تصويرُ النازلة وسؤالُها
بسم الله الرحمن الرحيم كما هو معلوم للكافّة: تدور رحى الحرب في هذه الآونة على أرض الإسلام، بين قوتين لا علاقة لهما بالإسلام ولا بالمسلمين، وبين مشروعين إجراميين يتدافعان ويتنافسان على حساب أمّة الإسلام، وهما تحالف الصهاينة والأمريكان من جانب وإيران بعمقها الرافضيّ وبعدها الباطنيّ ومشروعها التوسعيّ من جانب آخر، وفي ظلّ هذه الحرب تجري محاولات لجرّ دول عربية ولاسيما دول الخليج العربيّ للاصطفاف مع أمريكا وإسرائيل والتحالف معهما ضدّ إيران، وهذا – إن وقع – فسوف يترتب عليه نتائج كارثية، قد تكون معلومة لكثير من المسلمين وغير المسلمين؛ فهل يجوز شرعًا الدخول في هذا الحلف؟
التكييف الشرعيّ لواقع النازلة
الحمد لله .. والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد .. فإنّ هذا التحالف – إنْ وقع – فلن يكون من قبيل التحالف مع الكفار أو الاستعانة بهم ضدّ أهل البغي، ولا – حتى – ضدّ الخوارج أو الطائفة الممتنعة؛ لأنّ الحربَ حربُ قوى ومشاريع، والقوة الإيرانية والمشروع الإيرانيّ لا يمثلان الإسلام، سواء في صورته السنية أو البدعية، وذلك بغض النظر عن الشعب الإيرانيّ؛ وبغض النظر كذلك عن الرّفْضِ والتشيُّعِ ومدى نِسْبَتِهِ اليوم للملة، وإنّما سيكون من قبيل التحالف مع قوة معادية للإسلام ضد قوة أخرى معادية للإسلام؛ إذْ إنّ النظر هنا يكون للقوة وللمشروع، لا للشعوب، ولا للمذهب الدينيّ – على فرض صحة نسبته للملة – فما الشعوب في مثل هذه الحروب إلّا أدوات لا فرق بينها وبين الأسلحة المستخدمة في الحرب، وما الدين فيها إلا مجرد ظهر يركب وشاة تحلب ووقود للحرب يُقْتَنَى أو يُجلب، هذا هو التكييف الصحيح؛ فإن كان الحكم هو التحريم؛ فإنّ الحرمة ستكون أشدّ إذا فرضنا صحة التكييف الذي تجاوزناه وهو اعتبار الإيرانيين مبتدعة.
الأحكام الشرعية المتعلقة بالنازلة.
أولًا: فيما يتعلق بالتحالف مع قوى معادية للإسلام ضدّ قوى أخرى معادية للإسلام، أو الاستعانة بالبعض منها ضدّ البعض الآخر، أو التعاون والاصطفاف بأيّ صورة مع البعض منها ضدّ البعض الآخر؛ لا يتجه الفقه السياسي الإسلامي إلى النظر في هوية القوى المتحالفة أو المستعينة أو المستعان بها، وإنّما يتجه إلى النظر في أمرين، الأول: المتحالف عليه (بنود التحالف) أهي مشتملة على ما يخالف الشرع أم لا؟ الثاني: المآلات وما يفضي إليها من الموازنة بين المصالح والمفاسد، والترجيح بين المصالح المتعارضة.
فإن كان المتحالف عليه مشتملًا على ما يخالف الشرع لم يجز هذا التحالف، مهما كانت المصالح التي تُلتمس منه، كأن يكون هذا التحالف ضدّ مسلمين، أو كان عدوانًا على بلد أو شعب أو قوة من القوى لأسباب ليست موضوعية ولا عادلة، وكأن يشتمل على بنود تجعل راية الكفر في هذا الحلف غالبة، أو بنود تفضي إلى إيقاع الأذى بمسلمين، فمثل هذا التحالف لا يجوز ولو بدعوى المصلحة؛ لأنه مشتمل على ما يخالف شرع الله تبارك وتعالى، والمسلمون مُتَعَبَّدون بعدم مخالفة أحكام الشريعة الغرّاء.
وكذلك لا يجوز هذا التحالف إذا لم يؤيده النظر في المآلات والتماس المصلحة الشرعية؛ فإن لم تكن الحاجة داعية إليه، أو كانت مفاسده أربى من مصالحه، أو لم يكن فيه مصلحة للإسلام والمسلمين؛ لم يجز وإن خلت بنوده مما يخالف الشرع، لأنّ الأصل عدم التحالف، وليس هناك ما يسوغ الانتقال عن هذا الأصل من جلب مصلحة راجحة أو دفع مفسدة محققة، والفتوى في مثل هذه المسائل من الأمور المتغيرة بحسب تغير الواقع وما يقتضيه هذا الواقع المتغير من نظر في المآلات وقياس للمصالح والمفاسد.
ثانيًا: لا يجوز التحالف مع الصهاينة والأمريكان ضدّ إيران في هذه الحرب الدائرة الآن؛ ليس لأنّ إيران قوة تمثل الإسلام بصورته السنية أو البدعية، ولا لأنّ إيران وأذرعها تدافع عن القضية الفلسطينية – فكلّ هذا كذب ونفاق – ولكن لأنّ شروط جواز التحالف هنا لم يتوافر منها شرط واحد، وانعدام شرط واحد يكفي لانهدام الأمر كلّه، فكيف بانعدامها جميعًا؟! فهذه الحرب – أولًا – عدوان، والعدوان لا يجوز، كما لا يجوز التعاون عليه مع أيّ جهة ضدّ أيّ جهة: (وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ) (المائدة: 2).
كما أنّ الدخول في هذه الحرب يفضي إلى مفاسد جمّة تطيش أمامها كلّ المصالح المتوهمة،؛ لأنّ إعانة إسرائيل وأمريكا على الانتصار في هذه الحرب سيفضي – ولا ريب – إلى تعظيم النفوذ الصهيونيّ في المنطقة، وإلى تهيئة الأرض لتنفيذ مشروع إسرائيل الكبرى، وقد استبان من سلوك الصهاينة والأمريكان ومن بعض تصريحاتهم أنّهم يريدون توريط الدول الخليجية في مواجهة مباشرة مع إيران؛ من أجل أن يتحقق لهم مقصودهم دون أن يغرقوا في المستنقع الإيرانيّ، ثمّ إنّ الحاجة ليست داعية إلى ذلك.
ثالثًا: إنّه لمن الأولى بالبلاد المسلمة – ولاسيما في هذه الظروف الصعبة – أن تتحالف ضدّ القوى والمشاريع التي تتصارع وتتدافع فوق جسد الأمة الإسلامية في سياق تقاسم النفوذ والثروات وبسط الهيمنة، فهذا هو الحدّ الأدنى للوحدة التي لا يمكن مواجهة المخاطر الجسام والتحديات العظام إلّا بها، وإنّه لمن الواجب على العلماء أن يدعوا إلى مثل هذه التحالفات، وأن يدعوا – قبل ذلك – حكام البلاد المسلمة إلى إصلاح ما بينهم وبين ربّهم وما بينهم وبين شعوبهم بأن يقيموا في المسلمين كتاب الله ..
والله أعلم.


