(كلما أوقدوا نارًا للحرب أطفأها الله، ويسعون في الأرض فسادًا) فلا تنطفئ هنا إلا ليشعلوها هناك، ولا تنطفئ هناك إلا ويشعلوها في مكان آخر…لا يستمر لهم سلام، ولا يعيش لهم حليف، ولا يأمن غدرهم صديق ولا عدو.

فطرتهم في التيه

لا يعرفون الاستقرار لأنهم خُلقوا من ريح السموم، ولا يعرفون الأمان لأن قلوبهم لم تذق طعم الطمأنينة ولو لمرة واحدة.

“محاريك شر” — لا يستطيعون العيش إلا في “التيه”.

ليس تيهًا في الصحراء وحدها، بل تيهًا في الأهداف، وتيهًا في العقول، وتيهًا في العداوات والصداقات، وتيهًا في طريقة العيش ذاتها.

هم أرقام بلا مقام، وأصداء بلا مصدر، وغبار يتحرك حيث تهب ريح الفتنة.

أولًا: تيه الأهداف

لا هدف لهم ثابتًا إلا “زوال غيرهم”.

يبدأون ثورتهم على طاغية فينتهون إلى طاغية أشد منه.

يطلبون الحرية فيفقدون معنى الكرامة.

يصنعون دولة فيحولونها إلى ثكنة عسكرية أو سوق سوداء.

أينما حلوا، انتقل هدفهم من “بناء وطن” إلى “حرق وطن الآخرين”.

من “تحرير أرض” إلى “تدمير أرض الجيران”.

كأنما كتب عليهم “ألا يستقروا أبدًا” على غاية، فينتقلون من حرب إلى حرب، ومن جبهة إلى جبهة، ومن تيه إلى تيه، ومن مؤامرة إلى مؤامرة، ومن عداوة شعب إلى عداوة شعب آخر.

 ثانيًا: تيه العقول

عقولهم لا تعرف المنطق لأنها تألفت على “الالتفاف”، ولا تعرف البرهان لأنها تدربت على “المكابرة”.

يظنون أن المكر حكمة، وأن الغدر فراسة، وأن الخيانة فنًّا لا يتقنه إلا الأذكياء.

يقرؤون التاريخ معكوسًا: يرون الخائن بطلاً، والغادر قائدًا، والمتآمر عبقريًا.

عقلهم “لا يهدأ إلا إذا تآمر”، ولا يصمت إلا إذا دبر، ولا ينام إلا إذا رسم خريطة خيانة جديدة.

ترى أحدهم يحلف بالله ثم ينقض يمينه قبل أن يجف ريقه.

وتسمعه يتفاخر بخيانته كأنها وسام شرف.

وتجده يصدق كذبه بعد أن كرره مئة مرة، حتى صار عنده “حقيقة لا تقبل الشك”.

 ثالثًا: تيه العداوات والصداقات

لا يدوم لهم حليف، ولا يعيش لهم صديق، ولا يأمن غدرهم وتقلبهم حتى أقرب الناس إليهم.

يتحالفون اليوم مع أسد ليغدروا به غدًا لصالح ابن آوى.

يعقدون صلحًا في الصباح، وينقضونه قبل الغروب.

يسالمون فقط ليرتاحوا قليلاً ثم يعتدوا مرة أخرى.

عدوهم اليوم صديقهم غدًا، وصديقهم اليوم عدوهم بعد شهر.

ليس لأنهم تغيروا، بل لأن “العداوة عندهم ليست حالة”، إنها رياضة لا تتوقف.

يحتاجون إلى عدو كما يحتاج السمك إلى الماء، وكما تحتاج النار إلى الهواء.

فإذا لم يجدوا عدوًا من الخارج، اخترعوا واحدًا من الداخل.

رابعًا: تيه طريقة العيش

لا يستقرون على حال، ولا يرتضون نمطًا واحدًا للحياة.

يعيشون في بلاد غيرهم فيرفضون الاندماج، ويعودون إلى بلادهم فيرفضون التطبيع مع واقعهم.

دائمًا هم “غرباء حيث أقاموا، ومتمردون حيث استقروا”.

كأن في جيناتهم رفضًا مطلقًا للسكون، وكأن الطمأنينة عندهم عيب، والاستقرار خيانة للجين الثائر في دمائهم.

تراهم في الشرق يعيشون كغرباء، وفي الغرب يعيشون كضيوف ثائرين، وفي بلادهم يعيشون كلاجئين من ماضٍ لا يريدون مواجهته.

التاريخ يعيد نفسه: من فرعون إلى أوروبا

هذا التيه “ليس وليد اليوم”، بل هو “سيرة ممتدة” منذ أن عرف التاريخ تدوينًا.

“اضطهدهم فرعون” فلم يثوروا عليه بالحق، بل خضعوا وتملقوه، وقالوا: “أنا عبدك يا فرعون” طالما كان السوط على ظهورهم.

“باعهم قارون” بأمواله وزينته فافتتنوا به وعبدوه من دون الله، ونسوا أن الحرية لا تُشترى بالذهب.

“عاملهم المصريون بالحسنى” قرونًا، فلم يردوا الجميل إلا بسرقة ذهبهم ليلاً، والهروب به تحت جنح الظلام، وكأن الإحسان عندهم “دليل ضعف”، والكرم “استحقاق”، والوفاء “غباء”.

“نصرهم الله على الطاغية” بمعجزة خارقة، فما كان منهم إلا أن “عبدوا عجلاً من ذهب” بعد أسابيع من المعجزة.

“حضهم أنبياؤهم على الخير” فبادروهم بالقتل والتكفير، وكأن كل نبي عندهم “جريمة” تحتاج إلى جلاد.

“استوعبتهم المدينة المنورة” في أعظم عصر للعدالة البشرية، فلم يرعوا جوار النبي صلى الله عليه وسلم ولا صحابته، بل نشروا فيها الأحقاد، والوشايات، والمؤامرات الصغرى، حتى أخرجهم النبي صلى الله عليه وسلم، وأجلاهم عنها إلى خيبر وتيماء.

“استوعبتهم أوروبا” في عصور نهضتها، فلم يردوا الجميل إلا بمؤامرات مالية ضخمة، وأفكار هدم للأسرة والمجتمع، ثم “حربين عالميتين” مات فيهما الملايين، وتدمرت فيهما قارات.

وكان جزاؤهم من أوروبا أن “أخرجوهم إلى بلادنا”، ليواصلوا تيههم في أرض جديدة.

ولكن الدنيا قرية صغيرة

لم يعد أثرهم يقتصر على محيطهم الضيق.

الدنيا اليوم قرية صغيرة، وسمومهم انتشرت في هوائها كالضباب الدخاني.

التهبت الدنيا شرقًا وغربًا، وتأثرت شمالًا وجنوبًا.

لا تكاد تظهر “فضيلة” في مكان إلا ويعودون لها “برذيلة” لم يسبقهم إليها أحد.

اخترعوا الإباحية كصناعة، واخترعوا الإفلاس كأداة سياسية، واخترعوا الإعلام الكاذب كسلاح، واخترعوا التضليل كعلم.

اخترعوا “حروبًا بلا جيوش”، و”انهيارات اقتصادية بلا أسباب طبيعية”، و”أوبئة معنوية” أشد فتكًا من أي فيروس.

لا يهدأون إلا ليقوموا، ولا يتفقون إلا ليختلفوا، ولا يعاهدون عهدًا إلا لينقضوه، ولا يسالمون إلا ليعتدوا مرة أخرى.

وكأن “الشر” عندهم ليس سلوكًا طارئًا، بل هو “جوهر” لا يتحول، و”طباع” لا تتغير.

ماذا بعد؟ هل من خلاص؟

لن تقوم للدنيا قائمة، ولن ينتشر فيها عدل، ولن يذوق البشر فيها طعم سلام حقيقي، ولن يأمن جار جاره، ولن يطمئن شعب إلى شعب، “إلا بأن تتحد الدنيا عليهم” ليتحقق لها “خلاصًا جماعيًا” من نمط بشري لا يعرف إلا التيه.

تنعم البشرية بالتحرر من شرهم، “بإعادتهم مرة أخرى إلى الشتات” الذي لا يستطيعون العيش إلا فيه،

أو “بإعادة تأهيلهم قسرًا” على معنى الاستقرار، والصدق، والوفاء، والسلام.

 المصدر

المقال مستوحى من مشاركة عمر المصري على صفحته على موقع التواصل ميتا.

اقرأ أيضا

اليهود وقسوة قلوبهم

صراع بني إسرائيل مع أمة الإسلام.. الخلفيات والمآل

معالم في تاريخ اليهود

التعليقات معطلة