فتوى 14 حكم إسقاط الجنسية عن المواطنين

تصويرُ النازلة وسؤالُها

بسم الله الرحمن الرحيم

في الوقت الذي ينزعج فيه المسلمون من الإجراءات التعسفية العنصرية التي يقوم بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه المهاجرين – ولاسيما المسلمين منهم – مِنْ طردٍ وتهجيرٍ وإسقاطٍ للجنسيات وغير ذلك، وفي جوِّ الخوفِ الذي ينتاب الكثيرين من المسلمين الذين يعيشون في الغرب من انتقال هذه العدوى إلى سائر البلدان مع صعود اليمين وتنامي النزعة العنصرية، وفي ظرفٍ تاريخيٍّ صعْبٍ يعاني فيه الكثيرون من أبناء الأمة المخلصين الغربة والتشرّد بسبب عسف الأنظمة الظالمة؛ في ظلّ هذه الظروف الاستثنائية يتفاجأ العالم الإسلاميّ بقرارات الكويت بسحب الجنسيات عن كثير من المواطنين.

وتقدّر أعداد الذين صدرت قرارات بسحب جنسيّاتهم بعشرات الآلاف، هذا سوى الذين ستنطبق عليهم القرارات بالتبعية، من أزواج وأولاد وأحفاد لكل من أسقطت جنسياتهم؛ مما ترتب عليه أضرار جسيمة على شريحة واسعة من المواطنين؛ بلا ذنب جنوه ولا إثم تلبسوا به، فما حكم الشرع في هذه الإجراءات التعسفية الاستثنائية، التي صدرت في ظروف غامضة غاب فيها البرلمان عن المشهد السياسيّ بقرار سياسيّ منفرد من أمير الكويت، وتقلّص فيها دور القضاء إلى درجة تقترب من الغياب التام، إضافة إلى أنّ هذه القرارات قد اتخذت فجأة، وبأثر رجعيٍّ عميق ضاربٍ إلى الماضي السحيق؟

التكييف الشرعيّ لواقع النازلة

الحمد لله .. والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد ..

أولًا

الأصل القديم الذي فطر الله عليه العباد أنّ الإنسان – جنس الإنسان – خُلِقَ مكرّمًا مفضلًا محمولًا في البر والبحر بعناية الله، قال الله تبارك وتعالى: (وَلَقَدْ ‌كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلاً) (الإسراء: 70)، وأنّ الله سخر له الأرض وذللها له؛ ليطأ أكتفها ويرتاد أكنافها: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً ‌فَامْشُوا ‌فِي ‌مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) (الملك: 15)، وإذا كان الناس قد اختلفوا بعد ذلك فتعددت دورهم بتعدد مواقفهم فيجب ألّا يأتي هذا الأمر الطارئ على الأصل القديم بالإبطال؛ ومن هنا نشأ حقّ الإنسان في الهجرة والتنقل والتجنس بجنسية تحميه وتحفظ حقوقه، فالجنسية حق أصيل وليست منحة محضة، وانعدام الجنسية يُعدّ انتهاكًا خطيرًا لحقوق الإنسان التي قرّرها الشرع قبل جميع المواثيق الدولية، التي صدّعوا بها رؤوس الخلق.

ثانيًا

الأصل أنّ بلاد الإسلام دارٌ واحدة، وأنّ المسلم من حقه أن يحمل جنسية وهوية هذه الدار كلِّها بجميع أقطارها وأمصارها، قال تعالى: (إِنَّمَا ‌الْمُؤْمِنُونَ ‌إِخْوَةٌ) (الحجرات: 10)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الْمُؤْمِنُونَ ‌تَتَكَافَأُ ‌دِمَاؤُهُمْ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، أَلا لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ، وَلا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ» (رواه أبو داود في سننه برقم 2751 ةابن ماجة برقم 2689 وأحمد برقم 960)، وقال: «الْبِلَادُ بِلَادُ اللَّهِ، وَالْعِبَادُ عِبَادُ اللَّهِ، فَحَيْثُمَا أَصَبْتَ خَيْرًا فَأَقِمْ» (رواه أحمد في مسنده برقم 1366)، بل إنّ الله تعالى سدّ باب الذريعة بالتوسعة على العباد فقال: (أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ ‌واسِعَةً ‌فَتُهاجِرُوا فِيها) (النساء: 97)، ووعد بأنّ أرضه يورثها لعباده المؤمنين، فقال: (إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ ‌مِنْ ‌عِبادِهِ ‌وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (الأعراف: 128)، فالأصل أنّ المؤمنين أخوة وأنّهم أمة واحدة، وأنّ دارهم واحدة، وأنّ كلَّ بلاد الإسلام بلدٌ واحد، وأنّ المؤمنين تتكافأ دماؤهم ومن باب أولى تتكافأ هويّاتهم وجنسيَّاتهم.

فإذا كان قد طرأ على هذا الأصل تقسيمٌ في (سايكس/بيكو) على يد قوم لا ولاية لهم على المسلمين؛ فإنّ هذا التقسيم في نظر الشريعة باطل، وجميع ما ترتب عليه باطل، فإنْ لم تستطع الأمةُ دفع هذا الباطل؛ فعلى الأقل يجب ألا يترتب عليه بطلان حقّ المسلم في الحلول بأيّ بلد من بلاد الإسلام شاء، والتجنس بجنسيّته وحمل هويّته، وإذا كانت الخلُوف التي جلست على عروش تلك البلاد تروم التنظيم وتنشد الترتيب بما لا يلحق بالناس الضرر؛ فيجب ألّا تؤدي الإجراءات إلى إبطال الأصل عن طريق إسقاطِ جنسيّاتٍ سبقَ الحصولُ عليها من زمنٍ وعاش الناس دهرَهم يحتمون بها.

ثالثًا

يقول الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ ‌بِالْعَدْلِ ‌وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (النحل: 90)، وإنّ من العدل والإحسان وإيتاء ذي القربى إقرارُ المجنّسين على جنسيّاتهم وهويّاتهم التي اكتسبوها، وإنّ من الفحشاء والمنكر والبغي أن نسلب مسلمًا جنسيةً تجنّس بها واحتمى بحماها، ولاسيما إذا كان مضطهدًا في بلده الأصليّ أو مطاردًا من حكومات ظالمة، وإذا كانت مقاصدُ الشريعةِ الثابتةُ بالاستقراء التام لشريعة الإسلام قد قضت بضرورة حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال؛ فإنّ نَزْعَ الجنسية عن المسلم يجعل كلَّ هذه المقاصد عرضة للإهدار، وقد تواتر في أحكام الشريعة تحريمُ الضرر والضرار؛ وبنى العلماء على ذلك هذه القاعدة الجامعة الراسية: (لا ضرر ولا ضرار)؛ وأيّ ضرر أشد وأعنف من نزع الجنسية عن المسلم؟ بما يترتب عليه من أضرار على أمنه وعيشه واستقراره.

رابعًا

من القواعد الحُكْمِيّة المعلومةِ من الشريعة بالاستقراء التامّ (منعُ التعسف في استعمال الحقّ)، وعندما يقوم حاكم بإسقاط جنسيّات قديمة بإجراءات تعسفية بعيدة عن يد القضاء العادل، وفي ظل غياب البرلمان؛ فإنّ هذه الإجراءات – مهما تذرعت بدعوى الصالح العام – تُعَدُّ من قبيل التعسف في استعمال الحقّ، هذا إن ثبت أنّ هذا الحقٌّ له، وأنّه الموكل من الأمة شرعًا بحماية هذا الحقّ، وأنّ شرعيته تخوله فعل ذلك، وهذا أمرٌ دُونَهُ وطءُ الأحكام ووأدُ الشرائع وإهدارُ أقوال علماء الأمة قديمًا وحديثًا.

خامسًا

تُعدّ الجنسية وحرية التنقّل من أكثر القضايا التصاقًا بكرامة الإنسان ووجوده القانوني والاجتماعي، فالجنسية ليست مجرد ورقة تعريف، بل هي رابطة قانونية وسياسية تحدد علاقة الفرد بالدولة، وتترتب عليها حقوق وواجبات أساسية، والهجرة والتنقّل تعبير عن حاجة إنسانية أصيلة، ارتبطت بالأمن والرزق والحرية، والإسلام يصون ذلك كلّه ولا يقر إهداره، والشريعة بأحكامها ومقاصدها تمنع من مصادرة هذه الحقوق.

الأحكام الشرعية المتعلقة بالنازلة

أولًا

لا يجوز لحاكم أن يسقط الجنسية عن مسلم، فإذا كان المسلم قد ارتكب أخطاءً – ولو في إجراءات الحصول على الجنسية – فإنّ لهذه الإشكالية حلول في شريعة الله العادلة، أمّا أن يتم سحب جنسيته فهذا لا يجوز ألبتّة، ويجب على من فعل هذا أن يتراجع عن قراراته، ويقدّم الاعتذار لمن أوقع عليهم هذا الضرر الجسيم؛ فإنّ الحق قديم لا يبطله شيء، ومراجعة الحقّ خير من التمادي في الباطل، وليعلم الأمراء والحكام – سواء حكموا بحق وشرعية أو بباطل و(بلطجة) – أنهم موقوفون أمام الله؛ فليتقوا الله، وليتقوا يومًا لا يغني عنهم سلطانهم من عذاب الله من شيء.

ثانيًا

لا يجوز للمسلمين القاطنين في بلد تقوم حكومتها بإجراءات تعسفية كهذه أن يتعاونوا مع الحكام على الإثم والعدوان، بالإبلاغ أو التحريض أو التبرير أو ما شابه ذلك، بل يجب عليهم – ولاسيما أهل العلم منهم – أن ينكروا هذا المنكر الكبير، ومن باب أولى يجب على الشعوب أن تأمر الحكام بالمعروف وتنهاهم عن المنكر، وأن تأخذ على أيديهم وتكفّهم عن الظلم، وألا تفرط في المؤسسات التي تحرز البلاد والعباد من جنون الحكام حين ينفردون بالسلطة دون السلطات الأخرى؛ فإنّ الانفراد بالسلطة يغري بالظلم.

ثالثًا

يجب على أصحاب الحقّ ألا يستسلموا، وعلى إخوانهم من المسلمين أن يعاونوهم، فإن تظاهروا أو اعتصموا أو مارسوا حقهم في الاعتراض بأي وسيلة لا تضرّ بالمجتمع وجب على المسلمين أن يقفوا معهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «‌المُسْلِمُ ‌أَخُو ‌المُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ» (متفق عليه البخاري (6951) ومسلم (2580))، وينبغي أن يكثروا من الدعاء والاستغاثة ويحسنوا التوكل على الله.

وأخيرًا

وأخيرًا ندعو الأمة الإسلامية إلى الاعتصام بحبل الله، والالتفاف حول العلماء الصادقين، والسعي معهم في إقامة الدين، وفق مشروع إسلاميّ واضح المعالم؛ حتى ينمحي الظلم ويسود العدل، والله وليّ التوفيق.

التعليقات معطلة