جسر التَّعب . الممر الإجباري إلى المعالي

أخشى إن لم نبادر عاجلا بالصعود إلى جسر التعب أن نصطدم يوما بتصرم العمر دون تحقق شيء من تلك الطموحات، وما أقسى خيبة نهاية النفق.

الفجوة المؤلمة بين الواقع والطموح

سيثور مع غبار هذه الأوراق شيء من الحزن وستشعر أنك ما زلت في أدنى الوادي، بينما طموحاتك وأمنياتك وأحلامك ما زالت هي الأخرى تعانق السحاب!

تفسير الإخفاق، وتعثر الخطط والطموحات، له عوامل كثيرة.

الخطط فوق الصخور والأرجل ما زالت ناعمة ما حفيت بعد.

ما زال في كثير من النفوس وهم مطمور أنه يمكن أن يبلغ المرء المجد وهو لم يكابد المشاق ويلعق الصبر.

القاعدة الحاسمة: لا يُدرك النعيمُ بالنعيم

المطالب الكبرى لا تحصل للمرء وهو مستكمل راحته وطعامه وشرابه ونومه وأوقات استرخائه.

معالي الأمور، والطموحات الكبرى … لا تكشف وجهها لك، حتى تمسح العرق عن جبينك بيد ترتعش من العناء.

أخطر مشكلة تهدد التربية الدعوية (نقص الجدية).

والعلم جعله الله ثمينا لا يجلب في الأسواق المخفضة.

المتضرر الأكبر في حياتهم هو النوم والطعام والشراب والترفيه.

شواهد من التاريخ: حفر الحروف بإزميل التجربة

لما كان الإمام مسلم بن الحجاج يصنف كتابه «الصحيح» الذي هو أحد مفاخر هذه الأمة، وبلغ -رحمه الله- أحاديث الصلاة، وبلغ منها تحديدا أحاديث مواقيت الصلاة، جاء لحديث عبد الله بن عمرو المشهور في تحديد أوقات الصلاة، وكان هذا الحديث جاء بروايات متفرعة متعددة، فرتبها ترتيبا حسنا استوعب اختلاف الطرق فيها عن قتادة عن أبي أيوب عن عبد الله بن عمرو، فلما رأى رحمه الله صنيعه هذا أراد أن يوصل رسالة لقارئ كتابه أن هذه النتيجة الحديثية التي توصل إليها في حديث عبد الله بن عمرو لم تأت إلا بالعناء المضني، فأخرج بعدها أثرا عن الإمام الحافظ يحيى بن أبي كثير (ت١٢٩هـ) يقول فيه:

«صحيح مسلم» (2/ 105): (612) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: «لَا يُسْتَطَاعُ الْعِلْمُ ‌بِرَاحَةِ ‌الْجِسْمِ» .

يقول القاضي عياض (ت ٥٤٤ه) في كتابه إكمال المعلم: [قال لنا بعض شيوخنا: إنَّ مُسلماً رحمه الله أعجبه ما ذكر في الباب، وعرف مقدار ما تعب في تحصيله وجمعه من ذلك، فأدخل بينها هذا الخبر تنبيها على هذا، وأنه لم يحصل ما ذكر إلا بعد مشقة وتعب في الطلب، وهو بين، والله أعلم]1(1) القاضي عياض، إكمال المعلم بفوائد مسلم، تحقيق د. يحي إسماعيل، دار الوفاء، صـ (2/ ٥٧٧). .

ومن تأمل في ضخامة العلم، وقصر العمر، وكثرة متطلبات الحياة؛ أدرك حقا أن عبارة الإمام يحيى بن كثير هذه (لا يستطاع العلم براحة الجسم) أنها: حُفِرَت حُرُوفها بإزميل التَّجارب.

حكمة مُطَّردة: كل كمال على جسر من التعب

يقول ابن القيم: [الكمالات كلها لا تنال إلَّا بحظ من المشقَّة، ولا يعبر إليها إلا على جسر من التعب]2(2) ابن القيم، مفتاح دار السعادة، تحقيق عبد الرحمن قائد، نشر مجمع الفقه، صـ (٢/ ٥ ٨٩)..

أشار لذلك ابن القيم حين شرح مسائل القدر الكوني وحكمة الله فيه فقال: [قد استقرت حكمته سبحانه أنَّ السَّعادة والنَّعيم والرَّاحة لا يوصل إليها إلَّا على جسر المشقَّة والتَّعب، ولا يدخل إليها إلَّا من باب المكاره والصبر وتحمل المشاق] 3(3) ابن القيم، شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، تحقيق الحساني عبد الله، دار التراث، صـ (٤٤٨)..

الإمام الحافظ الزاهد أبو إسحاق إبراهيم الحربي (٢٨٥هـ)، صاحب الكتاب المشهور تاريخيا عن (غريب الحديث)، وهو من تلاميذ الإمام أحمد بن حنبل، حيث نقل عنه ابن تيمية عبارة تهز النفوس. يقول ابن تيمية: [قال إبراهيم الحربي: أجمع عقلاء كل أمة على أن النعيم لا يُدرك بالنعيم] 4(4) ابن تيمية، قاعدة في المحبة، مطبوعة ضمن جامع الرسائل، تحقيق محمد رشاد سالم، صـ (2/ ٣٩٣)..

وهذه العبارة التي حكاها ابن تيمية، رواها الخطيب البغدادي في تاريخه عن إبراهيم الحربي بصيغة مختلفة قليلاً. جاء في تاريخ الخطيب قول الحافظ إبراهيم الحربي رحمه الله: [الرجل هو الذي يدخل غمّه على نفسه، ولا يغمّ عِياله … وأفنيت من عمري ثلاثين سنة برغيفين، إن جاءتني بهما أمي أو أختي أكلت، وإلَّا بقيت جائعاً عطشان إلى الليلة الثانية]5(5) الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، تحقيق بشار عواد معروف، دار الغرب، صـ (٦/ ٥٢٢)..

مثل هذا النمط استثنائي لا أظن يطيقه إلَّا النوادر في التاريخ.

خلاصة ابن القيم: الغايات الحميدة في خبايا الأسباب الشاقة

قال ابن القيم في تأثر واضح بعبارة إبراهيم الحربي: [العقلاء قاطبة مُتَّفقون على استحسان إتعاب النُّفُوس في تحصيل كمالاتها، وكل من كان أتعب في تحصيل ذلك؛ كان أحسن حالاً وأرفع قدراً] 6(6) ابن القيم، شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، تحقيق الحساني عبد الله، دار التراث، صـ (٤٤٩)..

بل حتى اللذائذ الدنيوية التي يطلبها الناس كالمال والصيت والمنصب الخ، فإنها أيضا تتطلب العبور على جسر التعب، كما قال ابن تيمية: [لذات الدنيا لا تنال غالبا إلا بنوع من التَّعب] 7(7) ابن تيمية، مجموع الفتاوى، صـ (20/ ١٤٦)..

 الوقود النفسي: تلمّح فجر الأجر

من أعظم ما يعين النفس على تحمل هذا التعب الذي تتطلبه المعالي؛ أن يستحضر المرء الثمرة، وأن يستدعي في ذهنه حسن العاقبة، يقول ابن الجوزي في استعارة مكثفة: [تلمّح فجر الأجر يهُن ظلام التَّكليف] 8(8) ابن الجوزي، المدهش، دار الكتب العلمية، صـ295..

عبارة مُتداولة بين أهل العلم: [بقدر ما تتعنَّى تنال ما تتمنَّى].

 التأصيل الشرعي: الجنَّة حُفَّت بالمكاره

قال ﷺ في جملة مُكثفة بيانية جميلة: [حُفَّت الجنَّة بالمكاره] 9(9) صحيح مسلم: (٢٨٢٢)..

فالجنة لا يوصل إليها إلا بمكابدة ما تكرهه النفوس من ترك الهوى والشهوات.

رسم النبي ﷺ مشهد المؤمن وهو يتحمَّل الكلفة والجهد بقوله: [الدُّنيا سجن المؤمن]10(10) صحيح مسلم: (٢٩٥٦)..

تأمل -مثلا- كيف يذكر الله تقليل أهل الجنة لنومهم في الدنيا وسهرهم في عبادة الله، كما قال الله: ﴿إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَبۡلَ ذَٰلِكَ مُحۡسِنِينَ * كَانُواْ ‌قَلِيلٗا ‌مِّنَ ‌ٱلَّيۡلِ مَا يَهۡجَعُونَ * وَبِٱلۡأَسۡحَارِ هُمۡ يَسۡتَغۡفِرُونَ﴾ [الذاريات: 16-18]

يقول الله عن أهل الشمال: ﴿إِنَّهُمۡ كَانُواْ ‌قَبۡلَ ‌ذَٰلِكَ ‌مُتۡرَفِينَ﴾ [الواقعة: 45]

ومن أعظم مصادر معرفة هذه المعنى تدبر أخبار وقصص الأنبياء في القرآن، وما عانوه مع أممهم.

ولخص ابن القيم جزءا من المشهد بقوله: [وبالجملة: فالغايات الحميدة في خبايا الأسباب المكروهة الشاقة] 11(11) ابن القيم، إغاثة اللهفان، تحقيق محمد عزير شمس، نشرة مجمع الفقه، صـ (2/ 817)..

يقول المتنبي: [وإذا كانت النفوس كباراً … تعبت في مُرادها الأجسام] 12(12) ديوان المتنبي، دار بيروت، صـ (٢٦٠)..

تنبيه مهم: ليست المشقةُ مقصودةً لذاتها

هل هذا يعني أن الإنسان يبحث عن التعب والنصب؟ أليس هذا يخالف تيسير الإسلام وأن المشقة تجلب التيسير؟

يجب التمييز بين مستويين للمشقة دلت عليهما النصوص: أولهما (المشقة المعتادة التبعية) والثاني (المشقة المقصودة بالأصالة).

فأما المشقة المعتادة التبعية، أي التي تكون تابعة للعبادة، ولازمة لها، ولا يمكن التخلص منها؛ فهذه يحمد للإنسان أن يتحملها ويجاهد نفسه عليها.

وأما المشقة المقصودة بالأصالة، فهي مشقة منفصلة عن العبادة، يتكلف الإنسان وجودها، ويستدعيها، فليست في مصلحة العمل ولا منفعته.

(المشقة المعتادة التبعية) المحمود تحملها كقوله ﷺ لعائشة في العمرة: [أجرك على قدر نصبك] 13(13) البخاري (١٧٨٧)، مسلم (١٢١١)، بنحوه..

وذكر الله الأجر على «التعب والجوع والعطش»، ثلاثتها في قوله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ ‌لَا ‌يُصِيبُهُمۡ ظَمَأٞ وَلَا نَصَبٞ وَلَا مَخۡمَصَةٞ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَطَـُٔونَ مَوۡطِئٗا يَغِيظُ ٱلۡكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنۡ عَدُوّٖ نَّيۡلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِۦ عَمَلٞ صَٰلِحٌۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ [التوبة: 120]

قال ﷺ: [والذى يقرأ القرآن، ويتتعتع فيه، وهو عليه شاق؛ له أجران] 14(14) مسلم (١٨٩٨)..

قال أبو العباس ابن تيمية: [فكثيرا ما يكثر الثواب على قدر المشقة والتعب، لا لأن التعب والمشقة مقصود من العمل، ولكن لأن العمل مستلزم للمشقة والتعب] 15(15) ابن تيمية، مجموع الفتاوى، صـ (10/ ٦٢٢)..

 المبادرة قبل فوات القافلة

وأخشى إن لم نبادر عاجلا بالصعود إلى جسر التعب أن نصطدم يوما بتصرم العمر دون تحقق شيء من تلك الطموحات، وما أقسى خيبة نهاية النفق.

اللهم ارحم الإمام يحي بن أبي كثير إذ قال: (لا يستطاع العلم براحة الجسم).

وارحم يا الله إبراهيم الحربي إذ قال: (أجمع عقلاء كل أمة أن النعيم لا يدرك بالنعيم).

الهوامش

(1) القاضي عياض، إكمال المعلم بفوائد مسلم، تحقيق د. يحي إسماعيل، دار الوفاء، صـ (2/ ٥٧٧).

(2) ابن القيم، مفتاح دار السعادة، تحقيق عبد الرحمن قائد، نشر مجمع الفقه، صـ (٢/ ٥ ٨٩).

(3) ابن القيم، شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، تحقيق الحساني عبد الله، دار التراث، صـ (٤٤٨).

(4) ابن تيمية، قاعدة في المحبة، مطبوعة ضمن جامع الرسائل، تحقيق محمد رشاد سالم، صـ (2/ ٣٩٣).

(5) الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، تحقيق بشار عواد معروف، دار الغرب، صـ (٦/ ٥٢٢).

(6) ابن القيم، شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، تحقيق الحساني عبد الله، دار التراث، صـ (٤٤٩).

(7) ابن تيمية، مجموع الفتاوى، صـ (20/ ١٤٦).

(8) ابن الجوزي، المدهش، دار الكتب العلمية، صـ295.

(9) صحيح مسلم: (٢٨٢٢).

(10) صحيح مسلم: (٢٩٥٦).

(11) ابن القيم، إغاثة اللهفان، تحقيق محمد عزير شمس، نشرة مجمع الفقه، صـ (2/ 817).

(12) ديوان المتنبي، دار بيروت، صـ (٢٦٠).

(13) البخاري (١٧٨٧)، مسلم (١٢١١)، بنحوه.

(14) مسلم (١٨٩٨).

(15) ابن تيمية، مجموع الفتاوى، صـ (10/ ٦٢٢).

المصدر

مدونة التاعب، كتاب مسلكيات، للشيخ إبراهيم السكران، بتصرف يسير.

اقرأ أيضا

ثقل التكليف: السمة الجوهرية للإسلام

أساس التفاضل بين الأعمال الصالحة

“إِنَّهُ لَجَاهِدٌ مُجَاهِدٌ”

التعليقات غير متاحة