كيف يقرأ الصهاينة نهاية الدعم الأمريكي؟

من أحداث طوفان الأقصى إلى اليوم، لم تخسر إسرائيل فقط المعركة الدبلوماسية في المحافل الدولية، بل بدأت تخسر المعركة الأعمق: معركة الوعي داخل المجتمع الأمريكي نفسه.

انهيار الجسر: كيف تقرأ النخبة الصهيونية خسارة الداعم الأمريكي

منذ السابع من أكتوبر 2023، لم تشهد المنطقة تحولاً استراتيجياً فقط، بل شهد العالم انهياراً في الرواية التي استمرت لعقود عن “الديمقراطية اليهودية” ككيان أخلاقي فريد. مع استمرار الحرب على غزة، لم يعد ممكناً التغطية على التناقض الصارخ بين الخطاب الدبلوماسي والممارسة اليومية للاحتلال والإبادة. الأهم من ذلك، أن العالم لم يعد كما كان، وبدا أن صورة الكيان الصهيوني ككيان عنصري أصبحت مكشوفة للجميع، حتى داخل عمق المشروع الصهيوني نفسه.

لكن اللافت هذه الأيام ليس فقط تصاعد الموقف العالمي المناهض لإسرائيل، بل ما يكتبه **الصهاينة أنفسهم** عن “خسارة مرتقبة” قد تكون الأكثر إيلاماً: خسارة الداعم الأمريكي، ليس فقط على مستوى الإدارات، بل على مستوى الوعي الشعبي والأجيالي في الولايات المتحدة.

 أزمة وجودية في الصهيونية الليبرالية: الجسر ينهار

في حدث وصف بأنه تأبين لفكرة الصهيونية الليبرالية، اجتمع نخبة من المفكرين والحاخامات اليهود في مانهاتن مطلع يناير 2026 ليسألوا: هل انهار الجسر الأيديولوجي الذي يربط بين القيم الديمقراطية اليهودية ودعم إسرائيل؟ لخص الحاخام إيروين كولا المشهد بقوله: **”إننا نعيش انهيار النموذج الفكري”** .

ما يحدث ليس مجرد اختلاف في الرأي، بل اعتراف صريح من النخبة بأن الجيل الشاب من اليهود الأمريكيين ينأى بنفسه. قالت الحاخام جيل جاكوبس، الرئيسة التنفيذية لمنظمة “ترواه” الحقوقية، إن مصداقية الصهيونية الليبرالية تقوضت لأن المؤسسات اليهودية الكبرى علمت اليهود الأمريكيين أن دعم إسرائيل يعني الدفاع عن حكومتها وتجاهل الاحتلال. النتيجة كانت حتمية: **”جيل شاب لم يعرف إسرائيل إلا في عهد نتنياهو، ينظر حوله ويقول: إذا كانت الصهيونية تعني الدفاع عن الاحتلال، فلا أريد أي جزء منها”** .

هذا الاعتراف خطير لأنه يأتي من داخل المعبد، من أشخاص كرسوا حياتهم للدفاع عن المشروع الصهيوني، وهم الآن يرون أبناءهم ينسحبون.

 الفجوة الأجيالية: نهاية الإجماع الجمهوري والديمقراطي

لم يعد تراجع الدعم الأمريكي مجرد ظاهرة عابرة، بل تحول إلى أرقام ثابتة في استطلاعات الرأي. وفقاً لتقرير صادر عن معهد السياسة الخارجية النمساوي (oiip) في يناير 2026، فإن العلاقات الإسرائيلية الأمريكية ستظل استراتيجية على المستوى الرسمي، لكن **”شرعية إسرائيل الشعبية في الولايات المتحدة تتآكل، خاصة بين الديمقراطيين والفئات الأصغر سناً”** .

الأرقام صادمة:

– متوسط تقييم الديمقراطيين لإسرائيل (على مقياس من 0 إلى 100) هبط من 55 نقطة على مدى خمسة عقود إلى **41 نقطة فقط** اليوم.

– استطلاع لصحيفة نيويورك تايمز في خريف 2025 أظهر أن **الناخبين الأمريكيين يتعاطفون مع الفلسطينيين أكثر من الإسرائيليين لأول مرة منذ 1998** .

– حتى داخل الحزب الجمهوري، تتسع الفجوة: 79% من الجمهوريين فوق 65 عاماً يدعمون إسرائيل، لكن النسبة تهبط إلى **40% فقط بين الجمهوريين تحت سن 44** .

هذا يعني أن العامل الأجيالي سيقضي على ما تبقى من الإجماع التاريخي. حتى أن شخصيات سياسية بارزة بدأت ترفض تبرعات “أيباك” (أكبر لوبي مؤيد لإسرائيل في أمريكا) لأن الدعم أصبح “سماً سياسياً” في واشنطن .

 الاعتراف بالهزيمة: إسرائيل تخسر حرب الوعي

ربما يكون الأكثر إيلاماً في الخطاب الصهيوني الحالي هو الاعتراف الرسمي بالفشل في معركة السردية. في مقال بصحيفة “جيروزاليم بوست” أواخر يناير 2026، وصف الكاتب الوضع بأنه **”فشل استراتيجي عميق”** وليس مجرد مشكلة علاقات عامة. العنوان كان صريحاً: *”إسرائيل تخسر معركة الوعي في 2026″* .

يعترف الكاتب بأن إسرائيل كانت تتصور أن امتلاك الحقيقة يكفي، لكن العالم لم يعد يعمل بالمنطق وحده. العالم اليوم يعمل بالمشاعر والصورة، وإسرائيل “تكاد تكون غير مرئية” في المنصات التي يهيمن عليها الشباب مثل تيك توك. الخلاصة التي وصلت إليها النخبة الإسرائيلية: **”إسرائيل لا تعاني من مشكلة في الحقيقة، بل تعاني من مشكلة في الاستراتيجية”** .

 الاستعداد لـ”اليوم التالي”: خطة الفطام الأمريكي

النتيجة الأكثر دراماتيكية لهذا التحول هي ما أعلنه بنيامين نتنياهو نفسه مؤخراً. في مقابلة مع مجلة “ذي إيكونوميست” في يناير 2026، قال نتنياهو إنه يريد **”إنهاء المساعدات العسكرية الأمريكية تدريجياً إلى الصفر خلال السنوات العشر القادمة”** .

هذا التصريح ليس نابعاً من قوة، بل من إدراك عميق بأن الدعم لم يعد مضموناً. محللون في “تايمز أوف إسرائيل” يرون أن إسرائيل تقرأ “الكتابة على الحائط”: التحول في الرأي العام الأمريكي، صعود تيار “أمريكا أولاً” المنعزل، والإحباط من القيود التي فرضتها إدارة بايدن على توريد الأسلحة خلال الحرب، كلها عوامل تدفع تل أبيب للبحث عن **”الاستقلال الأقصى”** .

ما يصفه المسؤولون الإسرائيليون السابقون بأنه انتقال من “وضع المتلقي إلى وضع الشريك” مع الولايات المتحدة، هو في الحقيقة اعتراف بأن إسرائيل لم تعد قادرة على الاعتماد على شيك على بياض من واشنطن.

 الخلاصة

من أحداث طوفان الأقصى إلى اليوم، لم تخسر إسرائيل فقط المعركة الدبلوماسية في المحافل الدولية، بل بدأت تخسر المعركة الأعمق: معركة الوعي داخل المجتمع الأمريكي نفسه. ما يكتبه الصهاينة اليوم ليس مجرد تحليل سياسي، بل هو تأبين لفكرة كانت تُباع للعالم على أنها “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط”. النخبة تعترف بأن الجسر انهار، وأن الجيل الجديد لم يعد مستعداً لحماية مشروع استعماري عنصري، حتى لو كان ثمناً لذلك خسارة “الداعم الأكبر” في التاريخ.

اقرأ أيضا

الكيان الصهيوني عدو نفسه وأول الساعين في نهايته!

الإرهاب الأمريكي الإسرائيلي

التعليقات معطلة