حسناً فعل رجال المقاومة في غزة حين بدؤوا بمجرد وقف القتال في ملاحقة العصابات الخائنة التي كانت بمثابة الطابور الخامس للعدو ، وإقامةٍ حكم الله فيهم . فالخائن لدينه ووطنه لا يصلح معه إلا الأخذ بالشدة والقوة .

سنّة التاريخ في مصير العملاء والخونة

والذي تدل عليه أحداث التاريخ أن كل عدوٍ غازٍ مهما بلغت قوته العسكرية ، لا يستغني عن تلك الطائفة الخائنة التي تبيع دينها ووطنها بعَرَضٍ من الدنيا قليل . لكن أولئك العملاء مهما نالوا في ظل ذلك المحتل الغازي من الامتيازات ، فإن نهايتهم في غالب الأحوال تكون في غاية السوء . ويكفي ما يُلاحقون به من اللعنات التي يصبها عليهم أهل بلدهم ، ومَن أُضيروا بسببهم . وقد قرأنا وسمعنا عما حدث بعد انسحاب الأمريكان من أفغانستان من رعبٍ وخوف لمن كانوا يسمونهم بالمتعاونبن ، حتى إن بعضهم كان يتعلق بإطارات الطائرات الأمريكية عند إقلاعها فيسقطون جثثاً هامدة .

تمهيد للحديث عن رموز الخيانة التاريخية

وقد كتبت من قبل مقالاً بعنوان : “معاونو الاحتلال من أبي رغال إلى عبد العال” . تحدثت فيه عن مثالين لتلك الخيانة ، ورمزين من رموزها .

المثال الأول: أبي رغال دليل أبرهة

أما أولهما فهو أبو رِغال ، وهو دليلُ أبرهةَ الأشرم ،الذي سار معه ليدله على طريق مكة ، وذلك حين خرج أبرهة بجيشه قاصداً الكعبة ليهدمها . فلما مات أبو رغال رجمت قبرَه العربُ ، مقتاً له ،وتبشيعاً لفعله. ومن أجل ذلك قال جرير وهو يهجو الفرذدق1(1) ( كما في معجم البلدان : 3/ 54 ) :

إذا مات الفرذدقُ فارجموه *** كما ترمون قبرَ أبي رِغالِ .

المثال الثاني: عبد العال عميل الفرنسيين في مصر

وأما الثاني (عبد العال) ، فقد كان من أعوان الفرنسيين أيام حملتهم على مصر. وقد كان من شأنه كما يذكر الجبرتي2(2) في كتابه (مظهر التقديس ص: 196 ) أنه كان من أسافل الناس ، وكان أجيراً البعض نصارى الشوام بخان الحمزاوي ، ولكنه ظل يتقرَّب من بعض ذوي الوظائف حتى عينه الفرنسيون في وظيفة مرموقة . فكان ذلك كما يقول الجبرتي : ( من جملة النوادر والعبر ). . وقد بالغ عبد العال هذا في خدمة الفرنسيين ، وقتْلِ الناس إرضاءً لهم ، وتثبيتاً لحكمهم . ولما وُقِّعت اتفاقيةُ الجلاء بين الفرنسيين والإنجليز والعثمانيين ، والتي بموجبها خرج الفرنسيون من مصر، كان عبد العال ممن خرج معهم . يقول الجبرتي في حوادث صفر 1216 هـ : ( وفي يوم الأربعاء تاسع عشره خرج المسافرون مع الفرنساوية إلى الروضة والجيزة بمتاعهم وحريمهم … وعبد العال الأغا أيضاً طلَّق زوجته ، وصنع له برنيطة …وخرج إلى الروضة بعد ما باع متاعه وفراشه ، وما ثقل عليه حمله من طقم وسلاح وغيره …)3(3) [مظهر التقديس بزوال دولة الفرنسيس ص: 243]. وقد ذكر رفاعة الطهطاوي4(4)  في كتابه ” تخليص الإبريز في تلخيص باريز ” ( ص: 52 ) أن عبد العال هذا قد (بقي على إسلامه نحو خمس عشرة سنة، ثم بعد ذلك تنصر، والعياذ بالله، بسبب الزواج بنصرانية، ثم مات بعد قليل) .

رمز خيانة جديد: يعقوب القبطي وتشكيله فيلقاً لمحاربة أبناء وطنه

واليوم أشير إلى رمز آخر من رموز الخيانة والعمالة ، وهو يعقوب القبطي ، أو المعلم يعقوب كما يسميه بعضهم ، ذلك الشخص الذي بلغت به الخسة والخيانة أن يُكوِّن فيلقاً من الأقباط لقتال بني وطنه في صفوف الفرنسيين . يقول الجبرتي في حوادث 1215هـ : (ومنها أن يعقوب القبطي لما تظاهر مع الفرنساوية وجعلوه سارى عسكر القبطَة جمع شبان القبَط وحلق لحاهم ، وزياهم بزي مشابه لعسكر الفرنساوية مميزين عنهم بقبع يلبسونه على رؤوسهم مشابه لشكل البرنيطة وعليه قطعة فروة سوداء من جلد الغنم في غاية البشاعة ، مع ما يضاف اليها من قبح صورهم وسواد أجسامهم ، وزفارة أبدانهم وصيَّرهم عسكره وعزوته ، وجمعهم من أقصى الصعيد …)5(5) [مظهر التقديس : ص: 213] ..

يعقوب القبطي: حصاره في داره ودوره كدليل للجنرال الفرنسي ديزيه

وحوَّل بيته إلى قلعة كبيرة مملوءة بالسلاح والعتاد لمقاتلة الثائرين على حكم الفرنسيس ، يقول الجبرتي ، بعد حديثه عن ثورة القاهرة الثانية : (وأما يعقوب اللعين فإنه حاصر في داره بالدرب الواسع جهة الرويعي ،واستعد استعداداً شديداً بالسلاح والعسكر المحاربين ، فكان معظم حرب الجداوي معه ).6(6) [مظهر التقديس ص: 148] . والجداوي هو حسن الجداوي ، وقد كان من أكبر المجاهدين ضد الفرنسيين ورأى الناس كما يقول الجبرتي: ( من إقدامه وشجاعته وصبره على مجالدة العدو ليلاً ونهاراً ما ينبئ عن فضيلة نفس وقوة قلب وسمو همة ) 7(7) [مظهر التقديس ص: 145]..

كما كان يعقوب هذا دليلَ الجنرال الفرنسي ديزيه في حملته على الصعيد ، يقول الجبرتي في حوادث ربيع الأول 1213هـ : (وفي خامس عشر سافر عدةٌ من الإفرنج إلى جهة الصعيد وعليهم صاري عسكر متولي على الصعيد اسمه “دزه” وبصحبتهم يعقوب القبطي ليدبر لهم الأمر ، ويعمل لهم أنواع المكر والخداع ويطلعهم على الخبايا ، ويصنع لهم الحيل، فمنها أنه كان يرسل الجماعة من الإفرنج لقبض الأموال وطلب الكلف، ويلبس البعض لبس العثمنلي ويكتب لهم التحذير من المخالفة، ويذكر لهم أن هذا أمرٌ سلطاني، فيروج ذلك على كثيرٍ من أهل البلاد، ويمتثلون الأوامر)8(8) [مظهر التقديس ص: 41]..

هروب يعقوب مع الفرنسيين وموته ذليلاً في البحر

ولما وُقِّعت اتفاقيةُ الجلاء بين الفرنسيين والإنجليز والعثمانيين ، بادر يعقوب إلى الخروج بصحبة القوات الفرنسية ،وفي ذلك يقول الجبرتي: (وأما يعقوب اللعين فإنه خرج بمتاعه وعازقه وعدي الى الروضة ، وكذلك جمع اليه عسكر القبط ، وهرب الكثير منهم واختفى ، واجتمعت نساؤهم وأهلهم وذهبوا الى قائمقام …وترجوه في إبقائهم عند عيالهم وأولادهم … فوعدهم أنه يرسل الى يعقوب أنه لا يقهر منهم من لا يريد الذهاب والسفر معه)9(9) [مظهر التقديس ص: 243].وإذن فقد سافر يعقوب مع أوليائه وأحبابه ، لعله ينعم بالرفاهية في بلادهم ، ولكن القدر لم يمهله ؛ إذ هلك على ظهر السفينة التي كانت تقله إلى فرنسا. فقد أصيب –بحسب رواية “جاك تاجر” وهو مؤرخ سوري الأصل من الروم الكاثوليك- 10(10) : (أقباط ومسلمون: منذ الفتح العربي إلى عام 1922): (بمرض مجهول قضى نحبه على أثره، ولم تكن آخر كلماته عن مصر ولا عن أسرته ولا عن أفراد فرقته الذين ساروا في ركابه، وبينما كان يحتضر، طلب إلى الجنرال «بليار» الذي كان بجواره، أن ينعم عليه بدفنه في قبر «ديزيه» نفسه، ولكن لم تنفذ رغبته؛ لأنه تُوفي على ظهر الباخرة ، فألقي جسده في عرض البحر).

الرد على محاولات تزيين صورة العميل يعقوب وادعاءات وطنيته الزائفة

وبعد : فإن من أسخف ما قرأته بخصوص هذا العميل ، أن البعض -وبخاصة من متعصبة الأقباط- يعتبرونه بطلاً قومياً ، وأنه كان يهدف إلى استقلال مصر . فقد كتب سلامة موسى مقالاتٍ في جريدة مصر القبطية ، يمجد فيها المعلم يعقوب، ويعتبره أول من رفع صوته مطالباً بحرية البلاد واستقلالها. ويقول لويس عوض في كتابه “تاريخ الفكر المصري الحديث” : إن يعقوب كان يسعى إلى إقناع الفرنسيين والإنجليز بمشروعٍ خاص لاستقلال مصر .هكذا يقولون ، مع أنه قد ثبت في أكثر من مصدر أن يعقوب هذا كان يعمل في خدمة المماليك قبل قدوم الحملة الفرنسية : يقول جاك تاجر عن يعقوب في كتابه المشار إليه : (انضم، قبل وصول الفرنسيين بزمن طويل، إلى صفوف إبراهيم بك ومراد بك في المعركة الكبرى التي دارت بين جيوش المماليك وجيوش القبطان باشا، وقد شكره البكوان لشجاعته وأغدقا عليه النعم .. ). لكنه كشأن كل العملاء كما يقول محمد جلال كشك رحمه الله : (سرعان ما ينقل ولاءه أو كرباجه .. من يدٍ إلى يدٍ فور تغير السيد)11(11) [ودخلت الخيل الأزهر ص: 385]. وإذا كان يعقوب هذا ساعياً في استقلال مصر كما يزعمون ،فلماذا سافر مع الفرنسيين ،ولم ينتهز فرصة خروجهم ليبدأ في تأسيس دولة مصرية مستقلة؟! ألا شاهت الوجوه..

الهوامش

(1) ( كما في معجم البلدان : 3/ 54 ) .

(2) في كتابه (مظهر التقديس ص: 196 ).

(3) [مظهر التقديس بزوال دولة الفرنسيس ص: 243].

(4)  في كتابه ” تخليص الإبريز في تلخيص باريز ” ( ص: 52 ).

(5) [مظهر التقديس : ص: 213] .

(6) [مظهر التقديس ص: 148] .

(7) [مظهر التقديس ص: 145].

(8) [مظهر التقديس ص: 41].

(9) [مظهر التقديس ص: 243].

(10) : (أقباط ومسلمون: منذ الفتح العربي إلى عام 1922).

(11) [ودخلت الخيل الأزهر ص: 385].

المصدر

صفحة د. عبدالآخر حماد ، على صفحة ميتا.

اقرأ أيضا

هم العدو فاحذرهم

من صفات المنافقين المسارعة في ولاء الكافرين

المنافقون في فلسطين وحكمهم

التعليقات غير متاحة