في السياسة، كما في الحرب، ليست المشكلة في الاستعداد للتضحية، بل في توقيتها وشروطها. ومن يُطلب منه أن يحمل العبء الأكبر، من حقه أن يعرف: هل يُقاتل بوصفه شريكاً، أم مجرد قوة تُستدعى ثم تُترك بعد انقضاء الحاجة؟.

بين الشراكة المؤقتة والاستنزاف السياسي: قراءة هادئة في موقع الإصلاح من معادلة اليمن

في سياق الصراع اليمني المعقد، لم تكن علاقة القوى الإقليمية بالفاعلين المحليين قائمة على منطق ثابت أو رؤية استراتيجية واضحة. فقد تعاملت هذه القوى مع بعض الأطراف باعتبارها تهديدات يجب تحييدها، ومع أخرى كأدوات مرحلية يمكن توظيفها. وجدت حركة الإصلاح نفسها في المنطقة الرمادية بين هذين النموذجين: فهي ليست شريكاً كاملاً في مشروع سياسي واضح، ولا خصماً صريحاً يُستبعد نهائياً.

مقاربتان مختلفتان… ونتيجة واحدة

اتخذ التعامل الإقليمي مع الإصلاح مسارين متناقضين ظاهرياً:

– مسار صدامي مباشر في بعض الساحات، وصل حد الاستهداف والإقصاء.

– مسار توظيفي ظرفي في ساحات أخرى، يقوم على الاستفادة من القدرات التنظيمية والبشرية للحركة دون دمجها في رؤية سياسية طويلة المدى.

ورغم اختلاف الأدوات بين المسارين، فإن النتيجة واحدة: غياب الشراكة الحقيقية، وحضور منطق الاستخدام المؤقت.

اليمن خارج معادلة التكامل الإقليمي

لا يمكن فهم مأساة اليمن بمعزل عن السياق الإقليمي الأوسع. فالبلد، رغم عمقه الحضاري وثقله البشري، ظل خارج أي مشروع تكامل حقيقي مع محيطه الخليجي، وعومل في كثير من الأحيان كملف أمني لا كدولة قابلة للاندماج. هذا الإقصاء البنيوي:

  • حدَّ من فرص التنمية المستدامة.
  • عمَّق هشاشة الدولة ومؤسساتها.
  • جعل الساحة اليمنية أكثر قابلية للاختراق والصراع بالوكالة.

ولو أُدير الملف اليمني بعقلية الشراكة الإقليمية بدلاً من منطق الاحتواء الأمني، لكانت كلفة الأزمات أقل على الجميع.

سؤال العدالة في توزيع الأدوار

يطرح السياق اليمني سؤالاً جوهرياً: هل من المنطقي أن تتحمل جهة سياسية بعينها العبء الأكبر من الحرب، وإعادة التماسك الاجتماعي، ومواجهة الخصوم، ثم تُستبعد أو تُجرَّم عند الانتقال إلى مرحلة التسويات السياسية؟

تجارب التاريخ تؤكد أن بناء الدول لا ينجح إذا كان قائماً على استنزاف طرف واحد، ولا تستقيم الشراكة حين تُطلب التضحيات الجسيمة دون مقابل سياسي واضح ومضمون.

الأمن القومي وحدود التفويض

من حق أي دولة أن تحمي أمنها القومي وحدودها، لكن هذا الحق لا يعني نقل كلفة الدفاع بالكامل إلى قوى محلية في دول أخرى. التعاون الإقليمي مطلوب، لكن تحويل الفاعلين المحليين إلى خطوط دفاع متقدمة بلا ضمانات سياسية:

  • يضعف هذه القوى ويستنزفها.
  • يشوّه طبيعة العلاقة ويحولها إلى تعاقد ظرفي.
  • يجعل هذه القوى أولى الضحايا عند تغيّر الأولويات الإقليمية.

ما الذي ينبغي على الإصلاح إدراكه؟

من مصلحة حركة الإصلاح، كقوة سياسية واجتماعية فاعلة:

  • ألا تنخرط في أدوار مفتوحة النهايات بلا أفق سياسي واضح.
  • ألا تستنزف كل أوراق قوتها دفعة واحدة في معارك لا تحدد نتائجها.
  • أن تربط مشاركتها في أي ترتيبات بشروط واضحة تخدم مصالح اليمن واستقراره قبل أي اعتبار آخر.

العمل الوطني لا يتعارض مع الحذر الاستراتيجي، والمسؤولية لا تعني قبول كل الأدوار مهما كانت كلفتها السياسية والاجتماعية.

عنترة… حين سبق السؤالُ السيف

تروي السيرة العربية أن القبيلة استدعت عنترة بن شداد للقتال في لحظة خطر داهم. لم يرفض البطل النداء، لكنه توقف ليسأل عن موقعه قبل موقع سيفه، قائلاً: «العبد لا يُحسن الكرّ». لم يكن ذلك هروباً من المعركة، بل إدراكاً أن القتال بلا اعتراف، ولا ضمان، ولا مكانة واضحة، ينتهي غالباً إلى خسارة مزدوجة: سيف يُستنزف، وصاحبه يُنسى. وحين قيل له: «كرّ وأنت حر»، قاتل وانتصر.

في السياسة، كما في الحرب، ليست المشكلة في الاستعداد للتضحية، بل في توقيتها وشروطها. ومن يُطلب منه أن يحمل العبء الأكبر، من حقه أن يعرف: هل يُقاتل بوصفه شريكاً، أم مجرد قوة تُستدعى ثم تُترك بعد انقضاء الحاجة؟.

هذا هو الدرس الذي تقدمه تجربة الإصلاح في المعادلة اليمنية: الشراكة الحقيقية لا تُبنى على الاستنزاف المؤقت، بل على الاعتراف المتبادل والمصلحة المشتركة.

المصدر

صفحة أحرار بنغازي، على منصة ميتا.

اقرأ أيضا

من له الحق في حضرموت؟!!

دور التحالف في صناعة سلطة الحوثي

التعليقات غير متاحة