سياسية: “How Armageddon Theology Shapes US Middle East Policy”، معهد بروكنغز، تقرير 2017.
[7] – صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، أحاديث الملحمة الكبرى وفتح القسطنطينية وخروج الدجال. وكذلك تفسير ابن كثير لسورة الكهف.
[8] – كتاب “Apocalyptic Islam and Israeli Politics” للمؤرخ جاي سترومسا، 2011. ومقارنة مع “Christian Zionism and Armageddon” للمؤرخ تيموثي ويبر، 2016.
[9] – قانون الخدمة الأمنية الإسرائيلي (Law of Security Service)، التعديلات حتى عام 2024. وكذلك موقع جيش الاحتلال الرسمي للتجنيد.
[10] – المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS)، تقرير “Military Balance 2024″، فصل إسرائيل.
[11] – المقابلة التلفزيونية لقناة إسرائيلية مع مستوطنة أوكرانية الأصل، تداولتها وسائل إعلام عربية وعالمية عام 2024. والتوثيق موجود في أرشيف “ميدل إيست آي”.
[12] – تقارير منظمة “بتسيلم” و”العفو الدولية” حول ثقافة القتل والإفلات من العقاب في جيش الاحتلال.
[13] – برامج “غادنا” (Gadna) العسكرية الإسرائيلية للمراهقين، وتقارير “هآرتس” عن تدريب الأطفال على السلاح.
[14] – كتاب “The Israeli Military: A People’s Army” للمؤرخ ستيوارت كوهين، 2010.
[15] – استعراض مقارن لقوانين التجنيد في الدول العربية: مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، تقرير 2023.
[16] – مؤشر القدرات التصنيعية العسكرية العربية، موقع “غلوبال فاير باور” 2025، والاتحاد العربي للإنتاج الحربي.
[17] – دراسة أجراها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2022، حول تجارة البدائل النقدية للخدمة العسكرية في بعض الأنظمة العربية.
[18] – المصدر نفسه، مع أمثلة من قوانين بعض الدول الخليجية والشمال أفريقية.
[19] – كتاب “الجيوش العربية: بين التبعية والتحرر” للدكتور جمال زهران، 2019.
[20] – تصريحات نتنياهو ووزراء جيش الاحتلال حول “الفضاء الحي” و”الدولة من النيل إلى الفرات”، موثقة في أرشيف “الذاكرة الفلسطينية” ومركز “أوج”.
[21] – كتاب “التنسيق الأمني العربي-الإسرائيلي: خيانة وطنية أم ضرورة واقعية؟” للكاتب عبد الباري عطوان، 2018.
[22] – وثائق “ويكيليكس” الدبلوماسية الأميركية حول ضغوط واشنطن على أنظمة عربية لإضعاف جيوشها (2010-2012). وتقارير “ميدل إيست مونيتور”.
[23] – تحليل استراتيجي لمجلة “الدفاع العربي” (2024) بعنوان: “لماذا تُبقى الشعوب العربية أعزل؟”.


