إننا نتساءل بكل صراحة: هل أصبحت الرواتب الضخمة، والخشية من السلطات، والحرص على الشهرة والأمان النسبي، أغلى من أمانة العلم؟!!
إن “عالم السلطان” و”عالم الجمهور” كلاهما شريك في خيانة دين الله إذا صمت في وقت البيان.
بيان استنكاري ونداء براءة أمام الله عز وجل
الحمد لله الذي أمر بالبيان ونبذ الكتمان، والقائل في كتابه: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ}، والصلاة والسلام على من جهر بالحق ولم يداهن في دين الله قط.
بعد نداءاتنا المتكررة لعلماء الأمة ومجامعها حول أخطر موجة إلحاد وتفكيك عقدي في تاريخنا المعاصر، وما لمسناه من “صمت مطبق” أو “تمييع بارد”، كان لزاماً علينا أن نوجه هذا السؤال الصادم والمؤلم: هل جنح علماء الأمة إلى “فكر الإرجاء” فراراً من ضغوط الواقع؟!
وإننا إذ نضع الأمة في صورة الخطر، نؤكد على الحقائق التالية:
- المتاهة بين التكفير والإرجاء
إننا نفرق تماماً بين “المنهج التكفيري” المغالي الذي يستبيح الدماء والأعراض، وبين “الفكر الإرجائي” المميّع الذي يُخرج العمل من مسمى الإيمان ويجعل الإسلام “مظلة مثقوبة” تستوعب الملحد والمنافق والمنكر للمعلوم من الدين بالضرورة، إن التساهل في مواجهة الكفر البواح لا يقل خطراً عن الغلو في التكفير؛ فكلاهما هدمٌ للدين.
- عقدة الخوف من “وصمة التكفير“
لقد وقع الكثير من العلماء في “فخ الرهاب الإعلامي”؛ فخوفاً من اتهامهم بـ”الدعشنة” أو التشدد، جنحوا إلى أقصى اليسار، فآثروا الصمت وتدثروا بعباءة الإرجاء، تاركين الساحة لـ “تجار الدين الجدد” يعبثون بالعقيدة بلا رادع شرعي واضح.
- حاجة الشباب لـ “الفتوى الفاصلة“
إن أجيالنا الصاعدة تعيش في تيه فكري؛ وهي لا تحتاج إلى عبارات مطاطة أو وعظ إنشائي، بل تحتاج إلى “فتوى شرعية رصينة” تضع المصطلحات في نصابها، لابد من تسمية المرتد “مرتداً”، والملحد “ملحداً”، والكافر “كافرًا”؛ والمنافق “منافقًا” فبيان الأحكام هو جوهر وظيفة العلماء.
- تصدّر المفسدين وتلاعب الميديا
إن غياب “الصوت الفقهي الحازم” هو الذي جعل الملحدين والمرتدين يتصدرون الشاشات ومنصات التواصل، يطرحون “نفاقهم” كقراءة معاصرة للقرآن، ويتلاعبون بعقائد الملايين وهم في أمن من “البيان الشرعي” الذي يكشف عوارهم.
- خطر “الدين الشحروري” المنظم
نحذر من أن ما يسمى بـ “الفكر الشحروري” لم يعد مجرد آراء شاذة، بل تحول إلى “تنظيم إلحادي باطني” عابر للحدود، له ميزانيات ضخمة، وخطط استراتيجية، ودول داعمة، يهدف إلى تفجير الإسلام من داخله عبر تحريف القرآن وتحييد السنة تماماً.
- الصمت كأداة تدمير
إن سكوت العلماء عن هذه الضلالات، أو الاكتفاء بالردود “الدبلوماسية” الخجولة، هو في الحقيقة تمهيد للطريق نحو تدمير الوعي الجمعي للأمة، وشرعنة الانسلاخ من الدين تحت مسميات “الإنسانوية” و”التنوير”.
- فقه “الرواتب والأمان” مقابل “الأمانة“
إننا نتساءل بكل صراحة: هل أصبحت الرواتب الضخمة، والخشية من السلطات، والحرص على الشهرة والأمان النسبي، أغلى من أمانة العلم؟!!
إن “عالم السلطان” و”عالم الجمهور” كلاهما شريك في خيانة دين الله إذا صمت في وقت البيان.
كلمة الختام والبراءة
أرجو من أسيادنا العلماء المعالجة الشرعية لقضية الأسماء والمسميات، وعدم استخدام مصطلح “الزنديق” واستبداله بـ “المنافق”، وتوضيح أن “العلماني” هو “المنافق”، وإصدار بيانات لا تحتاج إلى تأويل وتوضح “ارتداد” هذه الفئة الضالة “الديانة الشحرورية”، ومن انتهج منهجهم.
اللهم إنا نبرأ إليك من سكوت علمائنا، وشيوخ علوم الشريعة، ونبرأ إليك من هذا الإرجاء الجديد الذي ضيع معالم التوحيد.
اللهم إنّا قد حذرنا، وناشدنا، وبلغنا .. اللهم فاشهد.
المصدر
صفحة د. محمود لملوم، على منصة ميتا.
اقرأ أيضا
إلى علماء الأمة ودعاتها .. اتقوا اللَّهَ وكونوا مع الصّادقين

