قراءة في جذور الحرب في السودان وتعقيدات المشهد الوجودي
خمسة عشر مليون نازح ولاجئ، وأكثر من مائة ألف قتيل، ومجاعة تتربص بأربعة وعشرين مليون إنسان؛ أرقام مفزعة وكارثة إنسانية تتمدد من أقصى شمال السودان إلى جنوبه، ومن شرقه إلى غربه. ورغم فداحة المشهد، يواجه هذا البلد تعتيماً إعلامياً مريباً وتهميشاً دولياً مقصوداً يطرح تساؤلات ملحة حول الدوافع الحقيقية وراء ترك السودان ينزف بصمت. في هذا السياق المعقد، استضاف “بودكاست التجديد” المفكر الإسلامي البارز الدكتور حسن سلمان، في حوار استقصائي عميق لتشريح الأزمة السودانية. يسلط هذا المقال التحليلي الشامل الضوء على مجريات هذا الحوار، متتبعاً الجذور التاريخية للأزمة، والتدخلات الإقليمية والدولية، ومسارات التحول السياسي والميليشياوي، وصولاً إلى السيناريوهات المستقبلية المحتملة لهذه الحرب الوجودية، مقدماً قراءة متأنية لا تغفل أي تفصيل من تفاصيل المشهد السوداني المعقد.
الجذور التاريخية للأزمة: إرث الاستعمار البريطاني وبنية الدولة المركبة
لا يمكن فهم المشهد السوداني الراهن دون العودة إلى جذور تشكل الدولة السودانية الحديثة، والتي لم تكن ولادتها طبيعية. لقد كانت الجغرافيا السودانية تاريخياً تضم إمارات وسلطنات مستقلة ذات هوية راسخة، إلا أن المستعمر البريطاني قام بدمج هذه الفسيفساء المعقدة والمتباينة في كيان جيوسياسي واحد، وأخضعها لحكمه بالتنسيق مع مصر عبر ما عُرف بـ”الحكم الثنائي”.
وعندما دنت لحظة الاستقلال في عام 1956، تجلى الانقسام الداخلي بوضوح؛ حيث كان “الحزب الاتحادي” يرى استمرار العلاقة مع مصر خياراً طبيعياً لملء الفراغ البريطاني، بينما قاد “حزب الأمة” – مستنداً إلى إرثه الثوري – تيار الاستقلال التام. وهنا برز خبث الإدارة البريطانية التي تلاعبت بمسار فك الارتباط؛ إذ تفاوضت مع النخبة السودانية في لندن بمعزل عن القيادة المصرية، مما أسفر عن إعلان الاستقلال من داخل البرلمان السوداني بقيادة إسماعيل الأزهري، في خطوة شكلت طعنة مفاجئة لمصر. ولم يكتفِ العقل الاستعماري البريطاني – الذي اعتاد ترك بؤر صراع خلفه كما فعل في كشمير بين الهند وباكستان – بذلك، بل أسس لأزمة مستقبلية عويصة عبر سياسة “المناطق المقفولة” التي عزلت جنوب السودان ثقافياً، وسياسياً، واقتصادياً عن شماله، ليترك وراءه قنبلة موقوتة.
أزمات الدولة الحديثة: السيادة، الهوية، التنمية، والافتقار للعقد الاجتماعي
لقد ورثت الدولة السودانية الحديثة أربع أزمات بنيوية عميقة استمرت في نخر جسدها حتى اليوم: أولاً، “أزمة السيادة”: إذ لم يخرج المستعمر إلا بعد أن زرع نخبة حداثية وعلمانية مرتبطة به ثقافياً وسياسياً، مما جعل الاستقلال السياسي منقوصاً وغير معبر عن إرادة تحرر شاملة، بل كان نتاج تفاهمات وتسويات. ثانياً، “أزمة الهوية”: وجد السودان نفسه ممزقاً بين هويته التاريخية العميقة (الإسلامية، والعربية، والإفريقية) التي تجسدت منذ عهد “السلطنة السنارية” ذات البنية الصوفية المحافظة، وبين هوية النخبة الحديثة المتغربة التي صنعتها بريطانيا. وقد تجلى هذا الصراع مبكراً في الخلاف حول طبيعة الدستور (إسلامي أم علماني). ثالثاً، “أزمة التنمية”: فشلت النخب المتعاقبة في إحداث تنمية متوازنة، فظهرت فوارق شاسعة بين المركز والأطراف، حيث تعيش مناطق واسعة في تهميش كامل تفتقر لأبسط مقومات الحياة كالكهرباء والمياه النظيفة، لدرجة غياب أي شعور بوجود الدولة المركزية. رابعاً، “غياب الاستقرار السياسي والعقد الاجتماعي”: أدى التداخل المعقد لجميع هذه الأزمات، بالإضافة إلى قدر السودان الجغرافي كمنطقة برزخية فاصلة بين شمال الصحراء العربية وجنوبها الإفريقي، إلى غياب التوافق على إجابات لأسئلة مصيرية: من نحن؟ وماذا نريد؟ وكيف نحمي سيادتنا؟
ثقب الجنوب الأسود وتسييس البعد الديني
شكلت قضية جنوب السودان “الثقب الأسود” الذي استنزف موارد الدولة، وقد بدأت إرهاصاتها فعلياً بين عامي 1954 و1955، أي قبل الاستقلال. ورغم أن النخبة الجنوبية اختارت بمحض إرادتها في “مؤتمر المائدة المستديرة” الارتباط بالشمال، مخيبة بذلك آمال بريطانيا في فصله، إلا أن النخبة الحاكمة في الخرطوم فشلت في استيعاب هذا التنوع المتباين دينياً وعرقياً، واختارت الحل العسكري بدلاً من التنمية والمساواة.
لم يكن العامل الديني هو المحرك الأساسي للأزمة في بداياتها، بل تم تسييسه لاحقاً. فبعد فترات من الهدوء واتفاقيات السلام في عهد النميري، استأنف جون قرنق التمرد المسلح حتى قبل إعلان النميري لتطبيق قوانين الشريعة الإسلامية. واستمر التمرد حتى خلال فترات الديمقراطية الثالثة، مما يؤكد أن العامل الخارجي استخدم الجنوب كمنصة لابتزاز الدولة السودانية وتفكيكها.
عهد البشير ومحاولات التدجين الأمريكي: من التماسك إلى الانشقاق
يُخطئ من يظن أن العداء الأمريكي للسودان بدأ مع وصول الحركة الإسلامية بقيادة عمر البشير والدكتور حسن الترابي إلى السلطة عام 1989. فالأزمة أعمق وتتعلق برفض السودان لمحاولات “الاستتباع”؛ فحتى الديمقراطية الثالثة بقيادة الصادق المهدي، الذي كان يحمل أنفة السيادة، تعرضت لحصار أمريكي وخليجي. إن المنطقة العربية في العرف الغربي هي منطقة نفوذ وتلقي أوامر، ومن يرفض الامتثال يُحرم ويُحاصر وفق منهجية تقارن بـ “طريقة الدجال”.
عندما تسلمت حكومة الإنقاذ السلطة تزامناً مع انهيار الاتحاد السوفيتي وتفرد أمريكا كقطب أوحد، امتلكت إرادة سياسية قوية وحاضنة شعبية مؤمنة بمشروعها الاستقلالي. فلجأت واشنطن إلى استراتيجية “الشد من الأطراف”، عبر إشعال جبهات القتال في الجنوب، والشرق، والغرب بغرض إرهاق الدولة. ورغم صمود السودان في العشرية الأولى، إلا أن الحصار أدى إلى ضغوط داخلية أسفرت عن الانشقاق الشهير للحركة الإسلامية بين “القصر” (البشير) و”المنشية” (الترابي).
وفي نهايات عهده، ارتكب البشير خطأً استراتيجياً بمحاولة التقرب من المحور الإقليمي (السعودية والإمارات) الراعي للمصالح الأمريكية، مبتعداً عن محوره السابق (إيران، تركيا، قطر) أملاً في فك الحصار. لكن هذه الخطوة أدت إلى نتائج عكسية؛ إذ مهدت لاختراق النظام وتغلغل النفوذ الأجنبي الذي رعى لاحقاً المعارضة السودانية في دول كبريطانيا، والإمارات، وكينيا، وأوغندا.
صعود حميدتي: صناعة الإمبراطورية الميليشياوية
لم ينشأ محمد حمدان دقلو (حميدتي) من فراغ، بل كان صنيعة الدولة السودانية. ففي مواجهة التمرد في دارفور، لجأ البشير إلى رعاية ميليشيات محلية بدأها بموسى هلال، ثم استبدله بحميدتي عقب الملاحقات الدولية للأول. في البداية، كانت قوات “الدعم السريع” محدودة لا تتجاوز 20 ألف مقاتل وتخضع لهيمنة القوات المسلحة.
إلا أن هناك نقطتي تحول صنعتا “إمبراطورية حميدتي”: الأولى تمثلت في إشراك قواته ضمن التحالف في حرب اليمن بقيادته مع البرهان، مما فتح له قنوات اتصال مباشرة مع السعودية والإمارات، فتحول ولاؤه من الدولة إلى الخارج الذي يموله. والثانية كانت الخطأ الكارثي للبشير بالسماح لحميدتي بتوقيع اتفاقيات مباشرة مع الاتحاد الأوروبي لحماية الحدود من الهجرة غير الشرعية، مما وفر له ميزانية سنوية مستقلة. ومع منحه السيطرة على مناجم الذهب في “جبل عامر”، اكتملت لديه مثلث النفوذ: القوة العسكرية، والثروة المالية الهائلة، التي ولّدت الطموح السياسي الجارف.
سقوط البشير وفخ الاتفاق الإطاري: التحالف المدني-الميليشياوي
في عام 2019، أُطيح بالبشير عبر لجنته الأمنية (الجيش، الدعم السريع، الشرطة، المخابرات). وهنا برز الثنائي البرهان وحميدتي. في تلك المرحلة، سيطرت الإمارات على مقاليد الأمور عبر هذا الثنائي، وتماهى البرهان لعامين كاملين مع الطلبات الإماراتية التي كان يسلمها له حميدتي بتجريف القوات المسلحة وإقالة الضباط المحسوبين على التيار الإسلامي.
لكن القوى الإقليمية والدولية كانت تدرك أن المؤسسة العسكرية، بطبيعتها وعقيدتها الصلبة، لا يمكن تدجينها واستتباعها بالكامل. فبدأت خطة فصل الدعم السريع عن الجيش؛ حيث تحالفت القوى المدنية (برعاية المبعوث الأممي فولكر بيرتس) مع حميدتي. وفي لحظة “الاتفاق الإطاري”، أدرك حميدتي أن الطريق معبد أمامه لرئاسة الدولة بعد وعود ببقاء قواته مستقلة لعشر سنوات. بالمقابل، أدرك البرهان والقوات المسلحة أن توقيع الاتفاق يعني حل الجيش وتسليم البلاد لميليشيا مدعومة من الخارج، فانحاز البرهان لمؤسسته لتبدأ المواجهة الحتمية لإنقاذ ما تبقى من بنية الدولة.
الكارثة الإنسانية وتسليع المعاناة: حصار في الداخل والخارج
لقد أنتجت هذه الحرب تداعيات إنسانية مرعبة تتجاوز الأرقام المعلنة؛ فهناك قرابة 3 ملايين لاجئ فروا إلى دول الجوار (مصر، تشاد، إثيوبيا، إريتريا، ليبيا، جنوب السودان)، وأكثر من 10 ملايين نازح داخلياً، أبرزهم من الخرطوم وولاية الجزيرة التي فرت أعداد كبيرة من سكانها نحو الشمال والشرق، بينما سقطت ولايات أخرى ككردفان ودارفور في غياهب النسيان الإنساني.
وقد صاحب هذا النزوح أزمات كبرى؛ فمصر ألغت “اتفاقية الحريات الأربع”، مما فرض قيوداً أمنية مشددة ودفع السودانيين نحو التهريب، وحول مسألة اللجوء إلى “تسليع” للمعاناة الإنسانية ضمن أنظمة الأمم المتحدة التي تمنح امتيازات مالية للدول المضيفة. وحدها دولة إريتريا – رغم إمكانياتها المحدودة – فتحت أبوابها للسودانيين دون تأشيرات أو مخيمات، وآوتهم في المدارس والمساجد، داعمة موقف القوات المسلحة منذ اليوم الأول.
أما على الصعيد الدولي، فقد تم تسييس الملف الإنساني واستخدامه كورقة حرب من قبل “الرباعية” (أمريكا، بريطانيا، السعودية، الإمارات). فرغم تجارب سابقة كـ”شريان الحياة” في عهد جون قرنق، ترفض القوى الدولية التدخل الإنساني اليوم بغرض الضغط على القوات المسلحة واستنزافها شعبياً. وقد وصل الأمر ببعض القوى المدنية السياسية للمطالبة بفرض حظر طيران تحت ذريعة حماية المدنيين، والهدف الحقيقي هو تحييد نقطة التفوق الاستراتيجي للجيش السوداني. وبقيت الخرطوم، التي كانت تضم ربع سكان السودان، مدمرة بالكامل في بنيتها التحتية، والتعليمية، والصحية، بل وحتى في ذاكرتها التاريخية من متاحف ووثائق.
الوعي الشعبي واصطفاف الحركة الإسلامية والمواطنين خلف القوات المسلحة
رغم محاولات التغييب، أظهر الشعب السوداني وعياً استثنائياً بطبيعة المؤامرة، مما تجلى في انخراط ما بين 500 إلى 600 ألف مواطن سوداني في “معركة الكرامة” لحمل السلاح دعماً للجيش. هذا الاصطفاف لم يكن عشوائياً، بل جاء رداً على سياسات مجموعة “قوى الحرية والتغيير” التي تسلمت السلطة وتجاهلت أولويات الانتقال السياسي، مفتعلة صراعاً مباشراً مع الهوية الإسلامية للمجتمع؛ من خلال تمرير أجندات النسوية، والترويج للمثلية، وإغلاق جمعيات تحفيظ القرآن الكريم.
هذا الاستفزاز أدى إلى توحيد “التيار الإسلامي العريض”، بدءاً من الطرق الصوفية الراسخة وتكاياها، وصولاً إلى الحركات السلفية وجماعة الإخوان المسلمين. لقد أدرك الجميع أن المعركة لم تعد مجرد تصفية حسابات مع ما يُطلق عليهم شعبياً بـ(الكيزان)، بل هي استهداف للإسلام ذاته في السودان. ورغم التحفظات على إدارة البرهان للمشهد، لم يجد المواطن السوداني أمامه خياراً سوى الاصطفاف خلف القوات المسلحة كمؤسسة وطنية يمكن إصلاحها ومحاسبتها، في مواجهة مشروع ميليشياوي عائلي وقبلي مدعوم بأجندات استعمارية وتمدد عرقي يمتد إلى غرب إفريقيا.
تقاطع المصالح الإقليمية والدولية: مؤامرة التفكيك والتمويل الموجه
لا يمكن قراءة المشهد السوداني بمعزل عن المحرك الخارجي. فعلى المستوى الكلي، تقود الولايات المتحدة وبريطانيا المشهد السياسي لفرض “الاستتباع”، بينما تتولى الإمارات القيادة الميدانية المباشرة عبر تمويل ميليشيا الدعم السريع بالمال والسلاح. وفي هذا الإطار، سقطت الكثير من المواقف؛ فالاتحاد الإفريقي تخلى عن مبادئه التاريخية الداعمة للمؤسسات العسكرية الرسمية لينحاز للميليشيا تحت ضغط المال الخليجي والنفوذ الغربي.
كما لعبت فرنسا دوراً خفياً وخطيراً؛ إذ شجعت هجرة المكونات القبلية العربية التي كانت تؤرقها في مناطق نفوذها في غرب إفريقيا (مالي، النيجر، تشاد، وإفريقيا الوسطى)، لتزج بهم في قلب الخرطوم، مما أسفر عن تجنيد أكثر من 300 ألف مقاتل أجنبي في صفوف الدعم السريع. ورغم أن دول الجوار مثل تشاد وإثيوبيا انحازت في البداية للميليشيا، إلا أن صمود الجيش السوداني واستعادته لزمام المبادرة أجبر رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد والقيادة التشادية على مراجعة حساباتهم.
أما الدور المصري، فرغم إعلانه الرسمي دعم وحدة السودان والقوات المسلحة، إلا أنه بدا ضعيفاً ومكبلاً بالضائقة الاقتصادية التي جعلت القرار المصري مرتهناً لهيمنة المال الخليجي. ويشترك صانع القرار في مصر والسعودية في هاجس الخوف من عودة الإسلاميين للمشهد، رغم أن المؤسسة العسكرية السودانية هي الجهة الأقدر على ضبط هذا الوجود دون التفريط في سيادة الدولة.
التعتيم الإعلامي وازدواجية المعايير الدولية: مأساة الفاشر نموذجاً
تُعاني الأزمة السودانية من تواطؤ إعلامي عربي وغربي متعمد. ففي البدايات، اصطفت أكبر منصتين عربيتين (قناة الجزيرة القطرية وقناة العربية الحدث الإماراتية) خلف سردية الدعم السريع والقوى المدنية. ولم يستقم خطاب الجزيرة إلا بعد عام من اندلاع الحرب، بينما استمرت “العربية” في الانحياز للميليشيا كونها تعبر عن الدولة الراعيه لها، حتى تم حظرها مؤخراً.
على الصعيد الدولي، يُمارس الإعلام الغربي انتقائية فجة مبرراً إحجامه بأن الجيش السوداني مخترق من قبل كتائب إسلامية، مما يمنح الضوء الأخضر للصمت المطبق. ولعل أبشع تجليات هذه الازدواجية ما يحدث في مدينة “الفاشر” المحاصرة؛ حيث يتكدس أكثر من مليوني إنسان تحت حصار خانق لأكثر من 470 يوماً، ويتعرضون لأكثر من 300 هجوم مميت من قبل الدعم السريع. ورغم مجازر الإبادة الجماعية التي طالت قبائل إفريقية مسلمة كالمساليت في الجنينة، وقصف المساجد على رؤوس المصلين (كما حدث مؤخراً بمقتل 75 مصلياً في صلاة الفجر)، يقف العالم صامتاً. فبينما كانت المنظمات الأمريكية تملأ الدنيا ضجيجاً عام 2003 دفاعاً عن العنصر الأفريقي في دارفور ضد ما أسمتهم بـ”الجنجويد”، نجدها اليوم توفر الغطاء السياسي والإعلامي لذات الميليشيات لأنها باتت تنفذ أجندة التفكيك والاستتباع الأمريكية!.
السيناريوهات المستقبلية لـ “حرب الوجود” في السودان
يقف السودان اليوم أمام مفترق طرق معقد، ويمكن حصر السيناريوهات المستقبلية في مسارات عدة:
1. فشل سيناريو الهيمنة الكاملة
سقط المخطط الأول الذي استهدف السيطرة على الدولة السودانية واغتيال أو اعتقال البرهان، وذلك بفضل امتصاص القوات المسلحة للصدمة الأولى (التي حوصر فيها البرهان 7 أشهر في القيادة العامة) وانحياز الشعب والحركات الدارفورية المسلحة للجيش.
2. سيناريو التقسيم (النموذج الليبي)
وهو محتمل بقوة، لا سيما إذا سقطت مدينة الفاشر، مما قد يمهد لإعلان سلطة ميليشياوية في دارفور وأخرى تابعة للجيش في الخرطوم، وهو ما يتوافق مع الأبحاث الأمريكية التي سعت منذ الثمانينيات لتفتيت السودان إلى دويلات.
3. حرب الاستنزاف طويلة الأمد
نظراً للإصرار الدولي والتمويل الإقليمي المستمر للميليشيا، ولرغبة “الرباعية” في فرض تسويات سياسية تقصي إرادة الشعب وتعيد الميليشيا للمشهد السياسي، فإن إطالة أمد الحرب لاستنزاف الجيش السوداني يظل السيناريو الأكثر ترجيحاً، شبيهاً بما آلت إليه الأوضاع في الصومال وجنوب السودان.
تُثبت مجريات الأحداث أن ما يتعرض له السودان ليس مجرد اقتتال داخلي، بل هو “حرب وجود” ومؤامرة متكاملة الأركان تتقاطع فيها خيوط السياسة الدولية مع طموحات الميليشيات وأموال الإقليم. لقد كشفت هذه الحرب زيف الشعارات الغربية حول الديمقراطية وحقوق الإنسان، وأكدت – كما يُشير كتاب “سلام ما بعده سلام” لديفيد فرومكين – أن الغرب وصنائعه من أنظمة الثورة المضادة لا يسعون إلا لتفكيك دولنا وإحكام السيطرة على مقدراتنا. إن الخروج من هذا النفق المظلم يتطلب إدراكاً عميقاً لطبيعة المعركة، والتفافاً حول مؤسسات الدولة الوطنية المتبقية، ووعياً بأن الاستقلال الحقيقي ينبع من الداخل ولا يُستورد على دبابات الخارج أو مبعوثيه. واليوم، تقف القوات المسلحة السودانية كحائط صد أخير يمنع انزلاق البلاد نحو فوضى ستطال شرارتها كامل الإقليم، بما في ذلك أمن البحر الأحمر والمحيطين الإفريقي والعربي.
دعوة للتفاعل
في ظل التكالب الدولي والمؤامرات الإقليمية الرامية لتفكيك بنية الدولة السودانية وطمس هويتها، هل تعتقد أن صمود الشعب السوداني والتفافه خلف جيشه الوطني قادر على قلب الطاولة وإفشال مخططات “الاستتباع” الغربية، أم أن غياب حليف دولي استراتيجي سيجعل من حرب الاستنزاف قدراً محتوماً يهدد وحدة البلاد؟


