بين نارَي أمريكا وإيران: أهل السنة وحيرة الانتصار لذئب يفترس ذئباً..

الشرارة التي فجرت الحيرة والانقسام

بعد أن شنت أمريكا وإسرائيل هجومهما الواسع على إيران، وكأنها الشرارة التي أضاءت ما اختبأَ في صدور الناس، وفجرت ما تراكم من حيرة ومن انقسام.. فإذا بأهل السنة وهم ضحايا الجميع في هذه “المعمعة” يتنازعون أيهم يُناصر ويُؤيد، والكل يُدلي برؤيته ويُحلل ويُنظّر.

حتى جاء خطاب الملثم المجاهد، ليزيد المشهد تعقيداً فوق تعقيد.. إذ رثى قتلى إيران ووصفهم بالشهداء، وأدرج الخلاف مع إيران في خانة الاختلافات الجزئية الفرعية بين مسلمين.. فانقسم الناس مرة أخرى بين مصفق يرى في الكلام دبلوماسية حكيمة، ومستنكر يراه تنازلاً عقدياً مُريباً.. وهذا المقال وقفة من يرى أمته في التيه ويأبى أن يسكت.. لأن السكوت في مثل هذا المقام خيانة للحق وغش للناس.

أولاً: حق الملثم وواجبه، وموضع الخطأ في كلامه

بدايةً لابد أن يُقال الحق صريحاً بغير التواء.. الملثم رجل مُجاهد في سبيل الله، ونصرة القضية الفلسطينية وكتائب القسام بوصفها الجهة الوحيدة المجاهدة للعدو.. واجب لا يُماري فيه عاقل يعرف معنى الولاء والبراء.. بيد أن النُصرة لقضية لا تعني تعطيل الموازين الشرعية حين يتكلم قائدها.

فما قاله الملثم في شأن قتلى إيران من احتسابهم شهداء، والترحم عليهم، ووصف الخلاف مع إيران بأنه خلاف جزئي فرعي بين مسلمين.. هذه المقولات ليست صحيحة شرعاً بأي وجه من وجوه الاجتهاد.. فإيران الصفوية لا تُوصف بالإسلام الذي يُحتسب قتلاه في سبيله بالمعنى الشرعي الصحيح، ومن قاتل على عقيدة الرافضة التي تنخر في أصول الإسلام وتطعن في الصحابة الكرام لا يُقال فيه ما يُقال في شهيد المعركة الإسلامية.. أما وصف الخلاف مع إيران بأنه خلاف في فروع ثانوية بين مسلمين فمجانبة ظاهرة للحقيقة المذهبية، إذ الخلاف مع عقيدة الرفض خلاف في الأصول وفي الثوابت لا في الاجتهادات.

ثانياً: عذر الملثم من باب أحكام الاستضعاف

بيد أني مع ذلك.. أُقرر أن للملثم عذره، وألتمس له المخرج من زاوية شرعية أصيلة.. القوم مستضعفون، مُحاصرون من كل جانب، ويُقاتلون وحدهم، ومن لا يملك القوة يلجأ إلى الدبلوماسية، ومن لا تُجديه الدبلوماسية يلجأ للمواربة.. والفقه الإسلامي يُقرر أن للاستضعاف أحكاماً تتسع فيها دائرة الاجتهاد، فالمُكره قد يقول كلمة الكفر بلسانه وقلبه مطمئن بالإيمان، والمستضعف يُمرر من الكلام الدبلوماسي ما لو قاله المُختار لحُوسب عليه.

وقد قرر العلماء أن كف الأذى بالكلمة التي لا تنقض الدين مخرج مقبول عند الضرورة، وأن السياسة الشرعية تتسع لما لا تتسعُ له الفتوى في حال الاختيار.. فالملثم يتكلم من قلب مُحاصرةٍ، ولا يُلقي خطبة مسجد في حال أمن وتمكين.. والرجل يعرف من دينه ما يعرف، وإنما تُملي عليه الضرورة ما يقول.. لكن الخطأَ يبقى خطأً حتى وإن كان لصاحبه عذر، وتمييز الأمرين.. الاعتذار لصاحبه، والبيان لوهم الناس الذين يتلقون الخطاب بوصفه حقيقة دينية مطلقة.. هذا هو الإنصاف الذي يُفرق بين العالم والمتبوع.

ثالثاً: كسر الوهم الأول: لا طرف مظلوم في هذه الحرب

الوهم الأول الذي يجب أن يُكسر.. هو وهم “الطرف المظلوم” في هذه الحرب، فلا أمريكا وإسرائيل تحاربان من أجل الإسلام، ولا إيران تُقاتل عن أهل السنة.. إيران الصفوية لم تكن يوماً سيف الإسلام المسلول، بل كانت دوماً منجل المذهبية الحاصد.. هي دولة قامت على عقيدة الرفض التي تنخر في صميم الإسلام، تُقدس الأضرحة، وتطعن في الصحابة الكرام، وتعتقد بعصمة أئمة لم يُنزل الله بنبوتهم من سلطان.. وما “مقاومتُها” لإسرائيل إلا ورقة توت تستر بها مشروعها الحقيقي.. التمدد في جسم الأمة السنية.. ولعل سوريا شهيدة على هذا، عشرات الآلاف من أهل السنة أُبيدوا على أيدي ميليشيات “الولاية”، والدم لم يجف بعد، واليمن مقبرة أخرى، ولبنان أسير حزبها الذي يعلو على الدولة ويأكل المجتمع.

وأمريكا وإسرائيل عدو أصيل في دار الضرورة لا يحتاج إلى بيان.. وما ضربها لإيران إلا لأن الهدف لم يكن الاتفاق النووي وحده، بل كان إسقاط النظام ذاته، لا رحمة بالمسلمين السنة بالطبع، ولكن حماية لنفوذها وأمن كيانها الغاصب.. ومن يظن أن واشنطن وتل أبيب تُقاتلان عنه فقد أضاع بوصلته، وربما أضاع دينه، فالمشهدُ إذن.. ذئب يفترس ذئباً، والغنم المسلمة السنية تتفرج وتُشجع هذا أو ذاك.. وكل منهما سيعود إليها إن جاع.

رابعاً: جذور التيه: لماذا وقع الناس في هذه الحيرة؟

وأما عن جذور ذلك التيه.. ولماذا وقع الناس فيه، فاعلم أنه لا يضل الناس هكذا اعتباطاً، فللضلال أسباب، وللتيه جذور، ومن لم يتبين الداء أخطأَ الدواء..

حين تفتتت الأمة إلى دُويلات تُحركها الأجندات، وجد الناس أنفسهم في صحراء بلا دليل.. فلجأ بعضهم إلى أن يملأ هذا الفراغ “بمقاومة” وجدها عند إيران، مُتناسياً أن الفراغ لا يُملأ بالحماس الخاطئ.

فخداع الشعار “المقاومة” و”محور الممانعة” و”فلسطين الجامعة”.. كلمات تسيل منها العاطفة قبل إعمال العقل.. وقد أتقن الخطاب الإيراني استثمار الجُرح الفلسطيني استثماراً إجرامياً، وقد أفصح خبرائهم الإستراتيجيون أنفسهم أن القدس طريقها كربلاء.. أي إن فلسطين ذريعة والمذهبية الغاية.

وحين يرى السني المظلوم الشيعة يُقتلون تنزع نفسه إلى الارتياح.. وهو شعور بشري مفهوم، لكن هذا الارتياح حين يتحول إلى تأييد لأمريكا وإسرائيل يكون قد عبر من حدود المشاعر الإنسانية إلى حدود الخيانة الدينية، لأن العدو يُشيد مجده على الحُفر التي يحفرها للجميع.

خامساً: فقه الموازنات: الحكم على الواقع بميزان الشرع

وهذا هو الجهل بفقه الموازنات.. أن يجهل كثير من أبناء الأمة ما قرره الفقهاء في باب الموالاة والمعاداة والسياسة الشرعية، فتراهم يحكمون بالعاطفة المجردة، ويُفتون بالحماس الخالص.. وهو ما يُوقع في أشد الأغلاط فتكاً.. وهو الحُكم على الواقع بغير ميزان الشرع.

الموقف من اقتتال الظالمين يتجلى فيما رُوي عن عمر رضي الله عنه أنه قال حين أُخبر بتقاتُل الفرس والروم.. “لو يُهلكُهما اللهُ جميعاً” وهذا يعكس أصلاً راسخاً.. أن المؤمن لا يجعل من صراع الطغاة فرصة انحياز.. وقد قال ابن تيمية قدس الله روحه.. “لا يُفرح بانتصار ظالم على ظالم، وإنما يُفرح بظهور الحق ونصرة أهله” وأهل الحق في هذا الصراع غائبون عن الميدان.

وانتصار أمريكا وإسرائيل لن يُعيد لأهل السنة حقاً مسلوباً.. بل سيعني ترسيخ الوجود الصهيوني بلا منافس يُخيفه ولو بالخطاب، وفتح الباب أمام التطبيع الذي يُريح الأنظمة ويُورث الأمة الذل الدائم.. وكذلك انتصار إيران لن يُرجع مظلمة وُلدت على أيدي ميليشياتها المجرمة، بل سيعني تمدداً مذهبياً أوسع، وشعوراً إيرانياً بأن الانتصار على أمريكا يُبيح له أن يمضي في مشروعه بلا كابح.

سادساً: المخرج الشرعي والعقلي: الحياد عن المعمعة

كلا المآلين شرٌ على أهل السنة.. وحين تكون المآلات كلها شراً فالعقل والشرع يقولان معاً.. الحذر الحذر، والحياد عن المعمعة حتى يأذن اللهُ بفرج من عنده.. ولا يُعد هنا الحياد عن الفتنة استسلاماً أو جبناً، وإنما هو أعلى درجات الفقه في هذا المقام.. أن يرفض أهل السنة أن يكونوا حطباً لحرب غيرهم، فلا مُشجع لأي طرف.

ونُعلن البراءة الدينية من الطرفين.. براءةً أصيلة من إسرائيل دولة الاحتلال المجرمة، ومن أمريكا راعيتها وشريكتها في الدم، ومن إيران دولة مبنية على الانحراف العقدي والعداء لأهل السنة.. الثلاثة في سلة واحدة، فالينصب جهدنا على البناء الداخلي لا على متابعة مسارح الحروب، فالبكاء على الأطلال ديدن المهزوم نفسياً، وإصلاح النفس والبيت والمجتمع هو العمل الذي يُجيب به العبد الصادق عن سؤال ربه يوم القيامة .

نحن الأمة الوسط، لا جمهوراً في ملعب الطغاة

نحن أهل السنة، أمة لها رسالة لم تنتهي، ومنهج لم يُدفن، وتاريخ من النهوض بعد السقوط لا يكذبُه كتاب الله.. لسنا شظية في حرب الأمم، ولسنا جمهوراً في ملعب الطغاة.. نحن الأمة الوسط التي وصفها الله بأنها شاهدة على الناس..

فكيف يكون الشاهد مُنحازاً؟!

وكيف يشهد العدل من يُصفق لظالم؟!

المصدر

صفحة أحمد عبد الرحمن إمام، على موقع ميتا.

اقرأ أيضا

فقه الاستضعاف والموقف من حماس في حربها مع اليهود

فقه الاستضعاف وأحوالنا المعاصرة

التعليقات معطلة