حقيقة واحدة قد تغيّر زاوية النظر كلها…
فهل يمكن أن توزن معاهدات السياسة بميزان الشريعة دون مواربة أو تبرير؟
فهل يمكن أن توزن معاهدات السياسة بميزان الشريعة دون مواربة أو تبرير؟
في زمن التباس المفاهيم وتضارب الفتاوى، تبرز الحاجة إلى قراءة فقهية متجردة تعيد ضبط العلاقة بين النص والواقع، وتفكك ما أُلبس للشرع باسم السياسة. هنا لا يُبحث عن تبرير، بل عن ميزانٍ دقيق، ولا يُستدعى التاريخ للتزيين، بل للاستدلال، ولا تُناقش المعاهدات بوصفها أوراقًا سياسية، بل باعتبارها أفعالًا تُحاسَب بميزان الشريعة.
موسوعة مصغَّرة: منهجية التحليل الفقهي في مجال السياسة الشرعية
صدر عن مركز (محكمات للبحوث والدراسات) في طبعة أولى 1442هـ-2021م كتاب (معاهدات السلام العربية الإسرائيلية في ميزان الشريعة الإسلامية)، لفضيلة الأستاذ الدكتور عطية عدلان، أستاذ الفقه والسياسة الشرعية، ويقع الكتاب في 175 صفحة من الحجم الصغير، يسهل حمله وقراءته في أي مكان وفهمه في آن واحد.
ومع وجازة واختصار الكتاب، فإنه إضافة علمية ومنهجية قيمة في مجال السياسة الشرعية، ذلك أن المطلع عليه يجد فيه من الجزئيات الدقيقة ما لا يجده في غيره من كتب المناهج، بلغة سهلة واضحة مباشرة، وببناء منطقي يساعد على الفهم والاستيعاب.
يعد الدكتور عطية عدلان أستاذ الفقه والسياسة الشرعية ومدير مركز (محكمات” للبحوث والدراسات) أحد أبرز الأصوات الفقهية المعاصرة التي تسعى لتقديم رؤية شرعية أصيلة للقضايا والنوازل التي تواجه الأمة الإسلامية. يجمع الدكتور عطية عدلان في منهجه بين العمق الأكاديمي والتحليل الواقعي، مستندًا في ذلك إلى مصادر الشريعة الإسلامية من القرآن والسنة، مع استقراء عميق ومتزن للوقائع التاريخية، ومراعاة دقيقة لمقاصد الشريعة، والمصالح والمفاسد في النوازل المعاصرة. وقد جاء هذا الكتاب (معاهدات السلام العربية الإسرائيلية في ميزان الشريعة الإسلامية) ليؤكد هذا المنهج، وليقدم قراءة فقهية متجردة لأخطر القضايا التي شهدها الواقع العربي المعاصر.
مشروعية السلام تحت المجهر
يُعالج الكتاب إشكالية معاهدات السلام والتطبيع التي وقّعتها بعض الدول العربية مع الكيان الإسرائيلي، بدءًا من معاهدة كامب ديفيد، مرورًا بمعاهدتي أوسلو ووادي عربة، وانتهاءً باتفاقيات التطبيع الأخيرة. ينطلق الدكتور عدلان من فكرة أساسية مفادها أن هذه المعاهدات قد أُحيطت بفتاوى شرعية “لُفّقَتْ على عجل” لتبريرها، مما استدعى “نظرًا جديدًا” يعيد صياغة الأحكام الشرعية ويطبقها على الواقع بوضوح، لإزالة الشبهات ومنع التخبط.
يتميز الكتاب بمنهج استقرائي تحليلي ونقدي ومقارن، يهدف إلى إبراز الأحكام الشرعية الثابتة والمحكمة في هذا الشأن، بعيدًا عن الفروع الفقهية الجانبية. ويهدف إلى الوصول إلى نتائج علمية راسخة ومؤكدة.
يقدم المؤلف في بداية الكتاب تمهيدًا مهمًا يوضح فيه المصطلحات الأساسية مثل: السلم، الصلح، الهدنة، الموادعة، والمعاهدة، في اللغة وفي الاصطلاح الشرعي. ويوضح أن الفقهاء القدامى قد اتفقوا على مشروعية عقد الهدنة بشروطها الشرعية. لكنه يؤكد أن هذا الإجماع مشروط بوجود مصلحة ظاهرة للمسلمين، وأن هذا هو الرأي الغالب والراجح عند جمهور العلماء، خلافًا لبعض الآراء التي تبيح الصلح فقط في حالة الضرورة القصوى.
الشروط الشرعية لجواز معاهدات السلام
يخصص الدكتور عطية عدلان جزءًا كبيرًا من كتابه لاستعراض وتحليل الشروط التي وضعها الفقهاء لجواز معاهدات السلام، ويطبقها على المعاهدات العربية الإسرائيلية. هذه الشروط هي:
أن تكون الهدنة خيرًا ومصلحة للمسلمين
هذا الشرط هو أساس جواز الهدنة عند غالبية الفقهاء. يشرح المؤلف أن المصلحة قد تكون في استرجاع القوة، أو كسب الوقت للاستعداد، أو درء مفسدة متوقعة. ويؤكد أن جميع معاهدات السلام المذكورة لم تُبنَ على مصلحة حقيقية للمسلمين، بل جاءت بعد هزائم عسكرية وضعف عام.
عدم اشتمال المعاهدة على شرط فاسد
يُشدد المؤلف على أن أي معاهدة تتضمن شروطًا باطلة شرعًا لا تجوز. ومن أبرز الشروط الفاسدة التي تناولها الكتاب بالتحليل:
التعاون الأمني: يرى المؤلف أن هذا الشرط يُعد من التعاون على الإثم والعدوان، وهو محرم شرعًا. كما أنه يُمثل “مؤامرة” على المسلمين، ويُعدّ موالاة للأعداء.
فرض السيادة على أرض المسلمين ومقدساتهم: يرى المؤلف أن هذا الشرط فاسد وباطل.
التخلي عن حق الدفاع عن المسلمين: حيث تمنع هذه المعاهدات الدول الموقعة من استخدام القوة أو حتى التهديد بها ضد العدوان الإسرائيلي المتكرر على الشعب الفلسطيني، وهو ما يُعد من التبعية للعدو.
عدم المساس بالسيادة: يوضح المؤلف أن هذه المعاهدات تمنح (إسرائيل) حق التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية، وهو ما يتنافى مع السيادة الوطنية.
أن تكون الهدنة غير مؤبدة (مؤقتة): أجمع الفقهاء على أن عقد الهدنة يجب أن يكون محددًا بمدة معلومة، ولا يجوز أن يكون مؤبدًا. ويشير المؤلف إلى أن معاهدات السلام العربية الإسرائيلية تتضمن بنودًا تنص على “العلاقات الدائمة” بين الطرفين، مما يجعلها تتجاوز مفهوم الهدنة المؤقتة وتدخل في باب الصلح الدائم الذي لا يجوز شرعًا مع العدو المحارب.
حكم هذه المعاهدات الشرعي
بناءً على تحليله للشروط السابقة، يخلص الدكتور عدلان إلى أن المعاهدات العربية الإسرائيلية “باطلة، وغير صحيحة، ومُحرّمة، وغير مُلزمة” من الناحية الشرعية. ويعلل ذلك بأنها لم تستوفِ أي شرط من شروط الصحة التي وضعها الفقهاء للهدنة. وبناءً على ذلك، فإن الفتاوى التي أجازت هذه المعاهدات “ساقطة وباطلة”.
السبل المشروعة للتخلص من هذه المعاهدات
في فصله الأخير، يقدم المؤلف حلولًا شرعية للخروج من مأزق هذه المعاهدات الباطلة، بما يتوافق مع مبدأ الوفاء بالعهود في الشريعة، ولكنه يُبيح إبطال العقد الفاسد. يذكر الكاتب عدة طرق للخروج من هذه المعاهدات:
التحفظ: وهو عدم الموافقة على البنود المخالفة للشريعة.
الإلغاء: إلغاء البند المخالف للشريعة بإرادة منفردة.
النبذ على سواء: إعلام الطرف الآخر بفسخ العهد إذا خشي المسلمون منه خيانة.
النتائج والتوصيات
يُوجز المؤلف في الخاتمة أهم النتائج التي توصل إليها، والتي تتضمن أن معاهدات السلام المذكورة باطلة شرعًا لعدم استيفائها شروط الهدنة. كما يؤكد على أهمية الجهاد لدفع العدو عن ديار المسلمين ومقدساتهم، وضرورة التمسك بالوحدة الإسلامية. ويدعو الكاتب إلى عدم اعتبار هذه المعاهدات ملزمة للأمة الإسلامية، ويدعو علماء الأمة إلى ضرورة العمل لإبطالها.
لماذا يجب أن تقرأ هذا الكتاب؟
يُعد كتاب “معاهدات السلام العربية الإسرائيلية في ميزان الشريعة الإسلامية” عملًا فقهيًا رائدًا في بابه، فهو لا يكتفي بعرض الفتاوى التقليدية، بل يُخضع المعاهدات المعاصرة لتحليل دقيق، ويضعها على ميزان الشريعة الإسلامية بشكل مباشر وشفاف. إن هذا الكتاب ضروري لكل مهتم بفهم أعمق للقضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي من منظور فقهي شرعي. إنه بمثابة خارطة طريق لمن يريد أن يزيل الغبش، ويُصوّب الفهم الخاطئ لبعض مفاهيم العلاقات الدولية في الإسلام، خاصةً في ظل موجات التطبيع المتتالية. إنه دعوة فكرية وفقهية جريئة لاستعادة الوعي الشرعي والسياسي، وفهم أعمق لديننا في مواجهة تحديات العصر.
المصدر
الأستاذ عماد إبراهيم،مدير مشروع بصيرة الدعوي، صفحة الدكتور عطية عدلان، على منصة ميتا.
اقرأ أيضا
حكم الصلح والتطبيع مع الكيان الصهيوني .. الشيخ حسن مأمون
تحريم الصلح مع الكيان الإسرائيلي ووجوب الجهاد .. لجنة الفتوى بالأزهر الشريف

