هل يشكل الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب “خصوصية سياسية”؟ ما وزن المتغير السيكولوجي أو المتغير المجتمعي أو الظرف الدولي في صياغة ملامح هذه الخصوصية إنْ وجدت فعلاً؟ ما مصير هذه الخصوصية؟ هل ستقود صاحبها لمركز تاريخي مرموق أم تجعله هدفًا للتخلص منه؟
-
خصوصية ترامب السيكولوجية
استقرت الأدبيات السياسية الأمريكية على بعض الملامح في شخصية ترامب، ولعل التقرير الذي وقَّعه 37 من الأطباء النفسيين الأمريكيين، وكتاب جون بولتون حول شخصية ترامب، ثم كتاب ابنة أخ ترامب (وهي طبيبة نفسية)، ناهيك عن مئات المقالات والحوارات، كلها تؤكد على الأبعاد التالية:
أ- النرجسية المرضية المفرطة.
ب- البراغماتية المفرطة والمتحللة من أيَّة قيود أخلاقية.
ت- التفكير المادي البحت دون أيَّة عناية بالأيديولوجيا أو الفكر السياسي؛ فهو ينظر للوطن والدولة كعقار.
ث- لا يميز في إدارة موظفيه بين الدولة والشركة الخاصة، فقد كان رونالد ريغان هو الرئيس الأعلى في عدد الموظفين الكبار الذين أخرجهم من وظائفهم (17 موظفًا كبيرًا)، بينما تجاوز ترامب الرقم ليصل إلى 141.
ج- الثرثرة في التصريحات، فهو يعد أكثر رئيس أمريكي إطلاقًا للتصريحات بغض النظر عن مدى صدق أو كذب هذه التصريحات، فهو يُصرِّح داخل البيت الأبيض وعلى باب التواليت والطائرة ومن داخل السيارة وهو واقف أو ماشيًا… لا يسكت.
ح- فقدان اللياقة في التعبير عن آرائه في الآخرين (من أمثلة ذلك: أقواله عن بعض الزعماء العرب، والأفارقة، وماكرون، والرئيس الفنزويلي، والرئيس جو بايدن، والنائبة إلهان عمر… إلخ)، وبالمقابل يُفرط في الثناء على آخرين ودون أي انضباط، ليعود لهجاء من أثنى عليه سابقًا.
خ- يبدو أن إدارته لحفلات المصارعة جعلته أكثر نزقًا في تصرفاته وألفاظه، ولعل غضبه على النرويج لأنها لم تمنحه جائزة نوبل مُثير للتقزز، وأبدى فرحًا طفوليًا بجائزة كرة القدم أو بإهداء الفائزة بجائزة نوبل للسلام له.
د- لعله الرئيس الأكثر من حيث الشائعات حول ميوله الجنسية إلى حد الشذوذ.
ذ- يبدو أن تخصصه الجامعي (الاقتصاد) وعمله في المشاريع العقارية جعل مستوى إدراكه للعالم ضيقًا ومحصورًا في هذا الجانب، ولعل هذا ما يفسر التعبير الشائع لدى أغلب الكتاب بوصف ترامب بأنه (Unpredictable)، ففي مجال البيئة والمجال الطبيعي (انسحابه من اتفاقيات المناخ) وفي مجال العالم السياسي والاجتماعي والعلمي كشف عن ضيق أُفق بقدر واضح (انسحابه من عشرات المنظمات الدولية) والادعاء بحقه في قناة بنما وبحقه في المرور من قناة السويس دون مقابل… إلخ.
-
الارتجال في اتخاذ القرارات
ولعل كتاب جون بولتون، مستشار الأمن القومي مع ترامب في فترة معينة، يؤكد ذلك، ومن اليسير أن يتراجع ترامب عن أي قرار، ويختلط ذلك بالكذب والذي بلغ معدلات عالية جدًّا رصدتها نيويورك تايمز والواشنطن بوست ما يقارب 1-2 كذبة يوميًّا. ولعل التغيير المستمر والمتلاحق وخلال أيام قصيرة حول قيمة الجمارك على كل دولة ملفت للانتباه في هذا المقام.
-
تصرفاته السياسية الدولية
هناك سؤال لا زال يؤرِّق تفكيري وهو: لماذا تميل كل قراراته باتجاه الصدام أو الاستهانة بأيَّة دولة أو منظمات دولية أو زعماء، بينما تسيطر دبلوماسية الاسترضاء (Appeasement) على مواقفه وسياساته مع الرئيس الروسي بوتين؟ فتقرير المدعي الأمريكي مولر كان يدور في جوهره حول سؤال محدد هو: هل ترامب عميل (Agent) لروسيا (وهو موضوع أشار إليه توماس فريدمان في نيويورك تايمز مؤخرًا)؟ ولعل كتاب كريغ أونغر (Craig Unger) وعنوانه (American Kompromat) والمستند لشهادات عميل الكي جي بي السابق يوري شفيتس (Yuri Shvets) يميل نحو هذا التوجُّه، أما الاحتمال الثاني فهو أن ترامب “أصل” (Asset) أي شخصية هامة يستغلها الروس (مقابل منافع منظورة وغير منظورة) وبقي على هذا الحال بعد تولي الرئاسة.
وفي هذا الجانب فقد استعدى ترامب الصين، وهو أمر يمكن فهمه، ولكن الأمر ذهب لاستعداء كندا والاتحاد الأوروبي والهند والدنمارك… إلخ، وأخذ العلاقات عبر الأطلسي إلى مأزق شديد، بل وجعل العلاقات الروسية الصينية الإيرانية تتعزز بدلاً من أن تتفكك، كما أن علاقاته مع إسرائيل زادت من الشكوك “الشعبية” العربية والإسلامية حول سلوكه.
-
أين سينتهي ترامب
عند العودة لمصير الرؤساء الـ 47 الذين حكموا الولايات المتحدة نجد:
أ- هناك أربعة رؤساء تم اغتيالهم.
ب- هناك 3 رؤساء تمت محاولة اغتيالهم وأصيبوا بجروح (منهم ترامب).
ت- هناك 15 رئيسًا تم التخطيط لاغتيالهم وتم اكتشاف المؤامرة قبل التنفيذ.
ث- هناك رئيسان ماتا ولكن رافق موتهما شكوك قوية بأنه تم تسميمهم.
ذلك يعني أن 24 رئيسًا أمريكيًا كان ضحية أو مشروع ضحية، وهو ما يساوي 51% من الرؤساء، مما يجعل من احتمال تعرض ترامب للخطر ليس أمرًا مستهجنًا، خاصةً أنه تعرض لمحاولة اغتيال.
- هناك 14 رئيسًا نجحوا في الانتخاب للرئاسة لمرتين، وهو ما يعادل 30%، أي أن إعادة انتخاب ترامب للمرة الثانية لا تشكل ظاهرة منفردة.
- طبقًا لكافة نماذج الاستقرار السياسي، فإن الولايات المتحدة في معدل الاستقرار السياسي منذ 2015 في حالة تراجع، وانتقلت إلى المستوى السالب عام 2020 (وهي الآن تسجل معدلًا سالبًا يصل إلى -0.19) وهو ما يجعلها تحتل المرتبة 105.
- لكن ذلك لا يجوز أن يخفي أن الولايات المتحدة هي القوة المركزية الأولى عالميًّا، وهي الأكثر تأثيرًا في الحراك الدولي، لكن ذلك يستوجب الإشارة إلى أن الوضع الدولي الحالي هو على النحو التالي:
أ- الولايات المتحدة بدأت تنوء بأعباء القيادة الدولية، ومؤشرات تراجعها أصبحت من مسلَّمات البحوث الأغلب في العلاقات الدولية، ويبدو أن ترامب يعزز هذا التوجُّه بوعي أو بدون وعي.
ب- إن الصين باعتبارها القوة الثانية لم تصل إلى درجة القوة الكافية لتحمل مسؤوليات القيادة الدولية، أو لعلها تريد مشاركة الآخرين في الأعباء لكي لا تقع في “غواية التفرد الأمريكي بالقيادة”.
ت- ذلك يعني أن الوضع الدولي في مرحلة انتقالية تعتمد نتائج بلورتها على كيفية إدارة المتراجع لتراجعه وكيفية إدارة الصاعد لدوره القادم.
ث- يبدو أن التطور التكنولوجي وفي طليعته الذكاء الاصطناعي سيقلب مفاهيم الأمن رأسًا على عقب، وقد يصبح تسلُّل “عبقرية الذكاء الاصطناعي” للدول غير الكبرى أو للتنظيمات المسلحة (هناك الآن 84 تنظيمًا مسلحًا في العالم) هو “صندوق باندورا” الذي قد يجلب الشرور كلها إذا ما تم فتحه.. ربما.
المصدر
صفحة الأستاذ وليد عبد الحي، على منصة ميتا.
اقرأ أيضا
دونالد ترامب ونهاية القوة الأميركية

