عندما يغترب الإنسان عن ذاته، فهو يشطر بذلك كيانه إلى جسد بلا روح وروح بلا جسد ولن يملك سبيلا إلى الجمع بينهما، أو ردّهما إلى بعض في ألفة متناغمة حتى تكون لهما وجهة واحدة من مبدأ واحد.
أجوبة على أصل الإشكال
لماذا يطلب منا الله أن نعبده وهو غني عن العبادة؟ ما الذي يستفيده الخالق من صلوات ودعوات وصيام؟ أليس طلب العبادة علامة نقص ودليل احتياج؟
أولا: تصريح الوحي أن الله لا يأتي العبث
والنظر في نصوص القرآن كاشف تقرير الرسالة الخاتمة أنّ الله سبحانه لا يفعل ما هو عبث، وفي ذلك دلالة أنّ الله – سبحانه ـ يعلم ما قد يتسرب إلى عقول الخلق من أن ظواهر بعض الأمور قد توحي إلى بعض الناس أنها بلا حكمة، أو أن ما فيها من حكمة لا يليق بمقام الربّ الخالق الكامل.
قال -تعالى-: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لهَوًا لاتَّخَذْنَاهُ مِن لدُنَّا إن كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٦، ١٧].
وقال -تقدّس اسمه-: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَكُمْ عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ فَتَعَلَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٥، ١١٦].
ولا يعني نفي العبث عن فعل الله -سبحانه- أنه لا يفعل إلا لحكمة تعود إليه، وإنما الصواب هو أنه سبحانه يفعل لحكمة تعود إليه، يحبّها ويرضاها، ويفعل لحكمة تعود على الخلق وعلى العاقل أن يبصر حكمة الله سبحانه في هذين البابين.
ثانيا: تصريح الوحي عدم حاجة الرب للعبادة
قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِزْقِ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُون * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٦-٥٨].
وقد جاءت الآيات في استغناء الله عن الخلق في غير الآية السابقة.
ومن ذلك قوله -تعالى-: ﴿إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكَفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: 7]
وقوله -سبحانه-: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِن تَكْفُرُوا أَنتُمْ وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [إبراهيم: ۸].
إنّ الله لا يضره كفر كما لا ينفعه إيمان، فهو مستغن عن طاعة العبد ومستعل عن عصيانه وإيمان العبد هو للعبد: {وَمَن تَزَكَى فَإِنَّمَا يَتَزَكَى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} [فاطر: ١٨]، {إنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ} [الإسراء: 7]، وكـفـره عليه: {وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنيٌّ كَرِيمٌ} [النمل: ٤٠] لا يمس من ذلك شيء ربَّ العالمين.
ويخبرنا الرب سبحانه في حديث قدسي جليل بحقيقة قدر الطاعة والمعصية في ملكه: «… يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي. يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا. يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا»1(1) رواه مسلم، كتاب البر والصلة، باب تحريم الظلم، (ح/ ٢٥٧٧)..
إن العبادة لا تنفع الربّ وإنّما لمصلحة العبد. قال قتادة: «إنَّ الله – سبحانه – لم يأمر العباد بما أمرهم به لحاجته إليه، ولا نهاهم عنه بخلا منه بل أمرهم بما فيه صلاحهم، ونهاهم عمّا فيه فسادهم»2(2) ذكره ابن تيمية، قاعدة في المحبة، ، ص ۱۸۳..
وقال ابن رجب: إن الله تعالى في نفسه غني حميد. لا حاجة له بطاعات العباد ولا يعود نفعها إليه، وإنما هم ينتفعون بها. ولا يتضرر بمعاصيهم، وإنما هم يتضررون بها. قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَرِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٧٦] وقال: ﴿وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٤٤]. وكان النبي ﷺ يقول في خطبته: «ومن يعص الله ورسوله فقد غوى، ولا يضرّ إلا نفسه، ولا يضر الله شيئًا». …. هذا كله مع غناه عن طاعات عباده، وتوباتهم إليه، وأنّه إنما يعود نفعها إليهم دونه، ولكن هذا من كمال جوده وإحسانه إلى عباده ومحبته لنفعهم، ودفع الضر عنهم. فهو يحب من عباده أن يعرفوه ويحبوه، ويخافوه، ويتقوه، ويطيعوه، ويتقربوا إليه، ويحبّ أن يعلموا أنه لا يغفر الذنوب غيره، وأنه قادر على مغفرة ذنوب عباده…
وفي الصحيح عن النبي ﷺ أن عبدا أذنب ذنبًا. فقال: «يا رب إني فعلت ذنبا فاغفر لي!». فقال الله: «عَلِم عبدي أن له ربًّا يغفر الذنوب، ويأخذ بالذنب، قد غفرت لعبدي!».
ثالثًا: عبادة الله لأنه أهل لأن يُعبد
قال الراغب: «العبودية: إظهار التذلل، والعبادة أبلغ منها لأنها غاية التذلل»3(3) الراغب الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، ص ٥٤٢..
ويقول ابن القيم: «التعبد آخر مراتب الحب، يقال: عبده الحبّ وتيمه إذا ملكه وذلك لمحبوبه»4(4) ابن القيم، مدارج السالكين، 3-٢٨..
ويزيد بيانًا بقوله: «كمال العبودية تابع لكمال المحبة، وكمال المحبة تابع لكمال المحبوب في نفسه، والله سبحانه له الكمال المطلق التام في كلّ وجه، الذي لا يعتريه توهم نقص أصلا، ومن هذا شأنه فإن القلوب لا يكون شيء أحب إليها منه، ما دامت فطرها وعقولها سليمة، وإذا كانت أحبّ الأشياء إليها فلا محالة أن محبته توجب عبوديته وطاعته، وتتبع مرضاته واستفراغ الجهد في التعبد له، والإنابة إليه، وهذا الباعث أكمل بواعث العبودية وأقواها، حتى لو فرض تجرّده عن الأمر والنهي والثواب والعقاب استفرغ الوسع، واستخلص القلب للمعبود الحق».
إن العبادة – إذن – حقيقة نفسية تتبدى في أعمال القلب والجوارح، وهي قائمة على أصلين حبّ كامل وذلّ كامل، ومنشأ هذين من «مشاهدة المنّة التي تورث المحبة، ومطالعة عيب النفس والعمل التي تورث الذلّ التام». فالعبادة إذن حقيقة ملازمة لحقيقة ثنائية الخالق والعبد، والمعطي والمُعطَى، والمنعم والمتنعم.
والعبادة بذلك فضل يُدرك بالبصيرة والجهد، وليس عطية مجانية أو حِملًا تضجّ منه أنفس العقلاء … ولا يمكن أن يعبد المرء ربّه حق العبادة إلّا أن يحبّه أولا، وكلّما ارتقى في معراج الحبّ، اطمأن في محراب العبودية.
وفي سورة الفاتحة، لم يُذكر قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] إلا بعد آيـات الـحـمـد والتمجيد للرب سبحانه، فالعبودية بذلك فرع عن المعرفة، والإقرار بحقيقة المعبود.
إن المسلم يعبد الله لأنه مأمور بذلك من خارجه ومدفوع إلى ذلك من داخله. … حيث يستدعي نقصه الإقرار بكمال خالقه.
فالله سبحانه حقيق بالعبادة قبل الخلق، ودون الخلق، لأنّه أهل لذاته لأن يكون قبلة العبادة، وأن تكون صفاته عنوان العبادة.
رابعا: تمام القدرة والسلطان الإلهيين يتساوق مع حقيقة العبادة
حقيقة الذات الإلهية، والحقيقة الوجودية للكون وجوهر العبادة ومعناها، في تناغم كبير؛ إذ العبادة تعبير عن حال الانقياد والخضوع للخالق المبدع الذي أنشأ كلّ شيء من عدم وخلق كل شيء فقدره تقديرا.
إن هذا الكون بأكمله ساجد في محراب الطاعة خاضع في محراب الناموس، فلا يخرج عن أمر الله القدري، قال تعالى: {وَلَهُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} [الروم: ٢٦]، وقال سبحانه: {وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهَا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} [آل عمران: ۸۳].
والإنسان ملزم أن يعبد الله – سبحانه ـ ويصبر النفس على ذلك، قال تعالى: {رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدُهُ وَأَصْطَبِرْ لِعِبَدَيْهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم: ٦٥]. والاصطبار هو شدة الصبر على الأمر الشاق، وبالمصابرة على عبادة الله ينجو الإنسان من عبادة غيره؛ فإنّ عبادة الله تقابل عبادة غيره ولا تقابل حرية الإنسان.
خامسًا: الإنسان محتاج إلى تحقيق العبادة ليحقق معرفته بذاته
وحتى يحقق معرفته بذاته، فلا بد أن يعرف موقعه من هذا الكون، ومقامه فيه، أين يقع من الكون؟ وأين يقع الكون منه؟
وماذا يجد الآبق عن عبادة ربّه غير الاغتراب عن نفسه؛ إذ النفس متحرّكة بطاقة العبادة، فمن لم يعبد ربه الخالق، عبد مَنْ هو دونه.
سادسا: الإنسان محتاج إلى العبادة ليحقق استواء ذاته
عندما يغترب الإنسان عن ذاته، فهو يشطر بذلك كيانه إلى جسد بلا روح وروح بلا جسد ولن يملك سبيلا إلى الجمع بينهما، أو ردّهما إلى بعض في ألفة متناغمة حتى تكون لهما وجهة واحدة من مبدأ واحد.
يقول ابن تيمية: «العبادة هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة. فالصلاة والزكاة والصيام، والحج، وصدق الحديث والأمانة وبرّ الوالدين، وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد للكفار والمنافقين، والإحسان للجار واليتيم والمسكين وابن السبيل والمملوك من الآدميين والبهائم، والدعاء، والذكر، والقراءة، وأمثال ذلك من العبادة وكذلك حب الله ورسوله، وخشية الله والإنابة إليه، وإخلاص الدين له، والصبر لحكمه والشكر لنعمه، والرضى بقضائه، والتوكل عليه، والرجاء لرحمته، والخوف من عذابه، وأمثال ذلك هي من العبادة لله»5(5) ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ، 10-١٤٩..
والإنسان بالعبادة يجد غذاء روحه وغناها، ولذلك قال رسول الله ﷺ: «لأَن أَقُولَ سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، أَحبُّ إليَّ ممَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ»6(6) رواه مسلم، (ح/ ٤٩٦٨)..
إنّ القلب الصحيح الصاحي يدرك أن العبادة ترفع العلة وتشدّ الصلب عند خشية الانكسار وتثبت الرجل عند خوف الزلّة.
يقول الإمام ابن رجب: «قال الحسن لرجل: داوِ قلبك! فإنَّ حاجةَ اللهِ إلى العبادِ صلاحُ قُلُوبهم». يعني: أنَّ مراده منهم ومطلوبه صلاح قلوبهم، فلا صلاح للقلوب حتَّى تستقر فيها معرفةُ الله، وعظمته، ومحبته، وخشيته، ومهابته، ورجاؤه، والتوكل عليه، وتمتلئ مِنْ ذلك، وهذا هو حقيقةً التوحيد، وهو معنى «لا الإله إلا الله»، فلا صلاح للقلوب حتّى يكونَ إلهها الذي تألهه وتعرفُه وتحبه وتخشاه، هو الله وحده لا شريكَ لهُ، ولو كانَ في السماواتِ والأرض إلهٌ يُؤله سوى الله لفسدت بذلك السماوات والأرضُ، كما قال تعالَى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَنَا} [الأنبياء: ٢٢]. فعلم بذلك أنَّه لا صلاح للعالم العلوي والسفلي معا حتى تكون حركات أهلها كلها للهِ، وحركات الجسدِ تابعةً لحركة القلب وإرادته، فإن كانت حركته وإرادته لله وحده، فقد صَلحَ وصلحت حركات الجسدِ كلها، وإن كانت حركة القلب وإرادته لغير الله تعالى، فسد، وفسدت حركات الجسد بحسب فسادِ حركة القلبِ7(7) ابن رجب، جامع العلوم والحكم، ص ٧٥..
إن الربّ – سبحانه – متحقق بصفات الألوهية ولو لم يعبده البشر، أمّا البشر فبدون العبادة في تيه، وعلّة، ولا تستقيم نفوسهم على صراط العافية حتى تخشع قلوبهم في مراكع العبادة.
سابعا: العبادة مادة الاختبار
قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: ٥٦]
وقال سبحانه: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةٌ وَلَا يَزَالُونَ مُختَلِفِينَ إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةً رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [هود: ۱۱۸، ۱۱۹].
قال الزمخشري: إنّ الله سبحانه قد مكَّن «من الاختيار الذي هو أساس التكليف، فاختار بعضهم الحق وبعضهم الباطل، فاختلفوا، فلذلك قال: {وَلَا يَزَالُونَ مُختَلِفِينَ إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ} إِلَّا ناسا هداهم الله ولطف بهم، فاتفقوا على دين الحق غير مختلفين فيه وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ذلك إشارة إلى ما دل عليه الكلام الأوّل وتضمنه، يعني: ولذلك من التمكن والاختيار الذي كان عنه الاختلاف خلقهم، ليثيب مختار الحق بحسن اختياره، ويعاقب مختار الباطل بسوء اختياره8(8) الزمخشري، الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، ص ٥٠٢..
العبادة بطبيعتها الشائقة ولذاتها الدفينة عطية في ثوب محنة، وفوزا في صورة مكابدة.
العبادة الإسلامية التي يجد في مشقتها العاقل معاني الرحمة.
ثامنا: بالعبادة يعرف العبد قدْرَه
قال رسول الله ﷺ: «سَيدُ الاسْتِغْفَارِ اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ وَأَنا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ أَبوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ وأَبوءُ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّه لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ وَارْحَمْنِي فَإِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ»9(9) رواه البخاري، (ح/ ٥٩٤٧)..
إن هذا الزائر لم يعترف لصاحب المكان بالفضل، ولا أقر له بالسلطان على بيته الفخم وكذلك يفعل من يصنع الخير في الدنيا دون أن يقرّ لصاحب الكون بالفضل والسلطان؛ فضل عطيّة الحياة وتوافر النعم، واستعذاب طعومها.
تاسعا: الله يحبّ أن يكون بينه وبين عبده حديث وطلب
يخبرنا الشرع – في المقابل – أنّ روح العبادة مناجاة العبد ربّه، وتقربه منه، ومقابلة ذلك ببذل الرب لخلقه الرحمة والود. فهي إذن علاقة تقابلية، وتواصل متّصل.
والمسلم في كل حاله قريب من الربّ، يتصل به أنّى شاء وحيث شاء، فهو – سبحانه – القائل: «أنا عند ظن عبدي وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرب إليّ شبرا تقربت إليه ذراعًا، وإن تقرب إلي ذراعًا تقربت منه باعا، وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة»10(10) رواه البخاري، (ح/ ٦٩٨١)..
عاشرا: العبادة طريق للتميز لاستحقاق الجزاء والرفعة
حياة الملحد عبت صرف يُعبّر عنه الفيلسوف الملحد كونتن سميث (Quentin Smith) بقوله: «إننا جئنا من لا شيء بلا شيء، لأجل لا شي».
والله سبحانه يحبّ لعباده أن يهتدوا ولكنه سبحانه لا يلزمهم طريق الهداية إذا اختاروا طريق الغواية. قال تعالى: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى} [فصلت: ۱۷].
وليست المسألة هنا مجازاة بما يوافق حجم التعب، وإنما فتح لباب العطاء بأدنى سبب، فالله يطلب من العبد القليل اليسير مما لا يبلغ وزن قطمير، ليمنحه الكثير الغزير، فأين الظلم؟ ولِمَ النكير؟!
الحادي عشر: في الاستجارة طلب للعون من العبد، ووعد بالنصرة من الرب
«الدعاء العبادة»11(11) رواه أبو داود، (ح/ ١٤٨١)، والترمذي، (ح/٣٥٥٥)، وابن ماجه، (ح/ ٣٩٦٠)..
فهو مظهرها الأكبر، وهو المعبّر في كل دين عن حقيقة المعبود، ومقامه عند عابديه.
والله سبحانه طلب من عباده أن يدعوه، وهدّد مَنْ استكبر منهم عن ذلك بالعذاب الأليم، وذلك أنّ المظهر الأكبر للعبادة في كل الأمم المشركة هو التوجّه للأصنام والمقبورين وغير ذلك من المعبودات بطلب المال والذرية والغوث والغيث… ثم تغيب الحاجة إلى الآلهة في وقت الرخاء.
الثاني عشر: في العبادة تجديد لعقد الإيمان
والناظر في سيرة الرسول ﷺ يلحظ أنه كان كثير الذكر والدعاء بالقول الذي يجدّد في القلب عقيدة التوحيد ومعاني الحبّ والتوكَّل والرجاء في كل حين وحال.
الثالث عشر: في العبادة مدافعة للغفلة والذهول عن حقيقة الإيمان بالله
المسلم يستذكر ربّه في نسكه على مدار اليوم من خلال الصلوات المتتالية، وما يسبقها من استعداد بالوضوء وما يعقبها من نوافل صلاة وذكر.
وقد جاء الأمر بدوام العبادة النسكية وغيرها، والثناء عليها في القرآن كثيرا.
هكذا هي العبادة في أدنى نشاطها، ذكر وتذكير ومذاكرة، واغتسال من أدران الغفلة ومدافعة لخَبثِ التيه وهي بذلك تحفظ للقلب حياته ورونقه وتبقيه عطرا بالذكر الجميل.
الرابع عشر: عبادة الرب لتحقيق الانتظام الطبيعي
الكون في التصوّر الإسلامي وحدة متناسقة، متناغمة، من الأشياء والقوانين والكلّ خاضع بالطاعة القهرية لقوانين المادة.
فهذا الوجود مسخّر للإنسان بلا فضل للإنسان ولا استحقاق، وإنما ليحقق الإنسان الطاعة والعبادة، فيكتمل بذلك بناء النظام الكوني من ضئيل الذرة إلى عظيم المجرّة.
الهوامش
(1) رواه مسلم، كتاب البر والصلة، باب تحريم الظلم، (ح/ ٢٥٧٧).
(2) ذكره ابن تيمية، قاعدة في المحبة، ، ص ۱۸۳.
(3) الراغب الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، ص ٥٤٢.
(4) ابن القيم، مدارج السالكين، 3-٢٨.
(5) ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ، 10-١٤٩.
(6) رواه مسلم، (ح/ ٤٩٦٨).
(7) ابن رجب، جامع العلوم والحكم، ص ٧٥.
(8) الزمخشري، الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، ص ٥٠٢.
(9) رواه البخاري، (ح/ ٥٩٤٧).
(10) رواه البخاري، (ح/ ٦٩٨١).
(11) رواه أبو داود، (ح/ ١٤٨١)، والترمذي، (ح/٣٥٥٥)، وابن ماجه، (ح/ ٣٩٦٠).
المصدر
خلاصة كتاب: “لماذا يطلب الله من البشر عبادته؟”، د. سامي عامري.
اقرأ أيضا
اعبدوا الله ما لكم من إله غيره


