أسئلة الاتفاق، وما بعد الأسبوعين لن يُجاب عليها سريعا، لكن الحصيلة أن أهداف الحرب قد تم تجاهلها، ولن يأخذ ترامب من الإيرانيين أكثر مما أخذه أوباما من قبل.

قراءة في اتفاق وقف الحرب.. الأجواء والحيثيات والمآلات..

لا يحتاج المراقب إلى كثير من الذكاء كي يدرك أن الاتفاق كان حاجة لترامب أكثر من أي شيء آخر، وطبعا وسط معاناته من شرعية الداخل وتصاعد أصوات الرفض لـ”حرب إسرائيل”، كما باتت تُسمّى، فضلا عن مواقف الحلفاء، وعموم المواقف الدولية.

نائب ترامب (فانس) حضر هذه المرة بقوة، مقابل تراجع مندوبي “الكيان”، ويتكوف وكوشنر، وجاء الاتفاق بعد ساعات من الفيتو الصيني الروسي اللافت على مشروع القرار الخاص بفتح مضيق هرمز.

تبرير ترامب للاتفاق كان يعكس بؤس موقفه بقوله إننا “حقّقنا بالفعل جميع الأهداف العسكرية، بل وتجاوزناها، ونحن على وشك التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن السلام طويل الأمد مع إيران، والسلام في الشرق الأوسط”.

كلام فارغ بالطبع، لأن التدمير لم يكن هدف الحرب، بل “تحرير الشعب الإيراني من نظامه”، كما أن إيران لم تكن ترفض الاتفاق على “النووي” من الأساس، بدليل أنها وقّعت سابقا على اتفاق مع “أوباما” انقلب عليه ترامب، بطلب من الصهاينة.

لمعرفة حقيقة الاتفاق، يمكن النظر إلى موقف نتنياهو و”الكيان”.

في هذا السياق كان عنوان هآرتس هو: “ستحترم إسرائيل وقف إطلاق النار، لكنها تشعر بالقلق إزاء الاتفاق الناشئ مع إيران”.

وقالت: “لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت إيران ستوافق على التخلّي عن اليورانيوم المخصّب الموجود على أراضيها والتخلّي عن مشروعها الصاروخي الباليستي. إضافةً إلى ذلك، ورغم إبلاغ إسرائيل بأن وقف إطلاق النار يشمل لبنان أيضا، فإنه من غير الواضح ما إذا كانت ستسمح بربط أي اتفاق مستقبلي بوقف القتال ضد حزب الله”.

ترامب كسب الوقت وإسرائيل تدفع الثمن

بدورها عنونت “يديعوت” عبر محللها السياسي والعسكري الأبرز (رون بن يشاي) تحليلها بالقول:

“ترامب كسب الوقت وإسرائيل تدفع الثمن”.

نتنياهو تحدث بالإنجليزية مرحّبا بالاتفاق، وبالعبرية خلاف ذلك.

يكفي أن يقال هؤلاء إن خطة النقاط العشر التي وافق ترامب على التفاوض على أساسها هي خطة إيرانية كان قد رفضها من قبل، وهذا يعكس بؤس موقفه أيضا.

أسئلة الاتفاق، وما بعد الأسبوعين لن يُجاب عليها سريعا، لكن الحصيلة أن أهداف الحرب قد تم تجاهلها، ولن يأخذ ترامب من الإيرانيين أكثر مما أخذه أوباما من قبل.

تبقى المعضلة الصهيونية هي الأكثر حضورا، ليس فقط فيما خصّ شمول الاتفاق للبنان (نصّ الاتفاق على ذلك)، بل أيضا فيما خصّ الالتزام به من الأصل من حيث تواصل الاستهدافات، كما هو الحال في غزة ولبنان، لكن وضع ترامب الداخلي والخارجي قد يدفعه إلى اتخاذ موقف قوي، اللهم إلا إذا بقيت وثائق إبستين تطارده.

لقد منح ترامب إيران دفعة سياسية قوية، بخاصة فيما يتعلّق بمضيق هرمز الذي سيكون عنوان قوة جديدة لها، وتحدّيها لأكبر قوة في العالم، لكنه كلّفها دمارا ستحتاج لكثير من الوقت كي ترمّمه.

إقليميا يمكن القول إن النظام الإيراني الجديد سيعيد ترتيب أوراقه على نحو مختلف، وسينفتح الباب أمام تفاهمات مع المحيط العربي والإسلامي بعيدا عن سطوة أمريكا.

من المبكّر الحديث في هذا الشأن، لكن فشل العدوان، ينطوي على خير للمنطقة، وربما للعالم أجمع، وضربة لأوهام نتنياهو بالهيْمنة والتمدّد، فضلا عن دفعه أمريكا إلى الوراء أكثر فأكثر.

من “زئير الأسد” إلى “مُواء القطة

هذا التقييم الإسرائيلي للاتفاق يستحق القراءة..

بعنوان: “من “زئير الأسد” إلى “مُواء القطة”: هكذا انهار مفهوم نتنياهو وترامب عن إيران”، كتب المراسل والمحلل العسكري في “معاريف”، آفي أشكنازي.

“رغم أن هذا الاتفاق مؤقّت، إلا أنه في بداية المفاوضات التي ستنطلق نهاية الأسبوع، لا يوجد حتى الآن سوى فائز واحد في هذه المعركة، هي إيران وحليفها”.

“للأسف، يبدو أن إسرائيل والولايات المتحدة خسرتا هذه الحرب بفارق كبير. ومن المرجّح أن يُدفَع الثمن نقدا، هنا والآن، كما في لبنان على سبيل المثال، ولكن أيضا على مدى السنوات القادمة، في ظل الواقع الذي تُرسّخ فيه إيران مكانتها كقوة إقليمية مؤثرة في الخليج. على الصعيد التكتيكي، نجح الإيرانيون في فرض اتفاق على الولايات المتحدة صاغوه بأنفسهم إلى حد كبير، وسوّقه الباكستانيون والأتراك”.

“نجح الإيرانيون في دفع إسرائيل والولايات المتحدة إلى اتفاق تضمّن بنود استسلام من الجانبين الإسرائيلي والأمريكي، وليس من جانب إيران. وقد أدّى تخلّي الولايات المتحدة وإسرائيل عن كل بند من بنود الحرب إلى خلق واقع إقليمي جديد. وتشير دراسة أهداف الحرب ومبادئها القتالية في ضوء نتائجها إلى أن النظام الإيراني هو من خرج منتصرا”.

“يبدو أن بقاء النظام الإيراني مرتبط باغتيال المرشد الأعلى، علي خامنئي، الذي قُضي عليه في الضربة الأولى مع عدد من كبار المسؤولين. لكن من الواضح أن نظام آية الله قد نجا من الحرب، بل وتلقى دعما من جيل أصغر تولّى القيادة. تكمن المشكلة الكبرى في أن هذا الجيل أكثر تطرّفا”.

“المشروع النووي: لم يسلّم الإيرانيون 450 كيلوغراما من اليورانيوم المخصب. نصّ الاتفاق على أن يناقش الطرفان تخفيف تركيز المادة في المستقبل، وتنفيذ مشروع نووي مدني”.

“الصواريخ الباليستية: لم تلتزم إيران بالتخلّي عن المشروع”.

“هرمز: تُعتبر إيران الكيان المسيطر على مضيق هرمز، وهي في جوهرها الكيان الذي يُسيطر على مجريات الأمور في الخليج. إنها من تملك مفاتيح المنطقة، وتطالب، ويبدو أنها ستوافق أيضا، على إمكانية تحصيل رسوم الشحن مقابل عبور المضيق”.

لبنان: هنا خسرت إسرائيل المعركة. لم تقطع إيران علاقاتها مع حزب الله. سيشمل وقف إطلاق النار لبنان أيضا، دون أن تُضمِّن إسرائيل نزع سلاح حزب الله في الاتفاق، ودون نزع سلاح جنوب لبنان. سنرى قريبا حزب الله أقوى بكثير مما كان عليه في 28 فبراير 2026″.

حتى الآن، يبدو أن إسرائيل والولايات المتحدة دخلتا الحرب قبل 41 يوما. التزمت دولة إسرائيل الصمت، وأُغلق مطارها، وأُطلقت آلاف الصواريخ من إيران واليمن ولبنان، وسقط بعضها على إسرائيل. قُتل عشرات المدنيين والجنود الإسرائيليين في هذه الحملة، وأُصيب المئات، ودُمّر وتضرّر أكثر من خمسة آلاف مبنى في إسرائيل. دفع الاقتصاد الإسرائيلي ثمنا باهظا للإغلاق شبه التام الذي استمر 41 يوما. من المشكوك فيه جدا أن تكون هذه هي نهاية الحملة بالنسبة لإسرائيل، على الأقل في هذه المرحلة”. (انتهى).

المصدر

صفحة الأستاذ ياسر الزعاترة، على منصة ميتا.

اقرأ أيضا

هل يُنصر “الأقرب إلى الإسلام” مطلقًا؟

بيت هيغسيث والحملة الصليبية الجديدة

التعليقات معطلة