تصميم صور المنشورات 5 1

بذور نخيل ظلت مدفونة تحت الرمال لألفي عام، ثم عادت إلى الحياة ببرعم أخضر يشق طريقه نحو الشمس.. قصة علمية مبهرة، لكن الأكثر إدهاشاً أنها ليست استثناءً، بل هي قانون كوني يتكرر أمام أعيننا كل يوم: أرض ميتة فتُحيى، وحبة يابسة فتنشق، ثم يأتي دورنا لنقف عاجزين أمام السؤال الأبدي: كيف تصنع الحياة نفسها، ونحن لا نملك سوى أن نلمس أطرافها؟

اكتشاف بذور الألف عام

في أوائل الستينات من القرن الماضي، ووسط أنقاض قلعة مسعدة بالقرب من البحر الميت؛ عثر علماء الآثار على جرة فخارية تحوي بعض بذور من سلالة نخيل قديمة جداً تجاوز عمرها الألفي عام.

ظلت هذه البذور مدفونة تحت الركام لقرون حتى صارت بمقاييس البيولوجيا مجرد حبوب يابسة استنزف الزمن منها كل أثر ظاهر للحياة حتى بدت كأنها بقايا حجرية فقدت علاقتها القديمة بالنمو والاخضرار.

المفاجأة: إعادة الحياة بعد أربعين عاماً

بعد أربعين عاماً من هذا الاكتشاف، قرر علماء النبات أن يحاولوا إعادة استنبات هذه البذور..

ثم كانت المفاجأة..

العملية العلمية الدقيقة

حين غُرست البذور الأكثر سلامة في تربة معقمة بعدما خضعت لعمليات دقيقة:

بدأت بترطيبها تدريجياً وببطء شديد باستخدام أجهزة تسخين خاصة لتجنب صدمة الأجنة الخاملة.

ثم نُقعت في محاليل غنية بهرمونات النمو والأسمدة الإنزيمية لتحفيز خلاياها التي احتفظت بالخريطة الوراثية.

البرعم الأخير يعلن العودة للحياة

وفي دفيئة مراقبة بعناية، وُفرت لها المغذيات اللازمة لكسر حالة السبات العميق، حتى استجابت البذور فتشققت القشرة اليابسة، وخرج برعم أخضر يشق طريقه نحو الضوء، لتعود النخلة المنقرضة إلى الحياة بعد سبات دام عشرين قرناً.

دهشة البشر وتقنياتهم

القصة أثارت خيال الكثيرين جنباً إلى جنب مع ذهولهم لمدى ما وصلت إليه التقنيات الزراعية الحديثة والتي نجحت في هذا الإنجاز الحيوي الذي أعاد سلالة ميتة للحياة.

لكن هذا المشهد يتكرر بتفاصيله يومياً ودون تدخل كبير من البشر.. لكن أعيننا المتبلدة التي ألفته ربما لا تلحظ ما فيه من آيات القدرة.

من الأرض الميتة إلى الآية الأولى

(وَءَايَةࣱ لَّهُمُ ٱلۡأَرۡضُ ٱلۡمَیۡتَةُ أَحۡیَیۡنَـٰهَا)[يس:33].

موت الأرض هنا لم يكن نهاية للمطاف.. لقد كان كموناً مؤقتاً ينتظر إشارة البدء.

التراب الجاف المتشقق أعلن نفسه رحماً خصباً يخبئ في أحشائه طاقة الوجود.

الحب الذي يأكلون: الكفاف الأول

(وَأَخۡرَجۡنَا مِنۡهَا حَبࣰّا فَمِنۡهُ یَأۡكُلُونَ) [يس:33].

حبة القمح الجافة التي تسد رمق الجوع المباشر وتكفل مورداً بسيطاً ومباشراً للبقاء.

من الكفاف إلى الوفرة: جنات ونخيل وأعناب

لكن كرم الخالق لا يتوقف عند حدود “الكفاف”..

يتسع المشهد الذي بدأ بأرض ميتة ليتحول إلى وفرة بصرية وذوقية مدهشة:

(وَجَعَلۡنَا فِیهَا جَنَّـٰتࣲ مِّن نَّخِیلࣲ وَأَعۡنَـٰبࣲ وَفَجَّرۡنَا فِیهَا مِنَ ٱلۡعُیُونِ) [يس:34].

  • الماء يشق الصخر.
  • والنخلة تعانق السماء.
  • وعناقيد العنب تتدلى بتصميم بديع متراكب.

ثراء في الألوان والطعوم يخرج من جوف طين أسود أصم.

كسر وهم السيادة البشرية

ثم تأتي الآية التالية لتكسر وهماً آخر من أوهام السيادة البشرية على هذا المشهد المذهل:

(لِیَأۡكُلُوا۟ مِن ثَمَرِهِۦ وَمَا عَمِلَتۡهُ أَیۡدِیهِمۡۚ أَفَلَا یَشۡكُرُونَ) [يس:35].

الإنسان يتحرك فوق الأرض بثقة مالك المصنع.

يحرث، ويسقي، ويجمع المحصول، ثم يتحدث عن “إنتاجه” الزراعي وكأنه هو من اخترع فكرة الحياة نفسها، بينما الحقيقة شديدة الإحراج لغرورنا..

الحقيقة المحرجة: اليد التي تأكل لم تخلق ما تأكله

اليد التي تأكل وتتلذذ، لم تخلق ما تأكله.

أيدينا لم تصنع الثمرة، ولم تبتكر شفرتها الداخلية، ولم تكتب القانون الخفي الذي:

يدفع تلك البذرة اليابسة للانشقاق.

ولا ذلك البرعم الهش ليزحف خارج ظلمات التراب باحثاً عن الشمس.

هامش التدخلات البشرية الضيق

كل ما يملكه الإنسان هو هامش ضيق من التدخلات الصغيرة:

يقلب التربة، وينقل الماء، ويحرس الزرع من الآفات… ثم يقف منتظراً في توتر أمام معجزة لا يملك تشغيلها ولا ضمان استمرارها.

الفلاح والمهندس أمام السر نفسه

الفلاح الذي يحمل سنابل القمح فوق كتفه، والمهندس الزراعي الذي يدير أضخم المزارع الحديثة بأجهزة الري الذكية؛ كلاهما يقفان في النهاية أمام السر نفسه:

كيف تتحول حفنة طين وماء وضوء إلى ثمرة نابضة بالحياة والطعم والرائحة؟

نحن لا نصنع الحياة.. نلامس أطرافها فقط

نتوهم أننا نصنع الحياة حين نحرث الأرض ونلقي البذرة.

والحقيقة أننا لا نملك سوى تهيئة شروط ظهورها.

نحرث، ونسقي، وننتظر.. لكننا لا نستطيع إقناع خلية نباتية واحدة بالانقسام، ولا نملك أسرار التحول الغامض الذي يدفع جسداً يابساً إلى الانشقاق والاخضرار من جديد.

أفلا يشكرون؟

لهذا جاءت خاتمة الآية واضحة في بساطتها:

(أَفَلَا یَشۡكُرُونَ)

المشكلة لم تعد في نقص الأدلة، بل في اعتياد المعجزة حتى صارت مألوفة، فقل الشكر أو انعدم.

اعتياد المعجزة: قتل الدهشة

الإنسان يمكنه أن يقف مبهوراً أمام هاتف جديد أو برنامج ذكاء اصطناعي يركب الصور، لكنه يمر يومياً بجوار شجرة تحمل مئات الثمار الخارجة من قطعة خشب صامتة دون أن يشعر بشيء.

لقد اعتدنا المعجزة حتى فقدنا القدرة على الدهشة.

القانون الأعمق: سر الزوجية في الكون

ثم ينسحب المشهد من التفاصيل الأرضية إلى القانون الأعمق الذي يمسك بتلابيب الوجود..

(سُبۡحَـٰنَ ٱلَّذِی خَلَقَ ٱلۡأَزۡوَ ٰ⁠جَ كُلَّهَا مِمَّا تُنۢبِتُ ٱلۡأَرۡضُ وَمِنۡ أَنفُسِهِمۡ وَمِمَّا لَا یَعۡلَمُونَ) [يس:36].

الزوجية تشمل كل شيء

قاعدة “الزوجية” تشمل كل شيء:

الذكر والأنثى في البشر والمخلوقات الحية.

الطلع والمتاع في النباتات.

الموجب والسالب في الكهرباء.

حتى المادة والمادة المضادة في أعمق طبقات الكوانتم.

قانون الافتقار: حقيقة الكون

كل عنصر في هذا الوجود يحمل في داخله احتياجاً إلى ما يكمله، وكأن الكون كله مبني على حقيقة النقص والحاجة والتكامل.

أنت محاط بقانون الافتقار أينما وليت وجهك..

الخاتمة العظمى: التفرد المطلق للخالق

ولتعلم يقيناً أن التفرد المطلق، والغنى الكامل عن الشريك المكمل.. بل الكمال المطلق الذي لا يحتاج إلى شيء خارج ذاته = لا يليق إلا بواحد أحد هو من يهيمن ويدبر شأن هذا الوجود.. كله.

المصدر

صفحة د. محمد علي يوسف، على منصة ميتا.

اقرأ أيضا

القرآن والوجدان .. ظاهرة الموت والحياة

التعليقات معطلة