فتوى رقم 12 حكم المشاركة والتهنئة بأعياد الكفار

تصويرُ النازلة وسؤالُها

بسم الله الرحمن الرحيم

يحتفل النصارى كلّ عام بعيد لهم يسمى عيد رأس السنة الميلادية (الكريسماس)، كما يحتفلون بعيد آخر لهم يسمونه عيد القيامة، وقد جرت العادة لدى كثير من المسلمين في مجتمعات غربية وشرقية بأن يحتفلوا مع النصارى بهذه الأعياد، ويقدموا فيها التهنئة لهم.

وقد اختلفت الفتاوى المعاصرة في ذلك، حتى قال البعض بجواز ذلك بشرط ألّا يكون عن قناعة بدينهم ورضى بشعائرهم، وقال آخرون بأنّها مسألة عَريَّةٌ عن النصّ تعدُّ من قبيل المشتبهات، وبأنّها مسألة قديمة بالجنس جديدة بالنوع؛ فلا يفيد استصحاب كلام القدماء فيها، وجعلوها بمنزلة تهنئة الكفار بأفراحهم وتعزيتهم في أتراحهم؛ فما الحكم في ذلك؟

التكييف الشرعيّ لواقع النازلة

الحمد لله .. والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد

الواقع أنّ هذه الأعياد التي يختصُّ بها النصارى أو غيرهم من سائر الكفار تُعَدُّ من قبيل الشعائر الدينية، فالنصارى يحتفلون – يوم ميلاد المسيح – بميلاد ابن الربّ، وليس بميلاد النبيّ الرسول عيسى عليه السلام، ويحتفلون – كذلك – بعيد القيامة الذي يعتقدون أنّ المسيح قام فيه بعد الصلب وجلس بجوار الربّ، وبغير ذلك مما جاء الإسلام بهدمه، ومن ثمّ فإنّ مشاركتَهم في أعيادهم هذه بالاحتفال معهم أو بتهنئتهم يُعَدُّ نوعًا من الموافقة لهم على دينهم، وصورة من صور التشبّه بهم، ويعدّ كذلك ضربًا من ضروب الاستهانة بأمور العقيدة، فإذا كان لا يستساغ في الشرع أن يهنئ المسلمُ الفساق – الذين يمارسون الفاحشة ويروجون للبغاء – بفسقهم؛ فكيف يستساغ تهنئة الكفرة بممارستهم الكفر وبقائهم عليه واستمرارهم فيه؟!

ولا ريب أنّ مثل هذه المشاركة تترتّبُ عليها مفاسدُ جمّة، منها تمييع قضايا الإيمان والتوحيد التي حسمها الوحي ووقف منها موقف المفاصلة الصارمة، ومنها تعريض المسلمين للفتنة في دينهم، وإضعاف وازع المفاصلة العقدية لديهم، ومنها تقوية قلوب الكافرين وإمدادها بأسباب الثقة بدينها، ومنها إضعاف المسوغ لدعوة هؤلاء الكفار إلى ترك ما هم عليه من الضلَال، فإذا كانت كلّ هذه المفاسد قد وجدت في زمانٍ عزَّ فيه الإسلام ووقوع فيه النصارى تحت وطأة الصغار؛ فكيف يكون الحال في هذا الزمان وقد علا أهل الكتاب من اليهود والنصارى، وصارت للدول التي تظللهم سيادة وهيمنة على أرض الله، يمارسون من خلالها الغزو الفكري إلى جانب الغزو العسكري والاقتصادي لبلاد المسلمين؟! كيف وقد صارت الأنظمة التي تحكم بلاد المسلمين تروج لهذه الأعياد الكفرية الباطلة وربما جعلتها من الأعياد الرسمية؟!

الأحكام الشرعية المتعلقة بالنازلة

أولًا: يجب أن نفرِّق بين أمرين فرَّقَ الوحي المعصوم بينهما، الأول: المعاملة لغير الحربيين من الكفار بالبر والقسط والمصاحبة لهم بالمعروف، الثاني: المفاصلة للكفار في أمر العقيدة وعدم الولاء لهم أو التشبه بهم – ولو ظاهريًّا أو شكليًّا – فيما هو من الأمور الدينية الشعائرية، فأمّا الأول فهو مشروع، وأمّا الثاني فهو ممنوع، وكلا الحكمين مما لا خلاف فيه، وكلاهما مما نصّ عليه الكتاب العزيز وصحيح السنة المطهرة، قال تعالى: (لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ ‌تَبَرُّوهُمْ ‌وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الممتحنة: 8)، وقال: (فَلا تُطِعْهُما ‌وَصاحِبْهُما ‌فِي ‌الدُّنْيا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ) الآية (لقمان: 15)، وفي المقابل قال سبحانه وتعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا ‌الْيَهُودَ ‌وَالنَّصارى ‌أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (المائدة: 51)، وقال: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ‌لا ‌تَتَّخِذُوا ‌الَّذِينَ ‌اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِياءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (المائدة: 57)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ ‌الْيَهُودَ ‌وَالنَّصَارَى ‌لَا ‌يَصْبُغُونَ، فَخَالِفُوهُمْ)1متفق عليه، البخاري (3462) ومسلم (2103) عن أبي هريرة، والأحاديث في النهي عن التشبه بالكفار أكثر من أن تحصر.

ثانيًا: وبناء على ما سبق فإنّ تهنئة غير الحربيين من الكفار بأفراحهم ومسرّاتهم الدنيوية وتعزيتهم ومواساتهم في أتراحهم وأحزانهم الدنيوية، كُلّ ذلك جائز ومشروع بل ومندوب إليه، ولاسيما مع نية دعوتهم إلى الإسلام، أمّا تهنئة الكفار أو مشاركتهم في أعيادهم الدينية فهو مما لا خلاف في حرمته؛ لكون ذلك من الشعائر الدينية الباطلة التي أبطلها الإسلام وحرّمها وجرّمها، فمشاركةُ المسلم وتهنئتُه لهم يعدُّ نوعًا من الولاءِ للكفار والتشبّهِ بهم، والدخولِ معهم في الفرح بما يُغْضِبُ الله ويُسْخِطُه، إضافة إلى ما في ذلك – ولاسيما إذا عمّ وطمّ واستشرى وانتشر – من تمييعٍ لقضايا الإيمان، وإضعافٍ لمبدأ المفاصلة بين الإسلام والجاهلية، وتهوينٍ من أمرٍ فظيع نصّ القرآن على فظاعته وبشاعته في مواضع عديدة.

وقد حرم العلماء هذا الأمر، ولم يرد عنهم في حكمه خلافٌ، يقول ابن القيم: «وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة به فحرام بالاتفاق، مثل أن يهنئهم بأعيادهم وصومهم … فهذا إن سلم قائله من الكفر فهو من المحرمات، وهو بمنزلة أن يهنئه بسجوده للصليب، بل ذلك أعظم إثما عند الله وأشد مقتا من التهنئة بشرب الخمر وقتل النفس … فمن هنأ عبدا بمعصية أو بدعة أو كفر فقد تعرض لمقت الله وسخطه»2«أحكام أهل الذمة» (1/ 441)، وقوله: “فهذا إن سلم قائله من الكفر فهو من المحرمات” يبين الاختلاف الحاصل في درجة الحرمة بين من انشرح صدره بذلك ومن فعله دون انشراح صدر به، فمن فعله بقلب راض به فهو كفر، ومن فعله دون رضى به فهو معصية، وعلى نفس المنوال مضى كثير من العلماء، ففي عون المعبود: «وقال القاضي أبو المحاسن الحسن بن منصور الحنفي من اشترى فيه شيئا لم يكن يشتريه في غيره أو أهدى فيه هدية إلى غيره فإن أراد بذلك تعظيم اليوم كما يعظمه الكفرة فقد كفر وإن أراد بالشراء التنعم والتنزه وبالإهداء التحاب جريا على العادة لم يكن كفرا لكنه مكروه كراهة التشبيه بالكفرة حينئذ فيحترز عنه»3«عون المعبود وحاشية ابن القيم» (٣/ 342).

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «… ولما كان عيدا صاروا يصنعون لأولادهم فيه البيض المصبوغ ونحوه … وعامة هذه الأعمال المحكية عن النصارى – وغيرها مما لم يحك – قد زينها الشيطان لكثير ممن يدعي الإسلام … وكل ما خصت به هذه الأيام من أفعالهم وغيرها فليس للمسلم أن يشابههم في أصله ولا في وصفه»4«الفتاوى الكبرى لابن تيمية» (٢/ 483)، وفي فتاوى اللجنة الدائمة: «إذا انضاف إلى العيد المخترع كونه من ‌أعياد ‌الكفار فهذا إثم إلى إثم؛ لأن في ذلك تشبها بهم ونوع موالاة لهم، وقد نهى الله سبحانه المؤمنين عن التشبه بهم وعن موالاتهم في كتابه العزيز»5«فتاوى اللجنة الدائمة – 2» (٢/ 263)، وهذا حكم متفق عليه، «وافق عليه: الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة»6«موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي» (٦/ 418) بتصرف بسيط.

وهذه نماذج لأقوال هذه المذاهب: «‌والإعطاء ‌باسم ‌النيروز والمهرجان لا يجوز … وإن قصد تعظيمه كما يعظمه المشركون يكفر»7«حاشية ابن عابدين = رد المحتار ط الحلبي» (٦/ 754)، «… فتشبَّهَ بعض أهل الوقت بهم فيها وشاركوهم في تعظيمها … وهذا كله مخالف للشرع الشريف»8«المدخل لابن الحاج» (٢/ 46-48)، «يعزر ‌من ‌وافق ‌الكفار ‌في ‌أعيادهم»9«مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج» (٥/ 526) – «الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع» (٢/ 526) – «حاشية البجيرمي على الخطيب = تحفة الحبيب على شرح الخطيب» (٤/ 179)، «يحرم ‌تهنئتهم»10«كشاف القناع عن متن الإقناع» (٣/ 131).

هل يصح القول إن تهنئة الكفار على سبيل المجاملة فقط جائز ؟!!

ثالثًا: القول بأنّ تهنئة الكفار بأعيادهم إنْ صاحبها انشراحُ صدر بما هم عليه من الكفر وموافقةٌ لهم عليه فهو حرام، وإن كان مجرد مجاملة فهو جائز، قول غير صحيح؛ لأنّ المفاسد التي لأجلها حكم العلماء بالتحريم مترتبة على التهنئة ولو لم يصاحبها رضى القلب بعقيدة الكفر، فالمحرم هو مجرد مجاملتهم بذلك ولو لم يصاحبه موافقة لهم بالقلب، أمّا موافقة القلب وانشراح الصدر والرضى والاغتباط فهذا كفر وارتداد عن الإسلام، ولو طردنا هذه القاعدة لقلنا بحل كثير من المحرمات التي لا يتوقف تحريمها على رضى القلب.

أمّا من القول بأنّها مسألة عَرِيَّةٌ عن النصّ ومن ثم فهي من المشتبهات فهو قول فاسد من كل الوجوه، إذْ ليس كلّ مسألة عرية عن النصّ تكون من المشتبهات، فكم من حكم نقل فيه الإجماع ولم ينقل فيه نصٌّ، ثم: من قال إنّ المسألة عرية عن النص؟ أليست النصوص الناهية عن موالاة الكفار وعن التشبه بهم دالة على حرمة المشاركة للكفار في أعيادهم الدينية وحرمة تهنئتهم بها؟ أليست الآيات التي تأمر بالاقتداء بإبراهيم في مفاصلة الكفر وأهله قاضية بهذا التحريم؟ أم إنّه التحريف والتلبيس على الخلق؟

والأعجب من تلك الفرية قول هذا الذي انغمس بقلمه في دعم فكرة الإبراهيمية: “إنّها مسألة قديمة بالجنس جديدة بالنوع”؛ يريد بذلك إنهاء المبرر الذي من أجله حرمها العلماء، والواقع أنّ المبرّر ازداد خطرًا؛ لأنّ الكفار في زمان عزّ الإسلام كانوا فريقين، أهل ذمة ضُرب عليهم الصغار، وأهل حرب دخلوا في عهود هدنة أو قبعوا في ديارهم خائفين من المسلمين؛ فكانت مخاطر استعلانهم بأعيادهم أقلّ بكثير من هذه الأيام، ولاسيما مع علو أهل الكفر وضعف أهل الإسلام، ومَنْ علم سنة الشريعة تبيّن له أنّ المفاصلة في وقت الاستضعاف أولى: (وَدُّوا ‌لَوْ ‌تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ) (القلم: 9) .. والله أعلم.

الهوامش
  • 1
    متفق عليه، البخاري (3462) ومسلم (2103) عن أبي هريرة
  • 2
    «أحكام أهل الذمة» (1/ 441)
  • 3
    «عون المعبود وحاشية ابن القيم» (٣/ 342)
  • 4
    «الفتاوى الكبرى لابن تيمية» (٢/ 483)
  • 5
    «فتاوى اللجنة الدائمة – 2» (٢/ 263)
  • 6
    «موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي» (٦/ 418) بتصرف بسيط
  • 7
    «حاشية ابن عابدين = رد المحتار ط الحلبي» (٦/ 754)
  • 8
    «المدخل لابن الحاج» (٢/ 46-48)
  • 9
    «مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج» (٥/ 526) – «الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع» (٢/ 526) – «حاشية البجيرمي على الخطيب = تحفة الحبيب على شرح الخطيب» (٤/ 179)
  • 10
    «كشاف القناع عن متن الإقناع» (٣/ 131)

التعليقات معطلة