عام على سقوط الطغيان

عام مضى على سقوط الطغيان في جزء من الشام، فهل نستطيع تحويل الفرح المؤقت إلى مسيرة رشيدة تضمن الحرية والعدل الدائم؟

الانتصار ليس مجرد حدث يُحتفل به، بل فرصة لإعادة النظر في المسار، وتقييم الأداء، وتحديد الأدوار المطلوبة لبناء مستقبل يليق بالأمة. هل نحن مستعدون لتحويل هذه الفرصة إلى عمل رشيد يضمن استدامة المكاسب ويمنع تكرار الأخطاء السابقة؟

نحو مستقبل يليق بالأمة: من التساؤل النقدي إلى الفعل الراشد

عام على سقوط الطغيان.. عام من الفرح بزوال الإجرام والبغي والظلم والجوَر عن أهلنا في قطعة من الشام الحبيب..

عام على التحرير يحتاج إلى مراجعة حصيلته، مراجعة لا من جهة الساسة فحسب، بل من جهة الدعاة والعاملين في مختلف المجالات المؤثرة.

ودائمًا أقول لمن يسألني: كيف ترى سورية مستقبلا؟ إلى أين تتجه سورية؟

أقول لهم: إنني لا أحب الخوض الاستشرافي كثيرا، بل أحب الإجابة عن سؤال: ماذا نفعل الآن كي نرشّد المسيرة؟ كيف نتجه نحو مستقبل يليق بهذه الأمة في هذا البلد المبارك الطيب؟ كيف نتلافى أخطاء الماضي ونضع ما يحول دون عودة الطغيان والاستبداد؟ كيف نعمل على العودة إلى حياض شريعتنا نهتدي بهديها في جميع مجالات الحياة؟ كيف نتجنّب الوقوع مجدّدا في قبضة التبعية ومخططات الغرب وأجنداته؟ كيف نتجنّب تمزيق البلاد والنزعات الانفصالية؟ وغيرها من الأسئلة العملية لمواجهة الوقائع الراهنة..

بين التشاؤم والتفاؤل: معالم مسيرة عملية لإصلاح الحاضر وبناء المستقبل

وأقول لإخواني المفرطين في التشاؤم: عوضًا عن إطلاق عبارات التخوين والتشكيك اتركوا أثرا يدفع نحو الأمر الراشد، كلٌّ في مساحة تأثيره. واحذروا أن تخوّنوا مسلمًا بغير دليل واضح، أو أن تغسلوا أيديكم من أوضاع ما زالت مساحات التأثير فيها كبيرة جدا، وما زالت ممتلئة بالعاملين المخلصين، وقد أزالت أوضاعًا سابقة كان العمل فيها شبه منعدم والآفاق مغلقة والبغي فاشٍ والبلاد إلى خراب.

وأقول لإخواني المفرطين في التفاؤل: احذروا من رسم سيناريو أحلام عسلية، واحذروا من الثقة المفرطة بأنّ الأوضاع تتجه نحو الأفضل والانعزال عن الفعل والتأثير في الجانب السياسي، فلا بد أن تكون الأمة فاعلة مؤثّرة تأطُر الأوضاع السياسية والعامة على الحقّ والعدل إذا أرادت الوصول إلى أحلام النصر والتمكين والريادة. وإنما أتيتْ الأمة من هنا، بانعزالها عن الشأن العام السياسي.

الدعوة والشأن العام: شراكة ضرورية لحماية المكاسب وبناء الدولة

وأقول لإخواني الدعاة إلى الله: لا يكفي أن تنتشر الدعوة في المساجد والمعاهد الدينية والشوارع كخطاب وعظي أو تزكوي أو عقائدي أو تربوي أو أخلاقي أو فكري أو فقهي أو حديثي أو تحفيظي أو غير ذلك دون الانخراط في الشأن العام على مستوى المجتمع ومؤسسات التعليم والسياسة والاقتصاد، فلا بد للعامل على التغيير أن ينخرط في هذه الجوانب كي يتمكّن من الاتجاه بالمجتمع والدولة نحو برّ الأمان الذي لن يكون إلا في حياض الشريعة.

الدعوة والانخراط المؤسسي: ضمانة استمرار الحرية وبناء المستقبل

إنّ الفرح بحرية الدعوة وانتشار الأنشطة الدعوية أمر جميل، ولكن الحفاظ عليه يتطلّب حتمًا الانخراط في الشأن السياسي عبر الأحزاب وجماعات الضغط والأنشطة المجتمعية وأنشطة التوعية السياسية والمؤسسات التي تقدّم الدراسات والمشاريع والبرامج والمقترحات في مختلف الملفات لحماية هذه الدعوة وهذا المجتمع ومنجزات الثورة على المدى البعيد. والانخراط في المؤسسات التعليمية الرسمية وقيادتها لبناء جيل نظيف القلب والتفكير. والانخراط في المؤسسات الاقتصادية الرسمية والأهلية لبناء قوة اقتصادية تسير نحو الرشد المالي والاقتصادي البعيد عن مسارات الفحش الليبرالي المضلّة التي تفغر فاها واسعًا هذه الأيام.

أسأل الله أن يتمّ على الأمة في سورية نصرها وتحررّها من الطغيان والتبعية والتخلف، وأن يكتب لأهلنا فيها أمرٍ رُشدٍ يعزّ به الإسلام وأهله.

سدّدكم الله وحفظكم من كل ضراء مضرّة وفتنة مضلّة..

المصدر

صفحة الأستاذ شريف محمد جابر، على منصة ميتا.

اقرأ أيضا

المعركة الأكبر والأهم في سوريا الآن

التعليقات غير متاحة