بعض البطولات لا تُرى… فهل يُقاس المجد بما تعرفه الأرض أم بما تشهده السماء؟

بعض الآثار لا تترك ظلًا، وبعض الطرق لا تشير إلى أصحابها. تمرّ أشياء في هذا العالم وكأنها لم تكن، لكنها في موضع آخر تُسجَّل كاملة، بلا نقص ولا التفات إلى ضجيج العابرين. هناك من يُنهي مهمته ثم يختفي، لا لأن ما فعله صغير، بل لأن موازينه لم تُصنع هنا.

جنود الظل الذين رأتهم السماء

بعدما انجلى غبار المعركة في أرض الأكناف -ولو مؤقتا- كُشفت بعض الأستار عن الكثيرين من الأتقياء الأخفياء..

جنود الظل، مشهوري السماء مجهولي الأرض..

هؤلاء الذين أدوا أدوارهم كلها خفية… بدءا من وجوههم الملثمة، ومرورا بأماكنهم المعتمة، وانتهاء بجثثهم التي لو لم يعثر عليها ما عرف بهم أحد..

قضوا تحت الأرض فارتفعوا فوق السماء..

ومثلهم كثير ممن لا يعرفهم أحد، وربما لم يصل إليهم أحد..

لكن يكفيهم أنهم تحت سمع وبصر الواحد الأحد..

ثمن البذل: وعد بالجنة وسلام القلب لأداء التكليف

ولو تتبعت أخبارهم لعلمت أن ثمن كل هذا قبضوه من ربهم سلفا..

وعد بالجنة، وشفاعة لمن يحبون، وحور عين، ومن قبل ذلك راحة قلبية لأداء للتكليف الرباني المذكور في قوله تعالى: “قاتلوهم”

ما أروع الميتات الخفية بعد الصالحات الخفية، في زمان تهالك الناس فيه خلف الشهرة الزائفة..

وما علموا أن ذاكرة الدنيا قصيرة، بينما صحائف الآخرة طويلة عظيمة كبيرة.

الميثاق قبل المغنم

ذكرني موقفهم بالرجل المجهول الذي استشهد يوم خيبر، بعدما جيء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليأخذ حظه من غنيمة الدنيا، فقالَ: ما هذا؟ قالَ: قَسمتُهُ لَكَ، قالَ: ما علَى هذا اتَّبعتُكَ، ولَكِنِّي اتَّبعتُكَ على أن أرمى إلى ههُنا، وأشارَ إلى حَلقِهِ بسَهْمٍ، فأموتَ فأدخلَ الجنَّةَ فقالَ: إن تَصدقِ اللَّهَ يَصدقكَ، فلبِثوا قليلًا ثمَّ نَهَضوا في قتالِ العدوِّ، فأتيَ بِهِ النَّبيُّ يحملُ قَد أصابَهُ سَهْمٌ حيثُ أشارَ، فقالَ النَّبيُّ: أَهوَ هوَ؟ قالوا: نعَم، قالَ: صدقَ اللَّهَ فصدقَهُ، ثمَّ كفَّنَهُ النَّبيُّ في جبَّةِ النَّبيِّ، ثمَّ قدَّمَهُ فصلَّى علَيهِ، فَكانَ فيما ظَهَرَ من صلاتِهِ: اللَّهمَّ هذا عبدُكَ خرجَ مُهاجِرًا في سبيلِكَ فقُتلَ شَهيدًا أَنا شَهيدٌ على ذلِكَ.

لو لم يكن من مشاهد الجهاد الحديثة إلا أنها أعادت لنا مثل هذه المعاني التي كادت أن تنسى لكفى.

معاني مباركة: دماء مفخرة وأرض تنبت أبطالاً مجهولين

إيه يا أكناف بيت المقدس!!

أرضك مباركة، وقضيتك مباركة، ورجالك مباركون، وحتى معانيكِ مباركة..

خلف كل صاروخ أطلق، أو نفق حفر، أو عقدة قتالية، ألف قصة وقصة مفادها:

أن الإثخان الذي كان يفرحنا، والعدو الذي كبتناه في مواضع كثيرة، والمقدسات التي فدوها بأرواحهم…

خلفها جميعا سبابات وأياد رفعت، وأبدان من الجهاد أنهكت، وقلوب أفعمت بحب ربها ودينها، من أناس لا تعرفهم الأرض بينما تملأ أسماؤهم السماء جلبة ونورا..

رحم الله من ربوهم، وعجل الله بنصر أخلصوا من أجله…

وعلى مثل هؤلاء تتنزل الرحمات، وتتحقق الانتصارات، ولو بعد حين..

ويكفيهم شرف رغم ما لاقوه من خذلان.. أنهم أثبتوا أن الإعداد ممكن، وأن الأنموذج ملهم، وأن كيد العدو أضعف من بيت العنكبوت لولا الدسائس والخيانات والموالاة..

ويقيني أنهم رغم قرحهم وخسائرهم أطلقوا جيش التحرير الذي لن يتوقف إن شاء الله.

فالله سبحانه يقول: “وما كان الله ليضيع إيمانكم” أي صلواتكم التي صليتموها نحو بيت المقدس قبل تحويل القبلة… فكيف بدمائكم وأموالكم ودوركم وفلذات أكبادكم؟!!

بورك لكم مقدم المهر، وعلى الأمة تمامه بإذن الله.

فما قدمتموه يُسخّي ملايين النفوس… وقد حدث والله… لكن آثاره قد تأخذ بعض الوقت.

بوركتم، ووفيتم.

المصدر

صفحة خالد حمدي، على منصة ميتا.

اقرأ أيضا

الجهادُ بالسُّنن .. من تحتِ الأرض !

التعليقات غير متاحة