ليس السؤال: هل سيأتي رمضان؟
بل: كيف سيأتي عليك؟
يمر الشهر على الجميع، لكن قليلين فقط يخرجون منه بقلوب مختلفة وحياة مختلفة. بين من يكتفي بالأجواء، ومن يصنع لنفسه مسارًا جديدًا، تتحدد النتائج. هذه الوصايا ليست أعمالًا متفرقة، بل خريطة طريق لمن أراد رمضانًا يُغيّر ما بعده.
فضل المسارعة في المواسم المباركة
إذا كانت المسارعة بالخيرات مطلوبة في كل وقت، فإنها في الأزمنة الشريفة والأماكن الفاضلة أعظم أجرًا وأثرًا. ورمضان هو ميدان السباق الأكبر؛ حيث تتضاعف الفرص وتتهيأ القلوب، وتُفتح أبواب لا تُفتح في غيره.
ثلاث عشرة وصية لرمضان مختلف
هذه ثلاث عشرة وصية عملية تساعدك على دخول رمضان بخطة واضحة، لا بكثرة أعمال مشتتة. مفاتيح بسيطة لترتيب وقتك وقلبك مع القرآن والصلاة والدعاء، لتخرج من الشهر بروحٍ أخفّ وقلبٍ أقرب إلى الله.
1. ختمتان بلا عناء
اتل جزأين كل يوم، تبدأ بالأول بين أذان الفجر والإقامة وتتمه بعد الفجر، وتبدأ بالثاني بعد العصر وتتمه بعد الإفطار، وبهذا يتحصل لك في الشهر ختمتان من غير عناء.
2. أربعون يومًا مع تكبيرة الإحرام
اجعل رمضان فرصةً للانطلاق في إدراك تكبيرة الإحرام أربعين يومًا؛ لتحظى ببراءةٍ من النار وبراءة من النفاق بإذن الله ورحمته وفضله.
3. خماسية الذكر اليومية
حافظ على خماسية الذِّكر: بأن تكرر كل ذكر منها مائة مرة وهي: أستغفر الله، سبحان الله، سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم صل على محمدٍ النبيِّ الأميِّ وعلى آل محمد.
4. جلسة ما بعد الفجر
امكث في المسجد بعد صلاة الفجر وحتى الشروق، وصل ركعتين؛ لتخرج بعد ساعةٍ واحدةٍ بأجر حجةٍ وعمرة تامة تامَّة تامة بإذن الله وفضله.
5. بداية مشروع التفسير
اقتن تفسيرًا متوسطًا، وابدأ مشوار التفسير من رمضان هذا العام، واقرأ ما شاء الله أن تقرأ، وواصل بعد رمضان حتى تنهيه ولو طال الزمان.
وأنتخب لك واحدًا من هذه التفاسير الثلاثة: تفسير الوسيط لسيد طنطاوي وأحمد الكومي، أو تهذيب تفسير الطبري لصلاح الخالدي، أو عمدة التفسير لأحمد شاكر، فإن أردت تفسيرًا من مجلدٍ واحد فأختار لك “المختصر في التفسير” الصادر عن مركز تفسير، أو “المعين في تدبر الكتاب المبين” للشيخ مجد مكي وفقه الله.
6. ركعتان طويلتان تبنيان القلب
حافظ على صلاة ركعتين طويلتين إما قبل النوم أو قبل السحور أو بعده، واجتهد أن تُطَوِّلَ فيهما ما استطعت قيامًا وركوعًا وسجودًا ودعاءً؛ فإنَّ الإيمانَ لا يُبني بالركعات الخفيفة، وما تغني التمرة والتمرتان من إنسانٍ جائع، واحرص فيهما على السر؛ ففي الحديث: “صلاةُ الرجلِ تَطَوُّعًا حيث لا يَراه الناسُ تَعدِلُ صلاتَه على أعيُنِ الناسِ خمسًا وعِشرينَ درجةً“. صححه الألباني.
ومما يعينك على التطويل وحسن الصلاة: أن تحفظ أذكار الصلاة؛ فإنَّ لها دورًا فعَّالًا في جلب الخشوع والانتفاع بالصلاة، وقد جمعتها في ورقةٍ واحدة وتم نشرها على قناة التليغرام الشخصية، وأوردت أكثرها مع الشرح في كتاب “دليل المعتكف” وهو منشورٌ على الشبكة.
7. الدعاء مفتاح رمضان
الصائم لا ترد دعوته، وكم من بابٍ بقي مقفلًا طيلة العام، ثم جاء رمضان يحمل المِفتاح، فاستثمر فرصة رمضان؛ فالدعاء فيه مسموع مرفوع، فحدِّد أدعيتك، وألح على ربِّك، ولا تيأس ولا تعجل، وركز على ما تشتد إليه حاجتك من أمر الدين والدنيا، واستثمر مواطن الإجابة؛ كالسجود وبين الأذان والإقامة وفي السَّحر وعند الفِطر، فإذا اقترب المغرب فأقبل على الدعاء، فإذا أذن المؤذن وأخذت تفطر.. فلا تضيع هذه اللحظة الغالية بالحديث مع غيرك، فهنا تتمة العمل، وهنا الجائزة.
8. لطفك عبادة
لا توجع قلبَ أحدٍ في رمضان، فتلطف مع الجميع ما استطعت، واجتهد أن تدخل السرور على قلب من تُعامل، وأن تزيح كربته، ولو استطعت التصدق على ذوي الحاجة أو أن تفطر بعض الصائمين.. فافعل، وطوبى ثم طوبى لمن آتى المالَ على حُبِّه.
9. برنامج الليل
التزم صلاة التراويح مع الإمام وصل الوتر معه، واتل الآيتين الأخيرتين من سورة البقرة قبل نومك، وآخر إحدى عشرة آية من سورة آل عمران فور يقظتك، وقم الليل بمائة آية، وصل الفجر في جماعة؛ فإنَّ أجرَ كل عملٍ من هذه الأعمال الخمسة قيامُ ليلةٍ كما جاء في الأخبار.
10. تقليل الملهيات
خفِّف من الإفطار والانشغال بوسائل التواصل ما استطعت، وكلما شعرت بضعفك أمام ذلك تذكر قول الله: {لَن تَنَالُوا۟ ٱلۡبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا۟ مِمَّا تُحِبُّونَۚ} [آل عمران -٩٢]، وقول الله: {رَّبُّ ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَیۡنَهُمَا فَٱعۡبُدۡهُ وَٱصۡطَبِرۡ لِعِبَـٰدَتِهِۦۚ} [مريم -٦٥].
11. معرفة الله في رمضان
تعمق في التعرف على الله تعالى في رمضان من خلال حسن التدبر في التلاوة، والقراءة في معاني أسماء الله الحسنى وصفاته العلى.
وأقترح لك كتاب “شرح الأسماء الحسنى” للشيخ عبد الرزاق البدر، أو “ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها” للشيخ الجُليِّل، أو “هنيئًا لمن عرف ربه” للشيخ خالد أبو شادي فرَّج الله كربه، وكذلك كتاب “موسوعة أسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى” للدكتور محمد راتب النابلسي، وهي متوفرة على الشبكة مسموعةً ومرئيةً كذلك، وهذا الكتاب أهمها من ناحية البناء التربوي.
وأنبه على أن أكثر عناية الدعاة والمشتغلين بالعلم إنما هي بتوحيد الألوهية، أما توحيد الربوبية وكذا توحيد الأسماء والصفات فما أخذا حقَّهما من العناية والاهتمام رغم محوريتهما في سكب الإيمان في أعماق القلب، وعلاج الأدواء النفسية التي بتنا نسمعها كثيرًا من مثل الاكتئاب والإحباط واليأس والتوتر وأضراب ذلك.
12. الاعتكاف ولو جزئيًا
انو أن تعتكف العشر الأواخر، فإن تعسَّر ذلك فاعتكف جزئيًّا بأن تَجعلَ مقرَّك المسجد وتخرج لما يتأكد الخروج إليه ثم تعود، واشترط في نيتك الخروج لما تخرج إليه؛ فعسى الله أن يكرمك بأجر اعتكافٍ كاملٍ بإذنه وفضله سبحانه، وإن لم يتيسر بسبب قصف أكثر من ثلثي مساجد القطاع فانو الخير، وإنما لكلِّ امرئ ما نوى، وعسى الله أن ييسر بناء المساجد من جديدٍ ونقضي ما فاتنا من الاعتكاف، والله هو الولي الحميد.
13. خطة مكتوبة
رتب خُطَّتك واكتبها واستحضرها جيدًا، وحدد عدد الختمات والمقدار الذي تحفظه أو تراجعه والمسجد الذي تصلي فيه التراويح وغير ذلك؛ فإنَّ المُرتَبِكَ قلَّما يحسن، ولو تعجَّل فربما كان على شيءٍ من التوتر، وخير التربية والعمل ما كان في هدوءٍ بعيدًا عن التوتر أو الضجيج.
رمضان: حين تصنع الخطة قلبًا جديدًا
رمضان ليس أيامًا معدودة فحسب، بل فرصة لإعادة ترتيب القلب والحياة. من دخل الشهر بلا خطة خرج منه كما دخل، ومن دخله بوعيٍ وعزمٍ خرج منه بقلبٍ جديد. المسألة ليست كثرة الأعمال، بل صدق المسار.
والله هو الموفق وحده.
المصدر
الشيخ محمد بن محمد الأسطل.

