هل تعلم أنك أقررت لله بالربوبية قبل أن تخرج إلى هذه الدنيا؟
الحمد لله الذي أخذ على عباده الميثاق، وأشهدهم على أنفسهم بأنه ربهم وإلههم الحق، وجعل ذلك الفطرة التي فطر الناس عليها، وجعل العقل دليلاً ناطقاً بصحتها.
فقد قال الله تعالى في محكم كتابه: ﴿وَإِذۡ أَخَذَ رَبُّكَ مِنۢ بَنِیۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمۡ ذُرِّیَّتَهُمۡ وَأَشۡهَدَهُمۡ عَلَىٰۤ أَنفُسِهِمۡ أَلَسۡتُ بِرَبِّكُمۡۖ قَالُوا۟ بَلَىٰ شَهِدۡنَاۤۚ أَن تَقُولُوا۟ یَوۡمَ ٱلۡقِیَـٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنۡ هَـٰذَا غَـٰفِلِینَ ١٧٢ أَوۡ تَقُولُوۤا۟ إِنَّمَاۤ أَشۡرَكَ ءَابَاۤؤُنَا مِن قَبۡلُ وَكُنَّا ذُرِّیَّةࣰ مِّنۢ بَعۡدِهِمۡۖ أَفَتُهۡلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلۡمُبۡطِلُونَ ١٧٣ وَكَذَ ٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡـَٔایَـٰتِ وَلَعَلَّهُمۡ یَرۡجِعُونَ﴾ [الأعراف: 172-174].
هذه الآية – التي تُعرف بـ”آية الميثاق” – هي أصل عظيم من أصول الدين، وقاعدة كبرى من قواعد التوحيد. يُخبر المولى جل في علاه فيها عن استخراجه ولد آدم من صلبه ومن أصلاب آبائهم، وإقرارهم له بتوحيد الألوهية، والإشهاد على أنفسهم بذلك، وأن هذا الميثاق ثابت في صميم فطرتهم، راسخ في أصل تكوينهم، لا يزول ولا يندرس إلا بطارئ عارض يُفسد تلك الفطرة، تماماً كمرض يعتري البدن السليم فيُخرجَه عن حالته الطبيعية.
أولاً: أثر الميثاق في النفوس وحقيقتها
لقد جعل الله – وهو الحكيم الخبير – أثر هذا الميثاق ومقتضاه من لوازم النفوس وحقائقها التي لا انفكاك لها عنها ألبتة، ما دامت باقية على استقامة خلقتها. وهذا يعني أن الإقرار بالربوبية والألوهية ليس مجرد معرفة نظرية يُمكن أن تُنسى، بل هو حقائق ثابتة في أعماق الوجود الإنساني.
ويوضح شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله هذه المسألة بعبارة محكمة، فيقول: “فالعلم الإلهي فطري ضروري، وهو أشد رسوخاً في النفس من مبدأ العلم الرياضي كقولنا: إن الواحد نصف الاثنين، ومبدأ العلم الطبيعي كقولنا: إن الجسم لا يكون في مكانين؛ لأن هذه المعارف أسماء قد تُعرض عنها أكثر الفطر، وأما العلم الإلهي فما يتصور أن تعرض عنه فطرة”1(1) مجموع الفتاوى لابن تيمية (٢/ ١٥: ١٦) بتصرف بسيط..
إنها مقارنة دقيقة: فبديهيات الرياضيات كالنصف والضعف، وبديهيات الطبيعيات كاستحالة وجود الجسم في مكانين معاً، يمكن لبعض النفوس أن تعرض عنها – إما بجنون، أو بسفسطة، أو بتمرين على التناقض – أما العلم بالله وربوبيته وألوهيته ووجوب عبادته، فهو أعمق وأرسخ، فلا يمكن لفطرة سليمة أن تتنكر له، كما لا يمكن للعين السليمة أن تنكر وجود الشمس في كبد السماء.
ولهذا كان علم التوحيد هو الحقيقة البديهية التي انبثقت منها كافة العلوم، وسائر القواعد والأصول، وعامة المعارف والأدلة. فكل علم صحيح، وكل معرفة نافعة، إنما تنبثق في النهاية من هذا الأصل، أو تحتاج إليه كأساس لا غنى عنه.
ومن ثم أصبح الشك في هذا العلم الشريف – فضلاً عن جحده وإنكاره – تشككاً في أصل ذات الإنسان، وعلة وجوده وتكريمه وتشريفه على سائر المخلوقات، بل – والذي نفسي بيده – إنه ليؤول إلى التشكك في سائر حقائق الوجود بأسرها. فإذا تشكك الإنسان في وجود خالقه، فسيشكك حتماً في كل شيء: في نفسه، وفي العالم، وفي الحق والباطل، وفي الخير والشر، ولن يبقى له يقين يستند إليه.
ثانياً: علة الميثاق والحجتان الباطلتان للمشركين
لماذا أخذ الله هذا الميثاق؟ ولماذا أشهدهم على أنفسهم بهذا الإقرار؟
لقد نصت الآية نفسها على الإجابة: ﴿أَن تَقُولُوا۟ یَوۡمَ ٱلۡقِیَـٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنۡ هَـٰذَا غَـٰفِلِینَ ١٧٢ أَوۡ تَقُولُوۤا۟ إِنَّمَاۤ أَشۡرَكَ ءَابَاۤؤُنَا مِن قَبۡلُ وَكُنَّا ذُرِّیَّةࣰ مِّنۢ بَعۡدِهِمۡۖ أَفَتُهۡلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلۡمُبۡطِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٢-١٧٣].
إذن، هناك حجتان كانتا ستُستعملان من قبل المشركين لو لم يُؤخذ عليهم هذا الميثاق مع وجود أثره في فطرهم:
الحجة الأولى: الجهل والغفلة
وهي حجة الزعماء والرؤساء والملأ، أولئك الذين سَنُّوا للمجتمعات معتقدات باطلة، ووضعوا نظماً ودساتير من عند أنفسهم، ونسبوها إلى الله افتراءً. قال تعالى في حقهم: ﴿وَٱنطَلَقَ ٱلۡمَلَأُ مِنۡهُمۡ أَنِ ٱمۡشُوا۟ وَٱصۡبِرُوا۟ عَلَىٰۤ ءَالِهَتِكُمۡۖ إِنَّ هَـٰذَا لَشَیۡءࣱ یُرَادُ ٦ مَا سَمِعۡنَا بِهَـٰذَا فِی ٱلۡمِلَّةِ ٱلۡـَٔاخِرَةِ إِنۡ هَـٰذَاۤ إِلَّا ٱخۡتِلَـٰقٌ﴾ [ص: 6-7].
الحجة الثانية: التقليد والاتباع الأعمى
وهي حجة الأتباع فاقدي البصائر، الذين يتبعون آباءهم بلا سؤال ولا تمحيص، ويقولون بكل وقاحة: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: 23].
فالميثاق إذن قد قطع هذه الحجج جميعاً، وجعل المشركين بلا عذر، لأن في داخل كل واحد منهم – مهما غفل أو قلد – أصل المعرفة بالله، وبطلان الشرك، وهو الميثاق الفطري الذي لا ينفك عنهم.
ثالثاً: الميثاق والفطرة والعقل… حجج مستقلة
بناء على ما سبق، يُمكن الجزم بأن: الميثاق، والفطرة، والعقل، هي حجج مستقلة في دفع وبطلان حجتين المشركين على اختلاف نحلهم وعقائدهم.
فالقول بإثبات الصانع: علم فطري ضروري لا تنفك عنه أي نفس. وهذا العلم الفطري يبين بطلان الشرك في التأله. ومن المعلوم أن مقتضى الطبيعة العادية أن يحتذي الابن حذو أبيه في كل شيء، إذ كان الأب هو الذي أنشأه ورباه، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: “ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه”. فإذا احتج المشركون بالعادة الطبيعية في اتباع الآباء، ولم يكن في فطرتهم وعقولهم ما يناقض ذلك، لكان لهم عذر. لكن لما كان في فطرتهم العلم الضروري بوحدانية الله، قامت عليهم الحجة، وكانت الفطرة أقوى من عادة التقليد.
وهذا يقتضي أن العقل الذي به يعرفون التوحيد هو حجة في بطلان الشرك، ولا يحتاج ذلك إلى بلوغ الرسالة وإقامة الحجة النبوية. فإن الله جعل الميثاق والفطرة حجة عليهم بدونها.
رابعاً: حجتان لله على عباده… لا تعذيب إلا بهما
وبناءً على التفصيل السابق، تكون لله على عباده حجتان قد أعدهما عليهم، لا يعذبهم إلا بعد قيامهما معاً:
الحجة الأولى: الميثاق والفطرة
إن الميثاق والفطرة قد فطرهم الله وجبلهم عليه، وصبغ عقله بصحته، من أن الله وحده هو ربه ومعبوده، وحقه عليهم لازم.
الحجة الثانية: إرسال الرسل
فقد أرسل الرسل. لتذكير العباد بذلك، وتفصيله، وتقريره، وإقامة الحجة الظاهرة بالمعجزات والبيّنات.
فمن شهد عليه الميثاق، ثم قامت عليه رسالة نبي، تقوم عليه شاهدا الفطرة والشرعة، ويقر على نفسه بأنه كان من الكافرين إن كفر. قال تعالى: ﴿وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ [الأنعام: 130].
وهذا هو فصل الخطاب في هذه المسألة التي كثر فيها اللغط والمنازعات: الميثاق حجة مستقلة في بطلان الشرك، وليس حجة مستقلة في استحقاق العذاب، والعذاب لا يقع إلا بعد قيام الحجة الرسالية، وإن كان المشرك قد استحق الذم والعقاب بمجرد نقضه للميثاق في الدنيا.
فالله تعالى لكمال رحمته وسمو إحسانه قضى أن لا يعذب أحداً إلا بعد قيام الحجة الرسالية، وإن كان العبد بنقضه للميثاق قد قام به ما يستوجب الذم والعقاب لولا رحمة الله التي وسعت كل شيء.
خامساً: ثلاثة مواثيق وبيان التكامل بينها
لقد آل أمر الجدل في هذه الآية إلى مذهبين رئيسيين عند العلماء:
المذهب الأول
(وهو مذهب جمهور المفسرين وعامة أهل الأثر): أن الله أخرج ذرية آدم من صلبه وأصلاب أولاده وهم صور كالذر، وركب فيهم عقولاً، وأخذ عليهم الميثاق بأنه ربهم المعبود، فأقروا بذلك، ثم أخرجهم إلى الدنيا بفطرة مجبولة على مقتضى ذلك الميثاق. وهو الحق الذي لا ينبغي العدول عنه لمجيء الآثار الصحيحة عن الصحابة مرفوعة وموقوفة.
المذهب الثاني
أن المراد بهذا الإشهاد هو ما ركبه الله في فطر بني آدم من العقول، وما نصب لهم من دلائل الكون وغرائب صنعه، مما يضطرهم إلى العلم بخالق الكون ووجوب عبادته.
ويعلق الشيخ حافظ الحكمي رحمه الله على هذين التفسيرين قائلاً: “ليس بين التفسيرين منافاة ولا مضادة ولا معارضة، فإن هذه المواثيق كلها ثابتة بالكتاب والسنة”. ثم يذكر ثلاثة مواثيق متكاملة:
الميثاق الأول: الذي أخذه الله حين أخرجهم من ظهر آدم وأشهدهم على أنفسهم (ألست بربكم؟ قالوا بلى)، وهو نص الأحاديث الصحيحة في الصحيحين.
الميثاق الثاني: ميثاق الفطرة، وهو أن الله فطرهم شاهدين بما أخذه عليهم في الميثاق الأول، كما في قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: 30]، وهو الثابت في أحاديث أبي هريرة وعياض بن حمار والأسود بن سريع رضي الله عنهم.
الميثاق الثالث: ما جاءت به الرسل وأنزل به الكتب، تجديداً للميثاق الأول وتذكيراً به، ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: 165].
فمن أدرك هذا الميثاق الثالث وهو باق على فطرته قبل ما جاءت به الرسل، فإنه يقبله من أول مرة لأنه موافق لما في فطرته، فيزداد يقيناً. ومن أدركه وقد تغيرت فطرته عما جبل عليها، فهذا إن تداركه الله برحمته رجع إلى فطرته وصدق بالرسل، وإن كذب بهذا الميثاق كان مكذباً بالأول، فلم ينفعه إقراره به يوم أخذه الله عليه حيث قال: (بَلَى) جوابا: لقوله تعالى (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ) وقامت عليه حجة الله، وغلبت عليه الشقوة، وحق عليه العذاب، ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء”2(2) معارج القبول (١/ ٩٢: ٩٣). أ. هـ.
سادساً: تنبيهات وتحريرات علمية حول المسألة
هناك تنبيهات وتحريرات علميةتؤكد أن الفطرة والعقل والميثاق حجج واضحة على التوحيد وبطلان الشرك، والرسالة جاءت مؤكدة لا مؤسسة.
التنبيه الأول: هل الميثاق في الربوبية فقط أم في الألوهية أيضاً؟
بعض أهل العلم ينص على أن الميثاق كان في الربوبية فقط، ولا يذكر مقام الألوهية، وذلك لأن الربوبية تستلزم الألوهية وهي حجتها وبرهانها. فالله سبحانه يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ [البقرة: 21]، فهذه الآية تستدعي الألوهية من خلال الاستدلال بالربوبية. وكذلك يقول: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الفرقان: 3].
والإمام القرطبي رحمه الله يذكر في تفسير آية الميثاق أنها في الربوبية، وفي تفسير آية الفطرة ينص على أنها في الربوبية والألوهية معاً. وهذا ليس تناقضاً، بل تفنن في العبارة بحسب السياق، لأن الربوبية والألوهية يجتمعان عند الإفراد ويفترقان عند الاقتران، كما قال تعالى: ﴿قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ ١ مَلِكِ ٱلنَّاسِ ٢ إِلَـٰهِ ٱلنَّاسِ﴾ [الناس: 1-3]. وعند الإفراد كما في قول الملكين: “من ربك؟” فإن المعنى من إلهك.
التنبيه الثاني: هل الميثاق حجة مستقلة؟
يذكر كثير من العلماء عند التحدث في هذه الآية: حجية الرسالة، وما ترتب عليها، ثم يتبعون ذلك بانقطاع الحجة وحلول النقمة. وعليه ظن بعضهم أن الميثاق لا يستقل بحجة في بطلان الشرك.
وهذا الظن خاطئ، ويلزم منه فساد كبير: وهو أن كل من مات مشركاً قبل نزول الحجة الرسالية لم تقم عليه حجة، وكذلك من لم تبلغه الدعوة أصلاً! وهذا ما يخالف إجماع العلماء القطعي على أن من مات على الشرك ولم تأته رسالة فهو مشرك، وإن اختلفوا في تعذيبه.
والحق الذي لا ينبغي العدول عنه: أن الميثاق حجة مستقلة في بطلان الشرك، وليس حجة مستقلة في استحقاق العذاب. والأخير هو الراجح من أقوال أهل العلم، وهو الذي تقتضيه القواعد الكلية والنصوص الشرعية.
التنبيه الثالث: إجماع العلماء على حجة مستقلة غير الرسالة
لقد اتفق العلماء – بلا خلاف بينهم – على ثبوت حجة مستقلة عن الرسالة توجب وصف الشرك وحكمه لمن عبد غير الله تعالى. فمنهم من سماها: الميثاق، ومنهم من سماها: الفطرة، ومنهم من سماها: العقل، ومنهم من قال بجميعها، وهو الحق الذي لا ينبغي العدول عنه.
ودليل هذا الإجماع: أنهم يطلقون وصف “كافر” و”مشرك” على من مات على عبادة الأوثان ولو لم تأته رسالة. قال الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: “بل أهل الفترة الذين لم تبلغهم الرسالة والقرآن وماتوا على الجاهلية لا يسمون مسلمين بالإجماع، ولا يستغفر لهم، وإنما اختلف أهل العلم في تعذيبهم”3(3) حكم تكفير المعين – الرسالة السادسة من كتاب: عقيدة الموحدين والرد على الضلال المبتدعين/ ١٥١..
وقال الإمام الشنقيطي: “اعلم أولاً أن من لم يأته نذير في دار الدنيا وكان كافراً حتى مات، اختلف العلماء فيه: هل هو من أهل النار لكفره، أو هو معذور لأنه لم يأته نذير”4(4) دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب/ ١٨٠..
فثبوت وصف الكفر والشرك مع اختلافهم في التعذيب دليل قاطع على وجود حجة مستقلة غير الرسالة، وإلا لكان القول بتعذيبهم من غير حجة ظلماً، والله منزه عن الظلم.
خاتمة: الشرك طارئ على الفطرة والعودة إلى الميثاق
قوله تعالى في ختام الآيات: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: 174]. قيل: يرجعون إلى الحق ويتركون ما هم عليه من الباطل، وقيل: يرجعون إلى الميثاق الأول فيذكرونه ويعملون بمقتضاه.
وهذه العودة دلت على أن مرض الشرك محدث وطارئ على الفطرة، وليس هو المحل الأصلي للإنسان. فمحل العبد وقراره الأصلي هو تجريد العبودية لفاطره ومالكه. فالشرك كالغربة عن الوطن الأصلي، وكالمرض العارض على البدن السليم. فأولى وأحرى بكل إنسان أن يحل في محله، ويقطع غربته، ويعود إلى قراره الذي فطر عليه: عبادة الله وحده لا شريك له.
والله نسأل أن يثبتنا على الفطرة، وأن يجعلنا من الراجعين إلى ميثاقه، العاملين بمقتضاه، إنه سميع قريب مجيب، والحمد لله رب العالمين.
الهوامش
(1) مجموع الفتاوى لابن تيمية (٢/ ١٥: ١٦) بتصرف بسيط.
(2) معارج القبول (١/ ٩٢: ٩٣).
(3) حكم تكفير المعين – الرسالة السادسة من كتاب: عقيدة الموحدين والرد على الضلال المبتدعين/ ١٥١.
(4) دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب/ ١٨٠.
المصدر
كتاب: “آثار حجج التوحيد في مؤاخذة العبيد”، للشيخ مدحت آل فراج، ص13-25 بتصرف.


