نحن نعيش لحظة تاريخية فاصلة، تتجاذبها تناقضات صارخة: فالأمة أكثر انتشاراً جغرافيا من أي وقت مضى، وأكثر ضعفاً وتشرذماً سياسياً وحضارياً أيضاً. هذا التناقض هو مفتاح تشخيص الداء، ومن خلال فهمه نستطيع استشراف الدواء.
الأمة الإسلامية في نهاية الهبوط الثاني: تشخيص الواقع واستشراف الصعود الثالث بمنهاج النبوية“
إن الحديث عن مستقبل الأمة الإسلامية وسبل نهضتها حديثٌ عن القلب النابض لتاريخ البشرية، وعن مشروع إلهي لم يكتمل بعدُ مسيرتُه في أرض الواقع. نحن نعيش لحظة تاريخية فاصلة، تتجاذبها تناقضات صارخة: فالأمة أكثر انتشاراً جغرافيا من أي وقت مضى، وأكثر ضعفاً وتشرذماً سياسياً وحضارياً أيضاً. هذا التناقض هو مفتاح تشخيص الداء، ومن خلال فهمه نستطيع استشراف الدواء.
إن هذه الورقة تسعى لتقديم خلاصة رؤية لمسار الأمة خلال القرن المنصرم، انطلاقاً من قراءة الواقع المركب الذي نعيشه، ووصولاً إلى اقتراح “بوابة” منهجية للخروج من النفق المظلم الذي طال أمده. إنها محاولة للربط بين التشخيص الدقيق والعلاج العملي، بعيداً عن الخطاب العاطفي المجرد أو النظريات الأكاديمية المنفصلة عن هموم الأمة.
الجزء الأول: تشريح مفارقة الانتشار الجغرافي مقابل التشرذم الداخلي
لعل أول ما يلفت النظر في حالة الأمة الإسلامية اليوم هو تلك المفارقة التاريخية الكبرى: فمنذ بعثة النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا، لم يبلغ الوجود البشري للمسلمين هذا المدى الجغرافي المذهل. ملايين المسلمين يعيشون اليوم في أوروبا وأمريكا الشمالية والجنوبية، وفي عواصم العالم الكبرى، بل وفي أقصى مناطق الكرة الأرضية. هذا الانتشار الهائل هو نتاج عاملين رئيسيين:
أولاً: الهروب من الاستضعاف المادي: حيث دفع الفقر وانعدام الفرص الاقتصادية في كثير من بلدان العالم الإسلامي ملايين الشباب إلى الهجرة بحثاً عن لقمة العيش، مما خلق جاليات ضخمة في الغرب.
ثانياً: الهروب من الاستضعاف الديني (وهو الأخطر): حيث فرَّ كثير من الدعاة والمصلحين وأهل العلم والهمة، بل وحتى المسلمين العاديين الراغبين في ممارسة دينهم بسلام، من بطش الأنظمة القمعية التي لا تتوانى عن سجن وقتل وتشريد كل من يرفع راية التغيير أو الدعوة إلى الحكم بما أنزل الله. لقد أصبحت سجون ومعتقلات العالم العربي والإسلامي مشترعاً ثابتاً للمصلحين عبر العقود الماضية.
هذا الانتشار الجغرافي رافقه -بحمد الله- ظاهرة دعوية مباركة، حيث دخل في الإسلام ألوف من أبناء تلك الأمم، مما وسّع من دائرة الانتماء للإسلام. ولكن -وهنا جوهر المفارقة- هذا الاتساع الأفقي في الخريطة لم يُترجم إلى قوة رأسية أو وحدة مركزية. بل على العكس، فقد زاد من تعقيد التحديات وتنوعها. فأولويات المسلم المستضعف في غزة تحت الحصار والقصف تختلف عن أولويات المسلم المهاجر في أوروبا الذي يحاول الحفاظ على هوية أبنائه في مجتمع علماني، وتختلف عن أولويات المسلم في اليمن الذي يعيش في دولة منهارة، وعن أولويات المسلم في وسط إفريقيا الذي يتعرض للإبادة العرقية.
هذا التنوع في التحديات يستدعي تنوعاً في أساليب المواجهة والأولويات العملية، وهو ما لم تستطع الحركات الإسلامية التقليدية إدارته بمرونة وحكمة، مما أدى إلى مزيد من التشرذم في الرؤية والتكتيك.
الجزء الثاني: تشتت المسارات وفشل التجارب الإسلامية في القرن العشرين
إذا انتقلنا من تشخيص الواقع العام إلى تقييم أداء النخب والحركات التي حملت لواء التغيير والإصلاح طوال القرن الماضي، فإن الصورة تبدو أكثر قتامة. لقد نشأت معظم الجماعات والتنظيمات الإسلامية الكبرى كرد فعل طبيعي على صدمة سقوط الخلافة العثمانية، التي مثَّلت آخر كيان سياسي جامع للأمة. كان السؤال المركزي: كيف نستعيد مجد الأمة؟ وكيف نعيد الإسلام إلى موقع القيادة؟
لكن الإجابة على هذا السؤال لم تكن موحدة، بل تفرعت إلى مسارات متوازية ومنفصلة، كل منها اختزل الإسلام في بعد واحد، وحوَّل الوسيلة إلى غاية:
- مسار تربوي سلوكي: رأى أن جوهر المشكلة هو “ضعف الإيمان” و”غياب التربية الروحية”، فانكفأ على بناء الأفراد والأسر في دوائر مغلقة، معزولاً عن قضايا الأمة المصيرية، وكأن صلاح القلب كافٍ لصلاح العالم.
- مسار علمي أكاديمي: حصر المعركة في “نشر العلم الشرعي” وفق المناهج التقليدية، منتجاً علماء على درجة عالية من الفقه في العبادات والمعاملات الفردية، لكنهم -في الغالب- عديمي التأثير في المعترك السياسي والاجتماعي الأوسع، وغير قادرين على مواجهة تحديات العصر الفكرية والحضارية.
- مسار سياسي تنظيمي: اعتقد أن كل شيء يبدأ وينتهي بـ”السلطة”. فانشغل بالصراع على كراسي الحكم، والانتخابات، والمناورات الحزبية، وغرق في مستنقع السياسة الوضعية، حتى فقد كثير من أتباعه الروح الإيمانية والهمة الجهادية، وتأقلم مع قواعد اللعبة العلمانية.
- مسار جهادي مقاتل: رأى أن “السيف” هو الحل الوحيد، وأن كل من خالفه جبان أو منافق. فانساق وراء عمليات عسكرية دون رؤية سياسية أو اجتماعية واضحة، مما أدى إلى عزلته، واستخدمت أفعاله كورقة تبرير لقمع كل الصحوة الإسلامية.
- مسار فكري حضاري: انشغل بنقد الحضارة الغربية وبناء النظريات البديلة، في أبراج عاجية بعيدة عن معاناة الجماهير وهمومها اليومية، فتحول الخطاب إلى فلسفة معقدة لا يفهمها إلا الخاصة.
المأساة أن كل فريق من هذه الفرقاء كان ينظر إلى الآخرين بازدراء، ويتهمهم بأنهم يضيعون الوقت أو يخونون القضية. وبدلاً من أن تكون هذه المسارات تكاملاً في جسم واحد، أصبحت خيوطاً متشابكة في حبال التفرق والتباغض.
الجزء الثالث: الخلل الفكري: تغلغل النموذج الغربي وثقافة الاستسلام
ليس هذا التشتت وليد الصدفة أو سوء النية فقط، بل هو نتيجة لتغلغل عميق لأحد أخطر أمراض العصر: الثقافة العلمانية الوافدة، التي نجحت في تقسيم الإسلام إلى شرائح منفصلة، وإقناع حتى بعض العاملين فيه بأن “الدين” شيء و”الدولة” شيء آخر، وأن “الدعوة” شيء و”الجهاد” شيء آخر.
لقد بُنيت “الدولة القطرية الحديثة” في العالم الإسلامي على أنقاض الخلافة وفق النموذج الغربي، الذي يقوم على “العلمانية” (فصل الدين عن الدولة) و”القومية” (تعظيم الولاء للوطن الضيق). وبمرور الوقت، لم تكتف هذه الأنظمة بفرض هذا النموذج سياسياً، بل نجحت – عبر التعليم والإعلام – في ترسيخه ثقافياً في عقول كثير من الناس، بل وبعض النخب الإسلامية ذاتها.
من هنا جاءت تلك الأطروحات الانهزامية، التي تتساءل: “هل يمكن تطبيق الشريعة في العصر الحديث؟” وكأن الشريعة نزلت لعصر الزمن وليس لكل زمان! وجاءت تنظيرات بعض المثقفين – حتى من المنتسبين للإسلام – التي تتعامل مع “الدولة الحديثة” بمركزيتها وبيروقراطيتها كـ”ماهية ثابتة” و”قدر محتوم” لا يمكن تغييره، وتنظر إلى أي محاولة لإقامة حكم إسلامي على أنها حلم وهمي أو مشروع مستحيل.
هذا الاستسلام الفكري هو أخطر من الهزيمة العسكرية، لأنه يقتل الأمل في النفوس، ويشل الإرادة في القلوب، ويجعل الأمة ترضى بالذل والتبعية، وتعتبره “منطق التاريخ” و”حتمية الحضارة”!
الجزء الرابع: قراءة في مسار القرن: من الصعود إلى الهبوط
لو تتبعنا مسيرة “المشروع الإسلامي” طوال القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين، لوجدنا أنه مر بموجات متعاقبة، يمكن تلخيصها في:
- الصعود الأول (من عشرينات إلى خمسينات القرن الماضي): صحوة بعد سقوط الخلافة، وتأسيس الجماعات الكبرى (الإخوان المسلمين، الجماعة الإسلامية في شبه القارة…)، مع تفاؤل كبير بقرب العودة.
- الهبوط الأول (الستينات والسبعينات): مع صعود الموجة القومية واليسارية، وتعرض الحركات الإسلامية لضربات قاسية (السجون، الإعدامات، المنافي)، وفشل أولى محاولات المواجهة المسلحة في بعض المناطق.
- الصعود الثاني (الثمانينات والتسعينات): مع انتصار الثورة الإسلامية في إيران، والمقاومة في أفغانستان ضد الاتحاد السوفيتي، وصعود الصحوة الإسلامية في العالم العربي، ونجاحات انتخابية هنا وهناك.
- الهبوط الثاني (من مطلع الألفية إلى اليوم): بعد أحداث 11 سبتمبر، والحرب العالمية على “الإرهاب”، ونجاح الأنظمة في استعادة السيطرة بقبضة حديدية (ما عُرف بالربيع العربي المضاد)، وانهيار تجارب إسلامية في الحكم، وتصاعد الخلافات الداخلية بين العاملين للإسلام إلى حد التكفير والاقتتال.
إن تشخيص واقعنا اليوم هو أننا نعيش في “نهاية الهبوط الثاني“. علاماته واضحة: إحباط عام، فقدان الثقة في القيادات التقليدية، اضطراب البوصلة، انكفاء كثير من العاملين على ذواتهم، وهيمنة خطاب اليأس والتشاؤم. لكن في كل نهاية هبوط، تبدأ بذور الصعود الجديد. ونحن اليوم نرى بوادر ذلك.
الجزء الخامس: البوابة: إحياء منهاج النبوية كحل جامع
لا يمكن الخروج من هذا المأزق بزيادة الجرعة في نفس المسارات المتشظية. الحل ليس في أن يصبح التربوي أكثر انغلاقاً، أو السياسي أكثر مهادنة، أو الجهادي أكثر تهوراً. الحل يكمن في استعادة النموذج الكامل، النموذج الذي جمع كل هذه الأبعاد في تناغم عجيب: منهاج النبوية.
“منهاج النبوية” ليس شعاراً رناناً، بل هو نظام متكامل يشمل:
- كيفية تلقي الدين (باليقين والربانية والشمول).
- كيفية تربية الأفراد )بالتزكية والقدوة والممارسة).
- كيفية الدعوة إلى الله )بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن).
- كيفية إدارة الصراع (بالجهاد الشرعي ذي الضوابط والأخلاق).
- كيفية بناء الدولة والمجتمع (بالسياسة الشرعية القائمة على الشورى والعدل).
إنه منهاج لا يلغي الوسائل، بل ينظمها ويجعلها في خدمة الغاية الكبرى: إقامة دين الله في الأرض. هو منهاج “شمولي“ بمعنى أنه لا يهمل أي جانب من جوانب الدين، و “واقعي“ بمعنى أنه يتعامل مع الواقع كما هو لا كما نتمنى، و “مرحلي” بمعنى أنه يراعي القدرات والإمكانات.
الجزء السادس: التطبيق: التربية على الشمولية والوحدة على المعالم الكبرى
كيف نترجم هذا إلى عمل؟
- التربية على الشمولية: يجب أن نربي جيلاً جديداً من العاملين يفهم أن الإسلام كله، ولا يقبل أن يُفرَّق بين شعائره وسياسته، أو بين أخلاقه وجهاده. عالم شرعي يفهم السياسة، وسياسي يتقن الجهاد، ومجاهد يعرف الدعوة، وداعية يهتم ببناء المجتمع.
- الوحدة على المعالم الكبرى: لا نطالب بالاندماج التنظيمي المستحيل الآن، ولكن يمكن – بل يجب – أن تتفق كل القوى الصادقة على “معالم منهجية كبرى“، مثل: وجوب إقامة الشريعة، ووحدة الأمة، ومقاومة الاحتلال، ورفض العلمانية، والمنهج الوسطي في التلقي. أن يكون لدينا “اتفاق على المبادئ” و”تنسيق في العمل” و”تنوع في التخصصات”.
- رفع الراية الواضحة: نحتاج إلى خطاب واضح لا لبس فيه، يرفض التبعية الفكرية للغرب، ويؤكد على هوية الأمة الإسلامية، ويطرح مشروع النهضة المستمد من الوحي، ويعيد الثقة للأمة بأن مستقبلها لن يصنعه غيرها.
خاتمة
نحن على أعتاب “صعود ثالث“، قد يكون – بإذن الله – الأقوى والأكثر رسوخاً، لأنه سيكون مؤسساً على مراجعة نقدية لمسار قرن كامل، وسيعيد الربط بين الأمة ومنهج نبيها. لكن هذا الصعود لن يهبط علينا من السماء، ولن تقوده النخب القديمة بمناهجها المتكلسة. إنه يحتاج إلى جيل جديد، يتربى على منهاج النبوية بكل أبعاده، يحمل هم الأمة، ويتسلح بالعلم الشرعي والفقه الواقعي، ويمتلك إرادة التغيير، ويؤمن بأن النصر من عند الله: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} (الروم: 47).
السؤال الآن: من سيأخذ بزمام المبادرة ليبدأ عملية التربية والتجديد هذه؟ إنها مسؤولية كل غيور على هذا الدين، وكل مؤمن بمستقبل هذه الأمة. فالطريق طويل، ولكن البداية يجب أن تكون الآن.
المصدر
محاضرة بعنوان: ” من أين يبدأ التغيير للأمة؟ ” أحمد السيد، بتصرف.
اقرأ أيضا
الأمة الإسلامية بين أسباب السقوط وعوامل النهوض
كيف أخرج رسول الله للناس خير أمة؟ (2-3) أُطرٌ متعددة وهوية واحدة
كيف أخرج رسول الله خير أمة؟ (3-3) دور القيم .. وأهمية التوازن

