من يقرأ كتاب شحرور “الكتاب والقرآن” يكاد يشدّ شعره من كثرة أخطاء الرجل الكارثية في العربية وفي القرآن، والتي تذهب باستنتاجاته أدراج الرياح.. ويشفق عليه من إصراره على تطبيق نظرياته حتى مع مصادمتها لآيات القرآن!

الكتاب والقرآن… ترادف أم تغاير؟

– يقول مثلا معلّقًا على قوله تعالى في سورة الحِجر: {الر تلك آياتُ الكتابِ وقرآنٍ مبين}: “وهنا نلاحظ كيف عطف القرآن على الكتاب، وفي اللسان العربي لا تعطف إلا المتغايرات، أو الخاص على العام” (الكتاب والقرآن، 57). يريد بذلك التفريق بين الكتاب والقرآن، وهما اسمان مختلفان لشيء واحد.

ولا ندري هل مرّ على قوله تعالى في يحيى عليه السلام: {وسيّدًا وحَصورًا ونبيًّا}. فهل المقصود بالحصور والنبي شخص غير السيّد؟!

هدى للمتقين أم للناس؟

– يجعل شحرور “الكتاب” للمتّقين و”القرآن” للناس فيقول: “نلاحظ أنّه عندما ذكر الكتاب قال {هدى للمتّقين} لأنّ في الكتاب أحكام العبادات والمعاملات والأخلاق، أي فيه التقوى بالإضافة إلى القرآن. وعندما ذكر القرآن قال: {هدى للناس} ولفظة الناس تشمل المتّقين وغير المتّقين” (الكتاب والقرآن، 57).

فهل قرأ قوله تعالى: {إِنَّا أَنزلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ}؟ فها هو الكتاب “للناس”!

بين النفي والإثبات: شحرور ينفي عن القرآن الأخلاق والتقوى!

– يقول: العلماء أخطأوا حين جعلوا “الكتاب” بمعنى “القرآن” ولا ترادف بين الكلمتين. ثم يقول إنّ قوله تعالى: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنزلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} المقصود به هو “القرآن”، فرادف بينهما!

وحتى يزيد من شدّة تمعيطك لشعرك يقول بعد الآية مباشرة: “التقوى اتباع الحلال وترك الحرام، فهي في أم الكتاب لأنّها سلوك إنساني وليست معرفة الوجود، وبما أنّ القرآن فرَّق بين الحقّ والباطل والرسالة فرّقتْ بين الحلال والحرام، فإنّ القرآن ليس له علاقة بالتقوى. لذا قال كلمة {واتقوا} بعد كلمة {فاتّبعوه}. هنا أريد أن أؤكّد على نقطة في غاية الأهمية وهي أنّ القرآن كتاب الوجود المادي التاريخي، لذا فإنّه لا يحتوي على الأخلاق ولا التقوى ولا اللياقة ولا اللباقة” (الكتاب والقرآن، 91).

الله عز وجل يقول عن الكتاب المبارك (وهو عند شحرور “القرآن”) {فاتّبعوه واتّقوا} وشحرور ينفي أن يكون فيه أخلاق أو تقوى أو لياقة أو لباقة! فهل في كلام شحرور شيء من جنس اللياقة واللباقة فضلا عن الفهم؟!

الاصطدام بالنص: كيف عالج شحرور آية “مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ”؟

– يقول إنّ “الكتاب” معرَّفًا هكذا هو كل آيات المصحف، أما “القرآن” فهو الذي يصدّق الكتاب وبمنزلة التوقيع والختم عليه. ولكنّه يصطدم بقوله تعالى: {وَأَنزلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} (المائدة: 48).

بتر العبارات القرآنية ليست طريقة لفهم القرآن

فقد جاء “الكتاب” معرّفًا ووُصف كلّه بأنّه “مصدِّق” وهي الصفة التي يعطيها شحرور لـ “القرآن” خاصّة، فماذا يفعل؟ يخترع صفة جديدة مبتورة، فيقول: “والكتاب بالحقّ هو القرآن” (الكتاب والقرآن، 116). فبتر العبارة عمّا تتعلق به، لأنّ كلمة “بالحق” متعلّقة بقوله تعالى {وأنزلنا}، أي: أنزلناه بالحق! وقول شحرور “الكتاب بالحق” ليست جملة عربية مفيدة! بل قال تعالى في سورة فاطر: {وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ}. فلم يقل هنا “الكتاب بالحق”، بل جعل “الكتاب” (بالتعريف) هو المصدّق لما بين يديه.

إلغاء ما سبق من كتب: تدمير لمعنى النبوة أم قراءة جديدة؟

وزيادة في الخرابيط زعم شحرور أنّ {لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ} المقصود بها كتاب الله تعالى الذي يحمل “الرسالة” وليس الكتب السابقة كما قال المفسّرون، واقرأوا خرابيطه:

“هذا القرآن هو تصديق لِما بين يديه من الكتاب. وأم الكتاب هي من الكتاب حيث تشكّل مع القرآن الكتاب. أي أنّ الوظيفة الثانية للقرآن بعد تصديق أم الكتاب “الذي بين يديه” هي الهيمنة على أم الكتاب” (الكتاب والقرآن، 116).

وشحرور يتعجّب من المفسّرين الذين قالوا إنّ {لما بين يديه من الكتاب} المقصود بها ما سبق من كتب، أي التوراة والإنجيل تحديدا، ويتّهمهم بأنّهم بذلك “قصموا ظهر نبوة محمد صلى الله عليه وسلّم” (الكتاب والقرآن، 88).

الخرابيط بعنوان ‘الترتيل’: لماذا فشل شحرور في جمع الآيات؟

لكنه لو نظر في الآية السابقة لوجد أن الله تعالى قال في عيسى عليه السلام والإنجيل: {وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ}، ومن الطبيعي بحسب تدرّج الآيات أنّه حين يصل إلى الرسول صلى الله عليه وسلّم يكون القرآن مصدّقا لما بين يديه من الكتاب أي: ما سبقه من الكتب المنزلة.

ثم ألم يقرأ قوله تعالى في سورة البقرة: {وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ}، وفي سورة النساء: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ}، وغيرها. فكلام المفسّرين هو الصحيح وهو الموافق للقرآن، لكن آفة شحرور (على افتراض حسن الظنّ به!) هي أنّه خالف سياق سورة المائدة، وزاد عليه أنّه لم يجمع الآيات ذات المعنى الواحد في القرآن إلى جانب بعضها بعضًا كما يتبجّح ويسمّيه زورا وجهلا “الترتيل”!

كان هذا غيض من فيض ما مرّ معي من خرابيطه وأنا أطالع كتابه، ولا تخلو صفحة من كتابه هذا من مثل هذا الهذيان!

المصدر

صفحة شريف محمد جابر، على منصة ميتا.

اقرأ أيضا

معجزات محمد شحرور الـسبع

حول أخطر موجة تفكيك عقدي في تاريخ الإسلام المعاصر

‏ يوسف أبو عوّاد.. خليفة محمد شحرور في تحريف القرآن

التعليقات معطلة