‏دراسة في ضوء كلام ابن تيمية والمقارنة بين كفر أهل الكتاب والرافضة .

المقدمة

‏الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

‏أما بعد:

‏فإن مسألة المقارنة بين كفر أهل الكتاب وكفر الرافضة من المسائل الدقيقة التي وقع فيها نوع اضطراب، عند ذكر المقاربة الشرعية في الحرب الأمريكية الصهيونية مع إيران، حيث يُستدل بكلام بعض الأئمة – وعلى رأسهم ابن تيمية – في غير موضعه، ويُنزَّل على وقائع سياسية وعسكرية لا يحتملها.

‏وقد ترتب على هذا الخلل انحراف في الفهم، تمثّل في تحويل قواعد عقدية إجمالية إلى مواقف سياسية عملية، يُبنى عليها الاصطفاف والانحياز في صراعات معقّدة.

‏ومن هنا تبرز الحاجة إلى تحرير هذه المسألة، والإجابة عن السؤال المركزي:

‏هل يُنصر “الأقرب إلى الإسلام” مطلقًا؟

‏التمهيد: تعريف المصطلحات

‏الكفر الأصلي: هو كفر من لم يدخل في الإسلام ابتداءً، كاليهود والنصارى.

‏البدعة: ما أُحدث في الدين مما ليس منه، وهي مراتب، منها ما يبلغ الكفر، ومنها ما دونه.

‏الرافضة: فرقة من الشيعة تقوم عقيدتها على الغلو في آل البيت، والطعن في الصحابة، ولها أصول عقدية متعددة.

‏أولًا: الأصل العام عند ابن تيمية

‏يقرر ابن تيمية قاعدة عامة، وهي:

‏أن المنتسب إلى الإسلام – ولو كان مبتدعًا – فهو في الجملة أقرب من الكافر الأصلي.

‏كما قال: “المسلمون – مع ما فيهم من البدع – خير من الكفار من اليهود والنصارى.”1(1) (مجموع الفتاوى 28/534)..

‏وقال: “كل من كان إلى الإسلام أقرب كان أولى من غيره.”2(2) (مجموع الفتاوى 4/349)..

‏وهذا تقرير إجمالي عقدي، يُراعى فيه أصل الانتساب لا تفصيل الحال.

‏ثانيًا: موقفه من الرافضة

‏مع هذا الأصل، شدّد ابن تيمية في نقد الرافضة، وبيّن غلظ بدعتهم وخطرهم،

‏وهذه أربعة عشر نقلاً من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية تبيِّن لكم موقفه من الرافضة :

١- قال شيخ الإسلام:

‏وأما الرافضة فأصل بدعتهم عن زندقة وإلحاد3(3) (المنهاج٦٨/١)..

‏ وقال رحمه الله: وأصل المذهب إنما ابتدعه زنادقة منافقون4(4) (المنهاج٣٠٣/٦)..

‏ ٢- قال شيخ الإسلام رحمه الله:

‏إنَّ النفاق كثيرٌ ظاهرٌ في الرافضة إخوان اليهود5(5) (منهاج السنة النبوية ٤٧٦/٧)..

‏ ٣- قال شيخ الإسلام رحمه الله:

‏ولاريب أنَّ الرافضة فيهم شبهٌ قويٌّ من اليهود فإنهم قوم بهت6(6) (منهاج السنة النبوية ٣٧١/٨)..

‏ ٤- والرافضة تحب التتار ودولتهم؛ لأنه يحصل لهم من العز مالايحصل بدولة الإسلام، والرافضة معاونون للمشركين ولليهود على قتال المسلمين7(7) (الفتاوى٥٢٧/٢٨)..

‏ ٥- والرافضة … لم يكفهم أنهم لا يقاتلون الكفار مع المسلمين حتى قاتلوا المسلمين مع الكفار، فكانوا أعظم مروقًا عن الدين8(8) (الفتاوى ٥٣٠/٢٨)..

‏ ٦- قال شيخ الإسلام رحمه الله:

‏والرافضة ليس لهم سعي إلا في هدم الإسلام، ونقض عراه، وإفساد قواعده(9).

‏ ٧- قال شيخ الإسلام:

‏ولهذا الرافضة يوالون أعداء الدين، الذين يعرف كل أحد معاداتهم من اليهود والنصارى والمشركين9(10) (منهاج السنة النبوية ٤١٤/٧)..

‏‏ ٨- قال شيخ الإسلام:

‏ولهذا كان الرافضة من أعظم الأسباب في دخول الترك الكفار – يقصد التتار المغول – على بلاد الإسلام10(11) ‏(منهاج السنة النبوية ٤١٤/٧)..

‏ ٩- والرافضة كانوا من أعظم الأسباب في استيلاء النصارى قديمًا على بيت المقدس، حتى استنقذه المسلمون منهم11(12) (منهاج السنة النبوية ٤١٤/٧)..

‏ ١٠- قال شيخ الإسلام رحمه الله:

‏لو تولى -والعياذ بالله- رافضيٌ يسب الخلفاء الراشدين والسابقين الأولين لقلبَ الإسلام12(13) (منهاج السنة النبوية ٢٣٩/٨)..

‏١١- قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى : الرافضة حمير اليهود، يركبون عليهم في كل فتنة13(14) منهاج السنة(/١٢٠-٢١)..

‏١٢- وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى : “الرافضة شر من الخوارج14(15) (منهاج السنة 1/284)..”

‏١٣- وقال رحمه الله تعالى : “ليس في أهل الأهواء أجهل ولا أكذب ولا أظلم منهم”15(16) (منهاج السنة 1/13)..

‏١٤-وقال رحمه الله تعالى : “يوالون أعداء المسلمين ويعادون أهل السنة16(17) (منهاج السنة 1/13)..”

‏وهكذا بيّن رحمه الله في مواطن كثيرة من كتبه أن فيهم من النفاق والزندقة ما هو معروف، فهم عنده:

‏- أصحاب بدعة مغلّظة

‏- وانحراف عقدي شديد

‏- وتأثير خطير في واقع المسلمين

‏ثالثًا: المقارنة بين أهل الكتاب والرافضة

‏هذه المقارنة عند ابن تيمية ليست على مستوى واحد، بل على ثلاثة مستويات:

‏١- من حيث الأصل العقدي

‏أهل الكتاب: كفار أصليون

‏الرافضة: منتسبون إلى الإسلام

‏فيُقال: المسلم المبتدع خير من الكافر الأصلي إجمالًا

‏٢- من حيث الانحراف

‏في الرافضة: الطعن في الصحابة

‏والغلو في الأئمة، وأقوال تبلغ الكفر عند بعضهم

‏٣- من حيث الواقع والضرر

‏وهنا بيت المسألة، حيث يقول ابن تيمية: “ضررهم على المسلمين أعظم من ضرر الكفار”، ‏“وهم شر على المسلمين من اليهود والنصارى”.

‏أي أن: الضرر الواقعي قد يجعلهم أخطر من غيرهم، رغم كونهم أقرب في الأصل

‏رابعًا: الجمع بين كلام ابن تيمية

‏ليس ثمّةَ تعارض في كلامه، بل هو مبني على التفريق بين:

‏- الحكم الإجمالي (الأقرب إلى الإسلام)

‏- الحكم التفصيلي (حقيقة الانحراف)

‏- الحكم الواقعي (مقدار الضرر)

‏والقاعدة الجامعة: قد يكون الطرف أقرب في الأصل، لكنه أشد خطرًا في الواقع

‏خامسًا: فقه الأولويات وتقديم الأخطر، في مسائل الجهاد والقتال .

‏يؤكد هذا المعنى ما قرره الشيخ سفر الحوالي – حفظه الله في سياق بيانه لترتيب أولويات القتال:

‏«المسلمون إذا أرادوا أن يجاهدوا في سبيل الله، وكان لهم أعداء، وكان الأعداء نوعين:

‏النوع الأول: مرتدون – كأهل بني حنيفة الذين كانوا مع مسيلمة ومن معه –‏والنوع الآخر: كفارٌ صُرْحاء مثل الروم أو الفرس.

‏فأيهما يُقدَّم على الآخر؟

‏لا ينبغي أن يوجد خلاف في أن أهم وأوجب القتال هو قتال المرتدين قبل قتال العدو الخارجي.

‏فلو وجد عندنا قومٌ تجمعوا على بدعة من البدع، وكانت لهم شوكة ومنعة، وفارقوا بها جماعة المسلمين، فَأيهما أولى: قتالهم أم قتال الروم والفرس؟

‏قتالهم أولى، والدليل أن الصحابة – رضي الله عنهم – قاتلوا الخوارج وأجمعوا على قتالهم؛ لأنهم تجمعوا على بدعةٍ فارقوا بها جماعة المسلمين.

‏أرأيتم لو أننا فتحنا أرض فارس كلها، وتركنا الخوارج فدخلوا وأفسدوا دين الإسلام الذي في فارس وفي جزيرة العرب، ماذا نستفيد لو كان المسلمون على دين الخوارج؟ لم نستفد شيئًا، بل ضاعت بيضة الدين وحوزته.

‏فكون الروم أو الفرس يقاتلون هذا مكسب؛ فلا نضيع بيضة الدين ونضيع رأس المال من أجل المكسب.

‏فأول ما يجب أن يبدأ به في القتال هو قتال أهل البدع المارقين الذين لهم شوكة ومنعة، يخرجون بها على صفوف المسلمين، وأعظم من ذلك قتال المرتدين ردة صريحة كاملة – كبني حنيفة وأمثالهم –

‏ولو طبقنا هذا على واقع الأمة الإسلامية نجد أن الباطنيين والملاحدة – جميعًا في أي بلد وجدوا – هم أولى بالقتال من العدو الخارجي الذي هو شرقي أو غربي، فهم أولى الناس به.»

‏(القتال في سبيل الله: ترتيب الأولويات – مقاربات شرعية وعقدية)

‏وهذا مما يؤكد أن تقديم الأخطر على الأقرب أصل معتبر في فقه الواقع.

‏سادسًا: الخطأ المعاصر في الفهم والتنزيل

‏وقع كثير من الفضلاء في عدة أخطاء، أبرزها:

‏١- تحويل القاعدة العقدية إلى موقف سياسي، فيقال: “هو أقرب إلى الإسلام، إذًا نؤيده” ‏وهذا خطأ، لأنَّ السياسة تُبنى على المصالح والعدل، لا على التصنيف المجرد.

‏٢ – الانتقاء من كلام العلماء: ‏يُؤخذ قوله: “المسلم خير من الكافر” ‏ويُترك قوله: “ضررهم أعظم.”

‏٣- التعميم غير المنضبط في الحكم على: جميع الأفراد وكل الساحات بحكم واحد، دون اعتبار اختلاف الواقع .

‏سابعًا: الجواب عن السؤال المركزي

‏هل يُنصر “الأقرب إلى الإسلام” مطلقًا؟

‏الجواب: لا.

‏فهذه القاعدة ليست قاعدة حرب ولا سياسة، بل تقرير عقدي عام.

‏أما في الواقع، فالسؤال الصحيح هو:

‏من هو الأخطر على المسلمين؟

‏فإن كان “الأقرب”: أشد بطشًا ‏وأعظم إفسادًا، وأخطر على دين الناس ‏فلا يُعقل شرعًا ولا عقلًا أن يُنصر لمجرد انتسابه.

‏بل القاعدة المحكمة: “يُدفع الأشد ضررًا، ويُقدَّم درء المفسدة الكبرى” ‏ويتأكد هذا المعنى بالنظر في بعض الفتاوى المعاصرة التي بُنيت على اعتبار المفسدة والضرر الواقعي لا مجرد الانتساب.

‏فقد أفتى مفتي ليبيا الشيخ الصادق الغرياني حفظه الله في سياق أحداث ليبيا بجواز قتال الثوار نظام القذافي وكتائبه، ولو ترتب على ذلك الاستعانة بحلف الناتو، مع أن: نظام القذافي من حيث الانتساب: أقرب إلى المسلمين.

‏لكن من حيث الواقع: كان يُنظر إليه باعتباره الأشد ضررًا في تلك المرحلة .

‏سواء اتُّفق مع هذا الاجتهاد أو خولف، فإن محل الشاهد منه هو: أن الفتوى لم تُبنَ على مجرد “الأقربية إلى الإسلام”، بل على تقدير الضرر والمفسدة في الواقع.

‏وهذا يؤكد أن:

‏معيار “الأقرب” ليس حاكمًا وحده، بل قد يُترك إذا عارضه ضرر أعظم.

‏فإذا كان أهل العلم عموماً قد اعتبروا في اجتهاداتهم دفع الأشد ضررًا ولو كان الطرف الآخر أقرب في الانتساب، ‏فكيف يُقال بعد ذلك:

‏يجب نصرة أي طرفٍ لمجرد انتسابه إلى الإسلام؟

‏والمقصود أنَّ هذا يدل بوضوح على أن القاعدة الشرعية في باب الصراعات ليست “الأقرب يُنصر”، بل: الأخطر يُدفع، والحق يُتَّبع، والعدل يُراعى.

‏ثامنًا: ضبط المسألة في واقع الصراعات

‏قضايا الحروب ليست لها قاعدة واحدة جامدة، بل هي من أعقد أبواب الاجتهاد، وتُبنى على:

  • ‏تقدير المصالح والمفاسد
  • ‏اختلاف الساحات
  • ‏تغير موازين القوى

‏ولهذا، لا يصح تعميم حكم واحد على جميع الوقائع.

‏تاسعًا: قاعدة عدم القتال تحت الرايات العِمِّيَّة

‏من الأصول الشرعية التي لا ينبغي أن تُغفل في هذا الباب، ما جاء في النهي عن القتال تحت الرايات العِمِّيَّة، وهي الرايات التي تقوم على العصبية، أو الجهالة، أو نصرة طرفٍ دون اعتبارٍ للحق والعدل.

‏فقد ثبت في الحديث أن النبي ﷺ قال: «مَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ، يَغْضَبُ لِعَصَبِيَّةٍ، أَوْ يَدْعُو إِلَى عَصَبِيَّةٍ، أَوْ يَنْصُرُ عَصَبِيَّةً، فَقُتِلَ فَقِتْلَتُهُ جَاهِلِيَّةٌ»17(18) رواه مسلم (1848) والنسائي وأحمد..

‏ولهذا:

‏لم يقل أحد من أهل العلم المعتبرين: إن مجرد الانتساب إلى الإسلام يكفي لتصحيح الراية أو وجوب القتال تحتها ‏بل المقرر عندهم:

  • ‏اعتبار الحق والعدل
  • ‏والنظر في المقاصد والنتائج
  • ‏وعدم الاندفاع خلف الشعارات .

‏وعند تنزيل هذه القاعدة على الواقع المعاصر، نجد أن الدولة الإيرانية الخمينية تتبنى:

‏- المذهب الرافضي الإثني عشري

‏- ومشروعًا توسعيًا معروفًا

‏- عداءً لأهل السنة والمصالح الإسلامية

‏فمن باب أولى أن تُصنَّف رايتها ضمن معنى الراية العِمِّيَّة التي نهى النبي ﷺ عن القتال تحتها.

‏إذن ليس كل من رفع شعار الإسلام رايته شرعية، وليس كل من انتسب للإسلام يُقاتل معه وبهذا يتبين أن:

‏قاعدة “الأقرب إلى الإسلام” إذا فُهمت بمعزل عن ضوابط الشرع، قد تُفضي إلى الوقوع في القتال تحت راياتٍ عِمِّيَّة ‏وهو ما نهى عنه النبي ﷺ صراحة.

خلاصة القول: أنّ:

‏- “الأقرب إلى الإسلام” ليست قاعدة سياسية مطلقة

‏- العبرة في الصراعات بميزان الضرر والمصلحة

‏- لا يُنصر الظالم بحجة الانتماء، ولا يُغضّ الطرف عن الإفساد بدعوى القرب

‏وكل ساحة لها تقديرها الخاص.

‏هذا والله من وراء القصد، وهو الهادي إلى سواء السبيل .

الهوامش

(1) (مجموع الفتاوى 28/534).

(2) (مجموع الفتاوى 4/349).

(3) (المنهاج٦٨/١).

(4) (المنهاج٣٠٣/٦).

(5) (منهاج السنة النبوية ٤٧٦/٧).

(6) (منهاج السنة النبوية ٣٧١/٨).

(7) (الفتاوى٥٢٧/٢٨).

(8) (الفتاوى ٥٣٠/٢٨).

(9) (منهاج السنة النبوية ٤١٥/٧).

(10) (منهاج السنة النبوية ٤١٤/٧).

(11) ‏(منهاج السنة النبوية ٤١٤/٧).

(12) (منهاج السنة النبوية ٤١٤/٧).

(13) (منهاج السنة النبوية ٢٣٩/٨).

(14) منهاج السنة(/١٢٠-٢١).

(15) (منهاج السنة 1/284).

(16) (منهاج السنة 1/13).

(17) (منهاج السنة 1/13).

(18) رواه مسلم (1848) والنسائي وأحمد.

المصدر

رابطة علماء المسلمين، ‏د. محمد عبد الكريم الشيخ.

اقرأ أيضا

إلى فضيلة الشيخ صادق الغرياني حفظه الله ورعاه

الحشاشون الجدد ودعاة الفتنة!

الهروب من الخطر الإيراني إلى أحضان الصهاينة

التعليقات معطلة