تتشابك المواقف السياسية سريعًا… لكن أيُّ طريق يبقى آمنًا حين تلتقي القرارات بالدماء والعقيدة؟
مع التعقيدات التي تحيط بالساحة السورية، تبدو القرارات المصيرية محمَّلة بتبعات شرعية وسياسية لا يمكن تجاهلها. ودخول أي تحالف خارجي ليس خطوة عابرة، بل مسار يحتاج إلى بصيرة، ووزن دقيق لمآلاته، والنظر في حدوده بين الضرورة والانحراف.
تصويرُ النازلة وسؤالُها
بسم الله الرحمن الرحيم
في نوفمبر 2025 قامت الحكومة السورية ممثلة في رئيس الدولة أحمد الشرع ووزير الخارجية أسعد الشيبانيّ بالموافقة على الدخول في التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)؛ مما قد يترتب عليه التشارك مع كفار في قتال مسلمين، فالدواعش بالرغم من ضلالهم وظلمهم وغشمهم ليسوا كفارًا.
معلوم أنّ التحالف الدولي كان قبل دخول سوريا مكونًا من 89 دولة أغلبها من الدول غير المسلمة، وعلى رأسها الدول الكبرى الأكثر حربًا على الإسلام وأهله، ومن المعلوم كذلك أنّ هذا التحالف تم تشكيله ضد ما أسموه الإرهاب، وهو مصطلح لم يعرف تعريفًا صحيحًا، مما يجعله عرضة لتفسير أكابر المجرمين له على وفق أهوائهم وما يشتهون.
وهذا قد يعرض الحكومة السورية للدخول طوعًا أو كرها في حرب ضد مسلمين؛ لمجرد أنّهم مقاومون للاحتلال أو لأنّهم ثائرون على الظلم والاستبداد؛ فهل يجوز هذا الصنيع من حكومة جاءت على ثبج ثورة إسلامية وجهاد إسلاميّ؟ وما النصيحة التي يجب توجيهها للحكومة السورية؟
التكييف الشرعيّ لواقع النازلة
الحمد لله .. والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد
فإنّه قد يُنظر إلى هذا التصرف على أنّه استعانة بالكفار على مسلمين خوارج، وقد ينظر إليه على أنّه تحالف مع الكفار لقتال فرقة من الغلاة الخارجين، وقد ينظر إليه على أنّه استعانة من الكفار بالمسلمين على قتال مسلمين خوارج، وهذا هو النظر الظاهر الراجح.
فأمّا التكييف الفقهيّ حسب النظر الأول فهو استعانة بأهل الشرك والكفر على أهل البغي؛ لأنّه لَدَى التحقيق وُجد أنّ أكثر الفقهاء لم يفرّقوا في أكثر الأحكام بين قتال الخوارج وقتال البغاة، وبناء على هذا فإنّ جمهور أهل العلم من المالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية على أنه لا يجوز أن يستعان بالكفار على أهل البغي من المسلمين.
أما الحنفية فلهم تفصيل في هذه المسألة، وهو أنه إن كان لأهل العدل حاجة إلى الاستعانة بهم وكان حكم الإسلام هو الظاهر جاز وإلا لم يجز، فالأصل عندهم عدم الجواز إلا إذا دعت إلى ذلك حاجة وكان حكم الإسلام هو الظاهر؛ ولولا هذا الاستثناء البسيط في مذهب الأحناف لكانت كلمة المذاهب متفقة على المنع.
وأما التكييف الفقهيّ حسب النظر الثاني فهو تحالف بين قوى مسلمة وقوى غير مسلمة، على قتال مسلمين – وإن كانوا خوارج مبتدعة – والذي يترجح من أقوال العلماء هو أنّ التحالف بين مسلمين وغير مسلمين من المسائل الخاضعة لقواعد السياسة الشرعية، وقد فهم العلماء من مجموع الأحاديث أن العبرة بالأمر المتحالف عليه لا بذات التحالف، لكنّ العلماء اشترطوا لجواز التحالف شروطًا، أهمّها: ألّا يكون التحالف ضدّ مسلمين، وأن يكون المتحالف عليه مما لا يخالف الشرع، وأن تكون الحاجة داعية إلى ذلك؛ لأنّ الأصل عدمه، وأن يكون الحلفاء ممن يؤمن جانبهم، وألا تكون راية الكفر غالبة.
وأمّا التكييف الفقهي حسب النظر الثالث فهو أنّه من قبيل المظاهرة، أي مظاهرة الكافرين على المسلمين، وقد أجمع العلماء على التحريم، بل وعلى كفر من فعل ذلك، للآيات الكثيرة الناهية عن موالاة الكافرين في سُوَر المائدة والممتحنة والمجادلة والتوبة والنساء وآل عمران وغيرها، كقوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) الآية (المائدة: 51)، وقوله عزّ وجلّ: (لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ) الآية (آل عمران: 28)، مع ما حملته الآيات من معاني تؤكد أنّ من اتخذ الكفار أولياء فهو منهم وليس من الله في شيء، ومعلوم أنّ مظاهرة الكافرين على المسلمين – ولو كانوا خوارج – هي ذروة الولاء للأعداء؛ فتحريمها يصل لحدّ الكفر المخرج من الملة.
الحكم الشرعي في النازلة
وبناء على ما سبق فإنّه – على الاحتمالات الثلاثة السابقة – لا يجوز للحكومة السورية، الدخول في التحالف الدولي ضدّ (داعش)، ويجب عليها أن تقوم بنفسها بالتصدي لفتنة الدواعش ولو أدّى ذلك إلى قتالها قتالًا كقتال الخوارج، فعلى الاحتمال الأول لا يجوز لأنّ جماهير الفقهاء على المنع ابتداء، والحنفية اشترطوا ألا تكون راية الكفر ظاهرة وهي هنا ظاهرة بلا ريب، وعلى الاحتمال الثاني لا يجوز لأنّ شروط الجواز لم يتوافر منها شرط واحد، وعلى الاحتمال الثالث – وهو الراجح – لا يجوز لأنّ الإجماع منعقد على حرمة مظاهرة (إعانة) الكافرين على المسلمين، هذه الحكم إذا كانت المواجهة ضدّ الدواعش المجرمين، وأمّا في مواجهة غير الدواعش من المسلمين فالحكم أظهر والتحريم والتجريم أكبر.
هذا هو الحكم الشرعي في حال قدرة الحكومة السورية على اتخاذ هذا الموقف، أمّا في حال الضعف والاضطرار فإنّه يجوز لها الدخول شكلًا فقط في هذا التحالف، أي الدخول سياسيًّا على نيّة عدم المشاركة بالفعل وعدم الانخراط في المضمون إلا بالقدر الذي يكون شكليًّا وصوريًّا ولا يقع به ضرر للمسلمين من جهتها، ومعلوم أنّ حال الضعف والاضطرار ليس كحال القدرة والاختيار.
وقد وضعت الشريعة قواعد تنظم حال الضرورة، فينبغي على الحكومة السورية أن تراجع في ذلك مجلس الشورى الخاص بها، وأن تشرك علماء سوريا في تقدير الموقف؛ فإن وُجد من خلال الشورى أنّ حال الضعف والاضطرار متحقق في الحالة السورية عملوا بمقتضاه، فشاركوا صوريّا وسياسيًّا لا فعليًّا، وذلك وفق القواعد الحاكمة، مثل: “الضرورات تقدر بقدرها” ومعناها أن المحظور الذي يباح للضرورة لا تكون إباحته مطلقة وإنما يباح من هذا المحظور ما يكفي لدفع الضرورة ورفع الحرج دون زيادة، ومنها: “ما جاز لعذر بطل بزواله” ومعناها أن إباحة المحظور مقيد بمدة قيام الضرورة فإذا سقط العذر بزوال الضرورة عاد المحظور الذي أبيح للضرورة إلى مكانه.
أمّا المشاركة الفعلية مع الكفار في قتال مسلمين ومظاهرتهم على ذلك فلا تسمع فيها دعوى الضرورة من الأصل؛ لأنّه لا إكراه في قتل النفس المؤمنة .. والله أعلم.
المصدر
هيئة الإفتاء في نوازل الأمة العامة


