منذ 1975 صار ملف الصحراء الغربية الملف المحوري والجوهري في الصراع الجزائري المغربي، فبين المغرب الذي يعتبر الصحراء الغربية جزءا من وحدته الترابية، والنظام الجزائري الذي يدعم استقلال الصحراء وتقرير مصير شعبها، قامت العديد من المواجهات العسكرية القاسية…
من إرث الاستعمار إلى البعد الأمني: محطات تأجيج الصراع الجزائري المغربي
يمكن رد الصراع الجزائري المغربي إلى خمسة أصول كبرى نجدها وراء عدة صراعات سياسية تاريخية في العالم:
الأصل الأول: إرث الحدود الاستعمارية.
كانت الجزائر بعد استقلالها من الدول التي تبنت خيار الإبقاء على الحدود الاستعمارية في إفريقيا، لأن إعادة رسمها من جديد سيدخل القارة الإفريقية في صراعات لا آخر لها، لأنه لا يمكن الاتفاق على أسس واضحة لاعتماد الحدود التاريخية التي قد يطالب بها كل طرف، فلم يكن من حل واقعي وعملي سوى اعتماد الحدود التي تركها الاستعمار، ولكن هذا الأخير لم يترك حدودا افتراضية فقط بل ترك في حقيقة الأمر أسوارا وحواجز نفسية بين هذه الدول، وبسبب إرث الحدود الاستعمارية قامت حرب الرمال بين المغرب والجزائر، والتي كانت شرخا عظيما في علاقات البلدين لم يتمكنا من تجاوز آثاره إلى اليوم.
الأصل الثاني: اختلاف طبيعة النظامين.
الجزائر نشأت كنظام جمهوري ثوري اشتراكي بخطاب مناهض للاستعمار، بينما النظام المغربي بقي امتدادا تاريخيا للسلطة التي حكمت المغرب منذ قرون، والأنظمة الاشتراكية كانت ترى الأنظمة الملكية أنظمة رجعية، فكانت ليبيا القذافي الاشتراكية مثلا من أشد الأنظمة عداء للنظام المغربي، بينما رأت الأنظمة الملكية في الأنظمة الثورية الاشتراكية خطرا على عروشها، فاحتمت بمظلة المعسكر الغربي، إذن البعد الآيديولوجي كان عاملا مهما في الصراع، وكانت الجزائر تؤوي الكثير من المعارضين اليساريين المغاربة، وبدوره النظام المغربي آوى معارضين جزائريين.
الأصل الثالث: السياق الدولي .. من الحرب الباردة إلى اتفاقيات أبراهام!
الصراع الجزائري المغربي هو صورة من صور الصدام بين المعسكر الشرقي الذي كانت تميل إليه الجزائر والمعسكر الغربي الذي تقارب معه المغرب، يمكن إضافة ليبيا إلى هذا الصراع، إذ كان القذافي متحمسا أكثر من هواري بومدين لإسقاط نظام الحسن الثاني، حتى أنه لما فشلت محاولة انقلاب الصخيرات ضد الملك المغربي سنة 1971 استأذن القذافي الرئيس بومدين في مرور القوات الجوية الليبية عبر الأجواء الجزائرية لقصف قصر الصخيرات لكن بومدين رفض ذلك، فالسياق الدولي أيام ثنائية القطبية لعب دورا كبيرا في تأجيج الصراع.
اليوم تلعب أمريكا والكيان الصهيوني الذي أعلن المغرب عن تطبيع العلاقات معه سنة 2020 رسميا مقابل الاعتراف الأمريكي بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية، وأمام التعاون الأمني والعسكري الكبير بين النظام المغربي والكيان الذي بلغ مستويات غير مسبوقة استشعرت الجزائر الخطر على أمنها القومي أكثر من أي وقت مضى، بالإضافة إلى الاعتراف الإسباني بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية والذي زاد من حدة التوترات باعتبار إسبانيا هي المستعمر السابق للصحراء ولا تزال تضطلع بمهام دولية تجاه هذا الإقليم المتنازع عليه، وختاما بفرنسا التي انحازت هي الأخرى إلى الموقف المغربي، كل هذه الأطراف الدولية زادت في تأجيج الصراع والنزاع.
الأصل الرابع: صراع النفوذ الإقليمي.
منذ 1975 صار ملف الصحراء الغربية الملف المحوري والجوهري في الصراع الجزائري المغربي، فبين المغرب الذي يعتبر الصحراء الغربية جزءا من وحدته الترابية، والنظام الجزائري الذي يدعم استقلال الصحراء وتقرير مصير شعبها، قامت العديد من المواجهات العسكرية القاسية، ورغم أن الجزائر تردد عبر الرواية الرسمية أنها ليست طرفا في الصراع، وأنها مجرد عضو مراقب، إلا أنها تعتبر فعليا أن بسط السيادة المغربية على الصحراء فيه خطر على أمنها القومي، وظل البَلَدان منذ ذلك الوقت في صراع على فرض رؤيتيهما على المنطقة حسب موقف كل منهما من النزاع، فيتم التقارب والتباعد في العلاقات الثنائية مع الدول الأخرى من خلال مقاربة مواقف الدول الصديقة والشقيقة من هذا النزاع، حتى أن الملك المغربي محمد السادس قالها صراحة بأن المغرب سيعيد النظر في علاقاته الدولية بمنظار الموقف من قضية النزاع الصحراوي.
الأصل الخامس: البعد الأمني الحديث.
ويتمثل في إغلاق الحدود البرية منذ 1994، وسباق التسلح، وحروب الجوسسة، خصوصا بعد التطبيع المغربي الصهيوني، والذي تعده الجزائر من أكبر المخاطر على أمنها القومي، إذ تعتبر الجزائر رسميا في القوانين الصهيونية دولة معادية.
أتصور أن هذه الأصول الخمسة هي الدافعة بشكل أكبر لتأجيج الصراع بين البلدين، قد تكون هناك شواهد أخرى ولكن تظل في رأيي هذه الأصول هي المهيمنة على تفسير الصراع الذي تدفع المنطقة المغاربية ثمنه، شللا في الاقتصاد، وعرقلة في تنقل الأشخاص والبضائع، وابتعادا كل يوم عن حلم الوحدة والاندماج الحقيقي، والتكتل الاقتصادي في وجه التكتلات الأخرى خاصة الاتحاد الأوروبي، خسرت الدول المغاربية الكثير من الأموال والأنفس وعجزت عن الاستثمار في العامل البشري، وظلت شعوبها تعاني تأخر التنمية والفقر والغرق في الصراعات والنزاعات التاريخية، والعجز عن التطلع للمستقبل والمضي نحوه.
المصدر
صفحة ياسين إعمران، على منصة ميتا.


