هذا المقال هو هدية العيد للشحارير..وسيكون مفاجئًا للذين يُكثرون من ذمّ الرجوع إلى التفاسير التراثية، وهم في الوقت نفسه مفتونون ببعض المعاصرين كيوسف أبو عواد وتدبّراته التي يرونها “إبداعية”.

فإذا كنتَ تردّد أو تسمع مقولة: “يوسف أبو عواد يتدبّر القرآن، أما أنتم فتعتمدون على التفاسير التراثية البالية”، فهذا المقال موجّه إليك، ولعله آخر ما أكتبه هذه الفترة في نقده.

ورجائي منك ألا تستطيله، فهو سهل وليس صعبا، لكنه يكشف لك زيف هذه الدعوى بما لا يدع مجالًا للشك، وتُبنى عليه نتائج مهمة بخصوص كيفية تعاملنا مع إرثنا العلمي التفسيري، فاقرأه حتى النهاية تجد منفعة كبيرة بإذن الله.

منهجية النقد والنتائج الثلاث المرتقبة

وأنا أكتب هذا المقال استمرارًا لهدم دعوى يوسف أبو عواد بأنّه لا يفسّر القرآن بمصادر خارجية بل “يلفت الانتباه” فحسب ويربط الآيات ببعضها كما يزعم. وقد أحببت هنا أن آخذكم معي في جولة مع مقطع له على يوتيوب بعنوان “الدراسة اللسانية التدبرية لسورة الفاتحة الجزء الأول”، وستخرجون من هذه القراءة بثلاث نتائج واضحة وضوح الشمس:

1- أنّ يوسف يؤوّل ويفسّر زيادة على ما ذكره القرآن، فيستحضر مواد ليست في القرآن ولا يقتصر على “لفت الانتباه” للآيات كما زعم، بل في معظم المواضع لا يستقرئ الآيات ذات الموضوع الواحد مما يكذّب دعوى “الترتيل” التي أخذها من شحرور! وهذا وحده يُسقط دعواه في أنّ “بيان القرآن” يعني أنّ القرآن لا يحتاج إلى مصدر خارجي لبيانه، فهو يستعين بمصادر خارجية بوضوح.

2- أنه يعتمد بشكل كلّي على التراث الإسلامي التفسيري الذي يُكثر من ذمّه، فهو عالةٌ عليه.

3- أنه كثير الخطأ والوهم، بل لا يعقِل أحيانًا ما ينقله عن كتب التراث التي سيرى القارئ رسوخ أصحابها في الفهم ودقّتهم مقابل ضعف يوسف الظاهر وأخطائه العديدة، وذلك في مقطع قصير لا يتجاوز شرح آيتين من الفاتحة!

تأصيل موقف يوسف من بيان القرآن والتراث

وأذكّركم أنّ مما قاله يوسف في إحدى مناظراته: “نفهم أنّ الكتاب مبين بذاته، أي أنه يبين مضامينه لمن يقرؤه ويسمعه”. وقال عن تبيين القرآن: “هو شرح ملامح شيء ما شرحًا يرفع عنه كل إشكال”.

أما بيان الرسول صلى الله عليه وسلّم فيقول عنه يوسف: “وليس هو إلّا بإبلاغ الآيات”. ويقول عن بيان الرسول أيضًا: “فمجرّد إظهار الآيات وتبليغها هو تبيين لها لأنّها في ذاتها بيّنة”.

أما يوسف نفسه، فسترون كيف أنه يعطي لنفسه ما لا يعطي للرسول صلى الله عليه وسلّم في تبيين القرآن!

لكن قبل أن ننطلق في هذه الجولة الاستقرائية القصيرة، سأضع أمامكم رأيه في كتب التراث عموما وفي كتب التفسير خصوصًا، لتدركوا لاحقا أنّه يبصق في مائدة العلماء الذين نهل من كتبهم ولم يستطع التحدث بكلمة واحدة في كتاب الله دون التعويل عليهم، أما حين يحاول أن “يجوّد” ويضيف من عنده فإنّه يخرج بالمغالطات المضحكة!

يقول في مقطع حديث له عن تفاسير الأمة: “أنت لو تبحث في آية واحدة في كتب التفسير ستجد مئات الأقوال، المشكلة أعطيني تفسيرا مجمعًا عليه حتى أقول لك أبدأ منه وأنطلق، ولا يمكن أن تأتي بشيء مجمَع عليه أصلًا”.

وبصرف النظر عن وجود مساحة مشتركة بين التفاسير المختلفة هي المتفق عليه من معاني القرآن، لكن هل يمكن لمن يقول هذا الكلام أن يكون معظم جهده في تدبّر القرآن مأخوذًا من كتب التفسير والتراث التي يذمّها؟! سترون ذلك..

وانظروا إليه يقول مستنكرا في مطلع مقال له بعنوان “كيف نعقل القرآن؟”: “لو سألت عامَّة المسلمين اليوم مثل هذا السؤال ممَّن له اعتناء بتلاوة القرآن وتدبره، لرأيتهم من غير ما تردُّد يفيؤون مباشرة إلى ما كتبه ابن جرير الطبري ومن تبعه، ممّن نقل عنه ثمّ زاد أو نقص مع بعض إضافات، لا تخرج في العموم عن المنهج الذي اختطه الطبري لكتابه”. ويستمر في المقال مستنكرًا هذا المنهج.

فهل يُعقل أن يفيء من يقول هذا الكلام (حين يريد “تدبّر” القرآن) مباشرةً إلى ما قاله المفسّرون كالطبري ومن جاء بعده؟!

وحين سأله محاوره باسم الجمل في حلقة بعنوان “هل في القرآن ترادف؟ الحقيقة التي تجاهلتها كتب التفسير”: هل الضياع في كتب التفسير يرجع إلى عدم فهم الآلية اللسانية؟

أجاب يوسف: “أنا أقول لم يُدرس القرآن بهذه الآلية أو القواعد من أوله إلى آخره دراسة علمية صارمة محايدة، كان دائما يدخل على الخط مثلا الإسرائيليات أو الروايات أو الترجيحات الشخصية أو المعلومات التي ليست موثوقًا بها في تفسير الآيات أو الهوى أو اتباع فرقة معينة أو التأثر بظروف سياسية معينة”. ثم يقول بعد هذا الذمّ ذرًّا للرماد في العيون: “كل ما قلناه موجود من قال به من العلماء” (وضرب مثلا مفهوم “الإسلام” عنده، وهو كذب، وقد ناقشناه في منشور كامل فلم يقل أحد من العلماء أنّ حقيقة الإسلام هي “كفّ الشر عن غيرك”!).

وقد يقال: هو يقرّ بأنّ كل ما قاله موجود في كتب التراث. أقول: فلأيّ شيء إذن يتحدث بهذه النبرة الاستخفافية عن كتب التفسير والتراث ويجعل العودة إليها أولا منهجًا خاطئًا مع أنّه يفعله كما سنرى؟! (والكثير مما يقوله ليس في كتب التراث بل من تخرّصاته وسنرى بعضها).

عرض نموذج من كلام يوسف وتحليله: البسملة وأصل كلمة “اسم

والآن إلى كلامه من المقطع المذكور، حيث سأَذكر كلامه مع الدقيقة والثانية، ثم أنوّه إلى أنّ ما يفعله هنا ليس مجرّد “لفت انتباه” لشيء في القرآن كما زعم، ثم أختار تفسيرا من تفاسير الأمة قد ذكر هذا الكلام، وهو موجود في تفاسير عديدة، ولكن أقتصر على واحد لعدم تطويل المقال:

1- قال يوسف عن أصل كلمة “اسم” (1:40): “فإنّ ما أميل إليه ميلا قويًّا هي أنّ كلمة اسم في الأصل وسمٌ، وحُذف منها حرف الواو حُوِّل إلى همزة وصل”. ثم قال “تسمى أحيانًا سمة”.

فهذا أولا ليس مجرّد “لفت انتباه”، بل زيادة لا توجد في كتاب الله، فالله عزّ وجلّ لم يقل لنا “أصل اسم هو وسم”، ولم يقل لنا إن معناه “سمة”، ولم يقل “حُذفت الواو”.

وثانيا هذا الكلام مصدره كتب التفسير والتراث، قال الآلوسي (1270 هـ): “وقال الكوفيون: هو من السمة، لأنه علامة على مسماه، وأصله وسم، فحُذفت الواو وعوضت عنها همزة الوصل”.

تتبع الأخطاء والاستعارات التراثية في كلام يوسف

2- قال يوسف (4:35) عن الجار والمجرور (باسم) إنّ “الآية بدأت بطريقة غريبة، فليس هنا اسم قبلها وليس هناك فعل بعدها”. وذكر من فوائد ذلك: “ألّا يسبق اسم الله شيء”.

وهذه الفائدة ذكرها أبو حيان (745 هـ) عن أبي القاسم السهيلي قال: “ولكن في حذفه فائدة، وذلك أنه موطن ينبغي أن لا يقدم فيه سوى ذكر الله تعالى”.

ثم ذكر يوسف فائدة أخرى وهي: “أنه يفيد العموم في كل ما يتعلق بالقرآن الكريم، فيصبح معنى الكلام: يُذكر هذا الكلام باسم الله، ونزل باسم الله، وجُمع باسم الله، وبُيّن باسم الله، وقُرئ باسم الله”.

وهذه الفائدة أيضًا ليست في كتاب الله وليست مجرد “لفت انتباه”، ولكنها “زيادة”، بل بناها على ما قاله علماء التراث (وهي أنّ المحذوف يفيد العموم)، قال الشوكاني في “إرشاد الفحول” (1250 هـ): “ذكر علماء البيان أن حذف المتعلق يشعر بالتعميم”. وذكر ذلك أصحاب التفسير في البسملة ورجّحها غير واحد:

قال مكي بن أبي طالب (437 هـ) في تفسير سورة النمل: “والباء متعلقة بفعل مضمر، والمعنى: ابدأ بسم الله، فإذا اختلفت الأفعال التي تريد أن تسمي الله عليها، أضمرت لكل معنى فعلًا يشاكله، فإذا أردت القيام فقلت بسم الله: أضمرت أقوم بسم الله، وإذا أردت القعود قدّرت أقعد بسم الله، وكذلك الركوب وشبهه”.

وقال أبو السعود (982 هـ): “وتقدير “أبدأ” لاقتضائه اقتصار التبرك على البداية مخل بما هو المقصود؛ أعني شمول البركة للكل”.

والعموم الذي تحدّث عنه مكي بن أبي طالب وغيره من المفسّرين أدق من عموم يوسف أبو عواد المقيّد، فهو جعله “في كل ما يتعلق بالقرآن”، وقال إن ذلك يعني أنّ عليه “وسم” الله. والقرآن نفسه يؤكّد صحة كلام المفسّرين، فقد ذكر مكي ابن أبي طالب “الركوب”، والله تعالى يقول: {وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ}، ويقول تعالى عن سليمان عن كتابه الذي كتبه وأرسله إلى ملكة سبأ: {إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}، فهو ليس من الله بل من سليمان عليه السلام، ومع ذلك كان باسم الله، فعموم المفسّرين أدقّ.

3- قال يوسف في معنى اسم الجلالة “الله” (10:10): “أصلها اللساني الإله، بهمزة القطع، مع كثرة الاستخدام أو لتمييز الله من بين سائر الآلهة التي عبدها البشر وتوجّهوا إليها… حُذفت همزة القطع فصارت الكلمة “الله”.

فهذا لم يبيّنه الله في كتابه، وليس مجرد “لفت انتباه”، بل جلبه من كتب التراث، ولكنهم شرحوه بأفضل منه، لأنّك حين تحذف همزة القطع عن “إله” لا تصبح “الله”!

قال القرطبي (671 هـ) في تفسيرها: “فروى سيبويه عن الخليل أن أصله إِلاه، مثل فِعال، فأُدخلت الألف واللام بدلًا من الهمزة”.

4- قال يوسف (10:52): “والإله أصلها في اللسان العربيّ أَلِهَ، وألِهَ مساوية لكلمة وَلِهَ، وولِه بالشيء يعني تعلّق به تعلّقًا شديدًا، فيقال: فلان ولهان، أو وصل إلى مرحلة الوَلَه في التعلق بمحبوبه، بمعنى أنه يتبعه حيثما ذهب من غير ما شعور، متعلق به في كل شيء… وهذا لا يصحّ أن يكون إلا لربّ العالمين”.

وهذا الكلام أيضًا لم يبيّنه الله في كتابه، بل أخذه يوسف من كتب التراث:

قال البغوي (516 هـ): وقيل أصل الإله “ولاه” فأُبدلت الواو بالهمزة مثل وشاح وإشاح، اشتقاقه من الوَلَه لأنّ العباد يولهون إليه أي يفزعون إليه في الشدائد، ويلجئون إليه في الحوائج كما يُولَه كلّ طفل إلى أمّه”.

5- قال يوسف عن “الرحمة” (12:50): “فالرحم هو أقرب أصل جامد يتعلق بكلمة الرحمة، فإذا أردتَ أن تفهم الرحمة حقّ الفهم فانظر إلى وظيفة الرحم عند المرأة، ما هي وظيفته؟ هل ترى أكثر حنوًّا وحنانًا ولطفًا ورعايةً وحرصًا كونه وعاءً ومغذّيًا وراعيًا ومدبّرًا لشؤون الطفل من الرحم؟”.

وهذا أيضًا ليس من كتاب الله، وأخذه من كتب التراث. وتأمّل إيجاز الزمخشري (538 هـ) لهذا المعنى في شرح الرحمة، قال رحمه الله: “فإن قلت: ما معنى وصف الله تعالى بالرّحمة ومعناها العطف والحنوّ ومنها الرَّحِم لانعطافها على ما فيها؟ قلت: هو مجاز عن إنعامه على عباده لأنّ الملك إذا عطف على رعيته ورقّ لهم أصابهم بمعروفه وإنعامه…”.

6- والعجيب أن يوسف يقول بعد ذلك (13:40): “والله جلّ جلاله اشتقّ من هذا الأصل الجامد صفة الرحمن وصفة الرحيم وهما اسمان له”.

وهذا عجيب! لأنّه أقرّ قبل قليل أنه لا يسبق اسمَ الله شيء، والله عز وجل هو الأول وليس قبله شيء، فكيف جعل اسم الرحمن متأخّرًا عن الرحم التي خلقها الله؟!

والمأثور بخصوص اشتقاق الرحم هو حديث: “قال الله عز وجل: أنا الرحمن خلقت الرحم، وشققت لها من اسمي، فمن يصلها أصله، ومن يقطعها أقطعه” (مسند أحمد). وكما ترون هذا الحديث موافق للقرآن في أنّ الرحمن هو الأول ومنه اشتقّ الله للرحِم اسمها وليس العكس كما زعم يوسف وصادم القرآن! فانظر إلى تخبّط من يُكثر من ذمّ الاستناد إلى الروايات في التفسير!

7- قال يوسف معنى “الرحمن” (14:20): إنها من أصل فعلان، ثم قال: “وهذا الوزن في اللسان العربي يدل على الامتلاء في الصفة، أو على أنها صفة ذاتية في الشيء”.

ففي معنى أنها على وزن فعلان وأنها تدل على الامتلاء: قال أبو حفص النسفي (537 هـ): “وقيل: الرحمن على وزن فعلان، وهو مبالغة في الصفة، فإن الغضبان هو الممتلئ غضبا، والسكران هو الممتلئ سكرا”.

وفي معنى أنها “صفة ذاتية” قال عبد اللطيف آل الشيخ (1293 هـ): “الرحمن: صفة ذات، دلَّت على أنه تعالى اتَّصف بغاية الرحمة ومنتهاها”.

8- قال يوسف في الفرق بين “الرحمن” و”الرحيم” (14:56): “الرحمن صفة في ذات الله سبحانه، أي أنها صفة أصيلة فيه”. “والرحيم تصل رحمته إلى الخارج أي إلى مخلوقاته”. وقال (17:09): “فالتفريق الصحيح إذن بين الصفتين أنّ الرحمن صفة لذات الله سبحانه، والرحيم صفة لأفعال الله”.

وهذا التفريق ليس من كتاب الله وليس مجرّد “لفت انتباه”، وهو معروف في التراث، ومنه قول ابن القيم (751 هـ) في “بدائع الفوائد”: “الرحمن دال على الصفة القائمة به سبحانه، والرحيم دالة على تعلقها بالمرحوم، فكان الأول للوصف، والثاني للفعل، فالأول دال على أن الرحمة صفته، والثاني دال على أنه يرحم خلقه برحمته”.

وأضاف ابن عاشور (1393 هـ) فائدة في تفسيره فقال: “وتقديم الرحمن على الرحيم لأنّ الصيغة الدالة على الاتصاف الذاتي أولى بالتقديم في التوصيف من الصفة الدالة على كثرة متعلقاتها”.

9- قال يوسف (15:44): “ولذلك كان اسم الرحمن مختصًّا بالله تبارك وتعالى”.

فهذه أيضًا أخذها من المفسّرين حرفيّا، قال ابن عاشور: “ولذلك كان وصف الرحمن مختصًّا به تعالى”.

10- قال يوسف في معنى الربّ (20:10): “كلمة رَبّ تدل على احتواء الشيء ورعايته وتدبير شأنه”.

وقال القرطبي في تفسيره: “والربّ: المصلح والمدبّر والجابرُ والقائم. قال الهروي وغيره: يقال لمن قام بإصلاح شيء وإتمامه: قد ربّه يَرُبُّه فهو رَبٌّ له ورابٌّ”.

11- قال يوسف في الفرق بين “الرب” و”الإله” (20:37): “فالربّ هو الراعي هو الخالق هو المدبّر هو القائم على شؤون مخلوقاته، أمّا الإله فهو من الوَلَه فهو المتبوع الذي يُتبع من غير أن تسأله لماذا اتجه يمينًا أو اتجه يسارًا”.

وهذا ليس من كتاب الله بل من كتب التراث. قال بدر الدين البعلي (778 هـ) “مختصر الفتاوى المصرية”: “وكذا الإله والرب مثل قوله {الحمد لله رب العالمين}: فإنّ الإله هو المعبود، والربّ هو الذي يربُّ غيره فيدبّره”. وقد مر معنا سابقا الكلام على معنى “إله” من “الوله”.

12- قال عن معنى “العالمين” (21:50): “العالمين جمع لكلمة عالم، والعالَم أصلها اللغوي أو اللساني علَم، والعلَم في اللسان العربي في أصله الجامع يرجع إلى الجبل الكبير، وقد قالت العرب قديمًا: أشهر من نارٍ على علَم”.

فها هو يأخذ كلام العرب وأمثلتهم (وهي مصدر خارجي) لتفسير القرآن!

والواقع أنّه أخذ ذلك كله من تراثنا الإسلامي لكنّه حرّفه، قال النحّاس (338 هـ) في “معاني القرآن”: “وعالمٌ مشتقٌّ من العلامة. وقال الخليل: العَلَمُ، والعَلامةُ، والمَعْلَمُ، ما دلَّ على الشيء، فالعالَم دالّ على أنَّ له خالقاً ومدبِّرًا”.

وقد أخطأ يوسف حين جعل العلَم يرجع في أصله إلى الجبل، بل الصواب أن الجبل سُمّيَ علَمًا لأنّه أثرٌ يُعلَم به الشيء. قال الراغب الأصفهاني (من القرن الرابع): “والعَلَمُ: الأثرُ الذي يُعْلَمُ به الشيء كعلم الطّريق وعلم الجيش، وسمّي الجبل عَلَمًا لذلك”.

وقد خلط يوسف في هذا الموضع خلطًا كبيرًا (انظر: 22:02) إذ زعم أنّ “العالَم” صارت تُطلق على كل “تكتّل يجمع شيئًا ما”، لأنّ العرب كانوا “يضعون النارَ على رؤوس الجبال لاستضافة الضيوف ولتحقيق صفة الكرم المعروفة عند العرب، ثم صار يطلق على كل تكتّل يجمع شيئًا معيّنًا يُطلق عليه عالَم، فنقول مثلا: عالَم النجوم، وعالم الكواكب، وعالم الحشرات، وعالم الثديات”!

ففضلا عن كون ذلك السياق كله ليس في القرآن ممّا يبطل زعمه بأنّه “يلفت الانتباه” فحسب، فإنّ هذه القصة (أو الرواية) التي حكاها لا تدخل العقل ولم يذكرها أحد، ولا أدري كيف يخترع أو ينقل سببا بلا دليل أو شاهد قديم؟! والأصوب ما قاله أهل اللغة من أنّ اشتقاق “العالَم” من “العلم”، والعلم هو العلامة، والعالم مشتقّ منه لأنّه دالٌّ على خالقه، فهو كالعلامة عليه.

وللراغب الأصفهاني في “مفردات ألفاظ القرآن” تخريج جميل لهذا المعنى، فقد نبّه إلى أنّ “عالَم” على وزن “خاتَم” و”طابع”، وهي أوزان آلة، فقال: “والعالَمُ: اسم للفلك وما يحويه من الجواهر والأعراض، وهو في الأصل اسم لما يعلم به كالطابع والخاتم لما يطبع به ويختم به، وجعل بناؤه على هذه الصّيغة لكونه كالآلة، والعَالَمُ آلة في الدّلالة على صانعه، ولهذا أحالنا تعالى عليه في معرفة وحدانيّته”.

13- قال يوسف عن سبب الجمع بـ “العالمين” (جمع مذكر سالم) وليس “العوالم” (23:26): “أكثر أنواع العوالم تجبّرا وسيطرة وطغيانًا هم عالم ذكور البشر… فكأنّ الذكور يصيبهم شعور بالغرور والنرجسية أكثر من غيرهم من الإناث وسائر العوالم”. ثم قال: “فلمّا جمع الكلمة جمعًا هو بالأصل يُجمع للمذكّر العاقل دلّنا ذلك على أنّه يدخل فيها كل العوالم بمن فيهم الذكور العقلاء”.

فقد أخذ يوسف أصل هذه اللفتة البلاغية من علماء اللغة والتفسير، ولكنّه أفسدها حين خصّصها بالذكور.

قال الراغب الأصفهاني: “وأمّا جمعه جمع السّلامة فلكون النّاس في جملتهم والإنسان إذا شارك غيره في اللّفظ غلب حكمه”.

وقال ابن عاشور: “ولقد أبدعوا إذ جمعوه جمع العقلاء مع أنّ منه ما ليس بعاقل تغليبا للعاقل”.

وأمّا إفساد يوسف لهذه اللفتة البلاغية فلسببين:

الأول: أنّ المقصود من الجمع السالم (العالمين) هو شمل العقلاء أو مخاطبتهم بالأصالة، وكلمة “عالَم” بفتح اللام لا تأتي مؤنّثة، فلم نقرأ “عالَمة”، ولهذا كان جمعها مذكّرًا حين يراد أن يكون جمعًا سالمًا يشمل العقلاء، فلا يوجد جمع مؤنّث لها أساسًا!

الثاني: أن الآية والسياق والسورة لكل الناس وليست مخصصة للذكور، ولا يوجد سياق تجبّر وطغيان، بل جاءت بين “حمد” قبلها و”رحمة” بعدها، فلأي شيء افترض أنّ الصيغة جاءت تنبيهًا للذكور لأنهم الأكثر تجبُّرًا وطغيانًا؟! (كلامه يذكّرني بعلي الكيالي وحديثه عن مملكة النحل وأبناء يعقوب عليه السلام، انظر مقالي “التفسير البهلواني للقرآن”).

14- ثم ختم يوسف بتفسير كلمة “الحمد”، التي أخّر تفسيرها إلى آخر المقطع مع أنها في مطلع الآية! قال (26:50): “والحمد هو اجتماع صفات الكمال والفضائل في شخص أو شيء ما”.

ثم قال عن الفرق بين الحمد والشكر: “وهذا هو الفرق بين الحمد والشكر، فالحمد أن تثني على أحدٍ لصفات كماله، وليس لمعروف فعله إليك أو نعمة أسداها عليك، إنما انت تحمده لكمال صفاته وجميلها، أما الشكر فإنما يكون على نعمة أو معروف أسداه إليك”.

وقد أخطأ أولا في جعل الحمد هو “اجتماع صفات الكمال”، فهو ليس “اجتماعها” بل هو “الثناء” عليها. والعجيب أنّه ذكر ذلك لاحقا حين فرّق بينه وبين الشكر، وهذا يعكس لنا اضطرابًا في النقل كأنّما هو حاطب ليل من التراث.

وقد أخذ هذا المعنى والتفريق من كتب التراث وليس من القرآن، قال الثعالبي (875 هـ) في تفسيره: “الحَمْدُ: معناه الثناء الكاملُ، والألف واللام فيه لاِستغراقِ الجنس من المحامد، وهو أعم من الشكر لأنَّ الشكر إنما يكون على فِعْلٍ جميل يُسدى إِلى الشاكر، والحمد المجرَّد هو ثناء بصفات المحمود”.

الخلاصة: فضح التناقض والتأكيد على قيمة التراث التفسيري

وهكذا بعد هذه الجولة الاستقرائية القصيرة لمقطع كامل يظهر لنا أنّ يوسف:

– لم يكتفِ بالقرآن في شرح معاني القرآن، بل استعان كما رأينا بعلوم اللغة وكتب التراث ومرويّاته.

– أنه كان عالةً على علماء التراث الذين يكثر من ذمّهم، فظهر أنّه “يفيء” إليهم مباشرة ولا يخرج عمّا اختطّوه ليبني عليه.

– ولكنه كثير الوهم والخطأ حين يحاول تفعيل رأيه، وليس أهلًا للحديث في كتاب الله، بل استند أحيانًا إلى حكايات واهية ضعيفة أو من اختراعه، فوقع صدقًا بما وصم به كتب التفسير!

والآن تأمّلوا سخافة هذا الذي يقول بعد ذلك: “يوسف يتدبّر كتاب الله بعقله وفي عصره، بينما أنتم أسرى كتب التفسير القديمة”. وقد تكرر مثل هذا القول أمامي عشرات المرات!

والواقع أننا حين ننطلق من كتب التفسير فذلك لمراعاة التراكم العلمي، واعتراف اللاحق بالاستفادة من السابق، بيد أننا لا نتقيّد بما ذكروه إلا لو كان متفقا عليه ظاهر الوضوح في اتساقه مع السياق القرآني والروايات الصحيحة، ولنا بعد ذلك الترجيح بين الأقوال المختلفة، وتفتيق الدلالات الجديدة التي تخاطب عصرنا.

وجهود أهل الإسلام المعاصرين المبدعين الذين يعترفون بفضل المفسّرين القدماء وكتب التراث معروفة مشهورة، فلا تَلازم بين الاستناد إلى تلك الكتب والانطلاق منها للوقوف على أرضية علمية صلبة، وبين انعدام الإبداع والتجديد ومواكبة العصر، ولا يحدث هذا التلازم إلى في الأبصار الكليلة والعقول الضعيفة!

المصدر

صفحة شريف محمد جابر، على منصة ميتا.

اقرأ أيضا

كيف حرّف يوسف أبو عواد مفهوم الإسلام؟

‏ يوسف أبو عوّاد.. خليفة محمد شحرور في تحريف القرآن

التنوير والتجديد والحداثة .. الباطنية الجديدة

التعليقات معطلة