الحمد لله .. والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد ..
فإنّ أمتنا الإسلامية تمرّ بفتنٍ كقطع الليل المظلم، فتنٍ تنوعت وتشعبت واستعرت واتسعت، ولا ريب أنّ أشدّها وطأة على المسلمين تلك الحروب التي تدور رحاها فوق أرض الإسلام، فمن الحروب الأهلية التي طحنت اليمن والسودان، إلى الحرب الظالمة التي شنّها العدو الصهيونيّ على غزة فدمرها وقتل عشرات الآلاف من شعبها، إلى هذه الحرب المجنونة التي تقع الآن بين التحالف الصليبي الصهيوني وبين إيران، وتأتي متزامنة مع حرب لا مبرر لها بين باكستان وأفغانستان.
ولَئِنْ كانت الحرب الأولى منهما قد وقعت بين مشروعين إجراميين وقوتين معاديتين للإسلام والمسلمين؛ بما يعني أنّ المفترض أن تضعف كلّ منهما الأخرى، فإنّ الخوف من اتساعها وتطاير شررها – مع عدم وجود مشروع للاستفادة من الهامش الذي توفره – يُغَلِّبُ جانب الحذر، ولاسيما مع قيام الحرب في التوقيت ذاته بين باكستان وأفغانستان؛ الأمر الذي ينبئ عن مخطط خبيث يراد للمنطقة الإسلامية.
وحيال هذه الفتنة العمياء، وما قد ينتج عنها من فتن قد تبلغ نارها عنان السماء؛ رأت هيئة الإفتاء في نوازل الأمة العامة أن تصدر هذا البيان، وأن تتوجه لأهل الإسلام بالنصح والتوجيه، من منطلق الواجب المنوط بعلماء الأمة، ولاسيما في أزمان الفتن المدلهمة، وفي هذا البيان تعلن الهيئة ما يلي:
أولًا
إنّ من طبيعة الفتن أنّها تزلزل القلوب، وتخلخل النفوس، وتربك الأفهام والعقول؛ لأجل ذلك يجب على المسلمين أن يحصنوا أنفسهم منها، بأن يزدادوا بالله علمًا، من خلال التدبر في كتابه ومعرفة أسمائه وصفاته، ومن خلال التفكر في السماوات والأرض والوقوف على شواهد قدرة الله ودلائل آلائه، وأن يعتصموا بالعروة الوثقى (لا إله إلا الله محمد رسول الله)، وأن يراجعوا العلماء الربّانيين في كلّ ما ينزل بهم، ويجب على العلماء أن يتمسكوا بنصوص الكتاب والسنة، وبأحكام الشريعة الغرّاء، وأن يفقهوا الواقع البشريّ ولاسيما السياسيّ، وأن يربطوا بوعي وبصيرة بين ذلك كله وبين السنن الإلهية التي تمضي في الخليقة.
ثانيًا
ولكي ينضبط فهم المسلم ويسهل تفسيره لما يجري؛ ينبغي أن يميز بين أمور لا يصح أن تتداخل، فيميز – أولًا – بين الشعوب وبين الأنظمة وما تحمله من مشاريع؛ لأنّ الأنظمة في زماننا هذا – وفي كلّ زمان تكون السيادة فيه للجاهلية – لا تمثل شعوبها تمثيلًا صحيحًا كاملًا، فلا علاقة بين النظام الإيرانيّ بمشروعه التوسّعي الباطنيّ الإجراميّ وبين الشعب الإيرانيّ بكافّة مكوناته، وعليه فإنّ الحرب الدائرة الآن بين إيران وبين الصهاينة والأمريكان حرب مشاريع وقوى وأنظمة، والنظر إليها وإلى أطرافها والحكم عليها وعلى أطرافها إنّما يكون من هذا المنظور، بمنأى عن الشعوب التي لا مدخل لها في مثل هذه الصراعات.
ويميز – ثانيًا – بين من يقاتل الصهاينة أو الأمريكان جهادًا في سبيل الله ودفاعًا عن دين الله، كالمقاومة الفلسطينية في غزة والضفة، وطالبان في أفغانستان، وبين من يقاتلهما ترويجًا لمذهبه الضال وتمكينًا لمشروعه الإجراميّ، كما تفعل إيران اليوم، وكما فعل حزب الله والحوثي بالأمس، ويميز – ثالثًا – بين أهل السنة بعلمائهم وعامتهم وبين الأنظمة التي تحكمهم، فهذه الأنظمة تنسب كذبا إلى السنة لكونها تحكم الشعوب السنّيّة، بينما هي ليست من السنة ولا الإسلام في شي؛ فإذا قارن الناس بين مواقف هذه الأنظمة وبين النظام الإيرانيّ وأذرعه ظلموا أهل السنة الذين تقهرهم هذه الأنظمة وحملوهم ما لم يحتملوا.
ثالثًا
الحكم بعدم جواز التحالف مع الصهاينة والأمريكان ضدّ إيران حكم شرعيٌّ صحيح؛ ليس لأنّ إيران بمشروعها الإجراميّ تمثل الإسلام أو المسلمين، وإنّما لأنّ التحالف مع المعتدين تعاونٌ على الإثم والعدوان، وهو محرم بنصّ الكتاب، ولأنّ العدو الصهيوني والأمريكيّ يريد أن يورط دول المنطقة في حرب تخدم أهدافه الإجرامية ويكون المسلمون وأموالهم حطبًا ووقودًا لها، وهذا – حتمًا – سوف يهيئهم لاصطلام المسلمين وإعادة تقسيم المنطقة، لإقامة إسرائيل الكبرى فوق أرض الإسلام؛ وتلك مضرّة لا تضاهيها مضرّة.
رابعًا
يجب إنهاء حالة الاستقطاب بين المسلمين، وإنهاؤها يكون بالتفريق بين المشاعر الطبيعية وبين عقيدة الولاء والبراء، فلا يجوز للمسلم في أيّ بلد من بلاد الإسلام أن يوالي واحدًا من العدوين: الكيان الصهيونيّ والمشروع الإيرانيّ، لكنْ إذا كان المسلمون في فلسطين وغيرها يفرحون بما يقع للصهاينة على أيدي إيران فلا تثريب عليهم من إخوانهم في البلاد الأخرى، وإذا كان المسلمون في حواضر الإسلام الكبرى التي دمرها المشروع الإيرانيّ المجرم كاليمن وسوريا والعراق يفرحون بما يصيب الإيرانيين من ضربات تضعف من قوتهم، فلا تثريب عليهم من إخوانهم في البلاد الأخرى؛ فقد – والله – اكتوى الجميع بنار القوتين عندما كان التحالف قائمًا بينهما، كلُّ ما في الأمر أنّ المصاب الذي وقع بالمسلمين يومها تَوَزّعت مسئوليته بين هاتين القوتين الإجراميّتين، فلا تثريب على المسلمين إذا فرحوا لما يقع بهؤلاء أو هؤلاء، والأفضل أن يجمعوا بينهما، فيفرحوا بما يقع للفريقين، ويستبشروا بأنّ كلًا منهما يضعف الآخر.
خامسًا
يجب على كبار علماء الأمة أن يشكلوا وفدًا منهم للإصلاح بين دولتي باكستان وأفغانستان، وألّا يدعوا القيادات الموالية لأمريكا والمنفذة لأجندتها تنفرد بتحديد مصير شعوب مسلمة لا يمكن أن تقطع الحدود السياسية المصطنعة ما بينهم من صلات وروابط إيمانية وعرقية، فهذا واجب كبير، ولاسيما إذا علمنا أنّ الهند وأمريكا تتربصان بهما الدوائر، الأولى تتربص بالفريقين ولاسيما باكستان، والثانية تتربص بالفريقين أيضًا ولاسيما أفغانستان، وكلتاهما على علاقة وثيقة وتنسيق تام مع الكيان الصهيونيّ.
سادسًا
وفي ظلّ هذا الصراع المحتدم بين المشاريع المتصارعة المتدافعة يسأل المسلم في بلاد الإسلام كلها: أين مشروعنا نحن أهل السنة؟ أين المشروع الإسلاميّ لأهل السنة الذين هم أهل الإسلام؟ فإذا كانت الأنظمة التي تحكم بلاد المسلمين لا تمثل المشروع الإسلاميّ فأين دور العلماء والصلحاء وأهل الحلّ والعقد في المسلمين؟ لقد آن الأوان أن تلتقي كلمة علماء الأمة وكبرائها على مشروع للتمكين، على مشروع حضاريّ شامل وكامل، تتحدد ملامحه بفقه ورشد ووعي واستقامة، وتتحرك فيه الأمة على تؤدة وأناة وحزم.
والله المستعان


