تصميم صور المنشورات 19

لما عجز الاحتلال عن صدّ القلوب المؤمنة، حوَّل منعَ الأجسادِ عن البيت العتيق إلى حجٍّ أسمى تُطاف فيه دماء الشهداء وتُلبّى فيه خشخشة الرصاص.

الحرمان من الحج

أراد الكيان الصـــــــهيوني أن يحرم أهل غـــ..ــــزة من الحج، فأغلق في وجوههم السبل، وقطع عليهم الطريق إلى البيت العتيق، فلم يفد منهم أحد إلى مكة، ليحرمهم من أداء المناسك ومن احتضان الأمة لهم في موسمها الأعظم، في الشهر الحرام الذي تُصان فيه الدماء والحرمات. غير أن المحتل، الذي لا يعرف للحرمة قداسة، ولا للعهد وفاء، لم يدرك أن منع الغزيين من بلوغ البيت الحرام لا يحرمهم أجر الحجيج، بل لعلهم أدركوا من معاني الحج ومقاصده ما لم يدركه كثير ممن بلغوه. وكيف لا، وغـــــــزة قد أقامت مناسك الحج نيابة عن أبنائها، بل ونيابة عن أمة أثقلتها الجراح، وقيدتها الحدود والأسوار؟

غزة قبلة الأحرار

وكيف لا، وهي المحاصرة التي تحولت إلى قبلة لأحرار العالم، يشدون إليها الرحال برا وبحرا، لا طلبا لدنيا ولا سعيا وراء متاع، بل لكسر حصار أراد له الظالمون أن يكون قدرا، فأبى الأحرار إلا أن يجعلوا منه قضية، وأبى الله إلا أن يجعل منه امتحانا للضمائر وميزانا للمواقف.

مناسك غزة

وكيف لا تكون قد حجّت، وقد أقامت مناسكها بإخلاص وصدق وإقبال قل نظيره؟

فإحرامها كان أكفان شهدائها، تُزفّ في مواكب متتابعة نحو السماء، فاكتست غـــــــزة البياض، وإن خضبته دماء حمراء طاهرة، هي حمرة القلب المؤمن النابض بالحياة واليقين.

الهدي: دماء الأبناء قرابين لله

وأما هديها وذبيحتها، فكانت ما قدمته قربانا من فلذات أكبادها ودماء أبنائها الزكية. قدمت عشرات الآلاف من الشهــــــداء قربانا بين يدي ربها، فقدم الآباء أبناءهم، وقدم الأبناء آباءهم، وودعت الأمهات فلذات أكبادهن، واحتسب الأزواج أزواجهم، وكلهم يرفعون أكف الضراعة وقلوب الرضا قائلين: الله أكبر، الله أكبر، هذا منا يا رب حتى ترضى.

التلبية: صمود ويقين لا ألفاظ

وأما تلبيتها، فلم تكن ألفاظا تتردد على الشفاه، بل كانت موقفا وثباتا وصبرا ويقينا. لبّتها القلوب قبل الألسن، والجوارح قبل الكلمات، ولبّاها الرجال والنساء، والشيوخ والأطفال، ولسان حالهم جميعا: لبيك اللهم لبيك، لبيك وإن أثخنتنا الجراح، لبيك وإن ضاق بنا الحصار، لبيك وإن تكالب علينا الأعداء، لبيك وإن خذلنا العالم، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك.

الله أكبر من جبروت المحتل

وأما التكبير، فقد تعالى في سمائها نداءً، وتجسد على أرضها فعلا، حتى أرت العالم كيف يكون الله أكبر في قلوب أبنائها من جبروت المحتل، وأكبر من طائراته ودباباته، وأكبر من حصاره ونيرانه، وأكبر من كل قوة توهمت أن بإمكانها كسر إرادة شعب آمن بالله واستمسك بحبله.

السعي بين الركام والدموع

وأما السعي، فقد سعاه أبناء غـــــــزة بين شمالها وجنوبها، فرادى وجماعات، جوعى وعطاشى، يحملون أرواحهم على أكفهم، ويشقون أرضهم المكلومة بحثا عن مأوى آمن، أو جرعة ماء، أو لقمة حياة، في سعي لا بين الصفا والمروة، بل بين الركام والدموع، وبين الخيام والأطلال.

رجم شيطان الاحتلال بالصواريخ والعار

وأما رجم الجمار، فقد رجم أبطالها الشيطان الأكبر براجمات الصواريخ وقاذفات الشواظ، ورجمت نساؤها وأطفالها شياطين الإنس الصامتين عن الحق بما قذفوا به في وجوههم من عار أخلاقي وفضيحة إنسانية كشفت زيف دعاوى الحرية وحقوق الإنسان.

الوقوف على صعيد غزة الموحّد

وأما الوقوف بعرفة، فقد وقفت غــــــزة كلها على صعيد واحد؛ لا فرق بين قائد وجندي، ولا بين غني وفقير، ولا بين رجل وامرأة. جمعتهم المحنة ووحدتهم القضية. فعرفوا الله في الشدة كما يُعرف في الرخاء، وعرفهم الله بصدق التلبية والثبات، وعرفهم العالم بصمودهم الأسطوري، كما عرف العالم نفسه في مرآة عجزه وخذلانه، إلا من بقي من الأحرار أوفياء للحق والإنسانية.

طواف غزة: 700 يوم من الفداء

وإذا كان الحجاج يطوفون حول الكعبة سبعة أشواط، فإن غــــــزة قد طافت منذ السابع من أكتوبر في طـــــــوفان الأقـــــــصى، حول معاني الفداء والتضحية والجــــــهاد والصبر، في طواف لم ينقطع لأكثر من سبعمائة يوم، قدمت خلاله سبعين ألف شهـــــيد. لقد طافت أرواح أهلها بالبيت العتيق شوقا وحنينا، وطافت أجسادهم حول الأقـــــــصى رباطا وذودا وفداء، دفاعا عن الأرض المباركة التي يفتدون كل ذرة من ترابها بالأرواح والدماء، ويقبلون ثراها لا تعظيما للحجر والتراب، وإنما تعظيما لمن بارك الأرض ومن حولها، وإجلالا لقدسيتها التي أودعها الله فيها. فلا يرضون التفريط في شبر منها، ولو كان ثمن الثبات عليها المهج والأرواح، ولا يساومون على حبة رمل من ثراها ولو سالت في سبيلها بحار من الدماء. وهم يرددون بلسان الحال قبل المقال: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك.

غزة تجدد العهد للأقصى والأمة

وفي كل جولة من جولات هذا الطواف الممتد، كانت غــــــزة تجدد العهد مع الله، وتكتب بدماء أبنائها أن للأرض المباركة رجالا يحرسونها، وأن للأقــــــصى أمة قد تنام، لكنها لا تموت، وقد تُخذل، لكنها لا تستسلم.

كيف لا يتقبل الله من دمٍ ودموع؟

فكيف لا يتقبل الله تلبية امتزجت بالدمع والدم، وبالصبر والألم، وباليقين والثبات؟ وكيف لا يتقبل من قوم جعلوا من آلامهم عبادة، ومن صمودهم شهادة، ومن تضحياتهم قربانا يتقربون به إلى الله؟ وكيف لا يتقبل من شعب أثبت للعالم، في كل يوم من أيام محنته، أن غــــــزة ليست مجرد أرض تقـــــاوم، بل روح أمة تأبى أن تموت، وقبلة أحرار ما زالوا يؤمنون أن للحق رجالا، وأن بعد العسر يسرا، وأن مع الدم المراق فجرا يوشك أن يولد؟

غزة تعيد تعريف مناسك الحج

وكيف لا يتقبل الله منها، وقد علّمت الأمة من جديد أن الكعبة قبلةُ الصلاة، وأن الأقـــــــصى قبلةُ الجــــــهاد والرباط، وأن طريق تحرير المقدسات يُعبَّد بالتضحيات والبذل، والسعي القاصد في دروب الحق، والوقوف الدائم بين يدي الله صدقا وتضرعا، والرجم المتواصل لشياطين الإنس والجن مقاومة ومجاهدةً، والطواف الشامل على خصال الخير وشُعب الإيمان عدلا وإحسانا.

وكيف لا يتقبل الله من قوم صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فجعلوا من آلامهم عبادة، ومن صبرهم رباطا، ومن دمائهم نورا يهدي الحائرين إلى طريق العزة والكرامة.

الصابرون يوفَّون أجرهم بغير حساب

فعسى أن يُفيض الله عليهم من واسع فضله، وأن يرويهم بعد ظمأ الحصار من معين نصره، وأن يسقيهم وإيانا من يد نبيه ﷺ شربة هنيئة مريئة من حوضه الشريف، لا نظمأ بعدها أبدا، يوم يوفَّى الصابرون أجرهم بغير حساب.

المصدر

مجلة منار الإسلام،  د. عبد الصمد فتحي.

اقرأ أيضا

غزة الصابرة والسنن الإلهية

التعليقات معطلة