حالة مجموعة ياسر أبو شباب

يبدو الخطر أحيانًا صارخًا، لكنه في الحقيقة قد يكون وهمًا.
فهل كل ورقةٍ يلوّح بها العدو تمثل تهديدًا حقيقيًا، أم أن الأخطر هو ما لا يُرى؟

في خضمّ الصراع المفتوح، تتبدل الأدوات وتُعاد صياغة الأدوار، لا سيما حين تتقاطع الحسابات الأمنية مع المشاريع السياسية الكبرى. وبين ما يُصنَّف خطرًا مباشرًا وما يُعد تمهيدًا خفيًا، تظهر أسئلة جوهرية حول طبيعة التهديد القادم وكيفية التعامل معه.

لماذا كان “أبو شباب” ورقة قوة وليس تهديدًا؟

حين ظهر اسم ياسر أبو شباب لأول مرةٍ ذكر لي عددٌ من الإخوة تخوفهم من هذه الحالة الآخذة في التشكل فقلت لهم: إنَّ خطرها يساوي صفرًا بكلِّ ما تحمله الكلمة من معنى، وهي ورقةُ قوةٍ للبلد لا عليه؛ لأنها تضلل العدو عما ينبغي أن يتخذه من التدابير الصحيحة، والعدو معروفٌ بغبائه في تصدير الأدوات التي يعتمد عليها بخلاف الأمريكان والبريطانيين؛ وذلك أنه أظهره في هيئة الجاسوس من أول ساعة، مما يعني أنَّ قبول المجتمع الغزي به ضربٌ من المحال، وهذا عند خاصَّةِ الناس وعامتهم.

طبيعة التهديد: خطر أمني وليس سياسيًا

أما ما يكون من بعض العوام من الركض خلفه في بعض المحطات فمرده الانتفاع مما يمكن أن يأتي به كالطحين وغيره في وقت المجاعة، فهي تبعيةٌ مصلحيةٌ لا تتجاوز الظرف الذي تأتي فيه.

وعلى ذلك؛ فالخطر الذي تشكله هذه الحالة وما شاكلها هو خطرٌ أمنيٌّ لا سياسي، بمعنى أنه لا يمكن أن يشكل حالةً بديلةً في الحكم مثلًا ولكن يمكن للعملاء الذين ينتظمون في هذه الحالة أن ينفذوا عمليات قتل وخطف فضلًا عن تتبع سلوك المقاومة على الأرض وغير ذلك مما يريده الاحتلال.

الأمريكان يدركون هذا إدراكًا جيدًا، وهم من أخبر الناس به، ولهذا قبل نحو أسبوعين خرج تصريحٌ عن أحد الأمريكان خلاصته أنهم ليسوا بحاجةٍ إلى ورقة ياسر أبو شباب في المرحلة المقبلة.

الاختراق من الداخل: حين يتكلم المشروع الأمريكي بلسان الأمة

إنَّ الأمريكان يعمدون إلى أدواتٍ من داخل الأمة الإسلامية تتكلم بلسان الأمة نفسها في أكثر كلامها كالاستشهاد بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وما يتبع ذلك من كلام الفقهاء وأهل التزكية والسلوك، ويمكن أن تكون الأداة المستخدمة تحتل موقعًا علميًّا أو دينيًّا كأن يكون مفتي بلده أو أحد أئمة الحرم أو الدعاة المشاهير؛ وذلك أن هؤلاء يحسنون أن يتكلموا مع الأمة بما تعرف، ويدخلوا على رموز الشيفرة الداخلية لها مع توجيه الناس باتجاه توجهات السلطة وتوجهات المنظومة الغربية حاكمة العالم.

ومن الخطر هنا: أن كشف هؤلاء وما يكيدونه لا يتيسر لكلِّ أحد، ولو تم كشف هذا الكيد وبات متضحًا لكلِّ ذي عينين فالنفوس متراخيةٌ عن مقاومته، ولو فكَّر أحدٌ في المقاومة فمن السهل استهدافه إعلاميًّا وعد ما يفعله من قبيل الخلافات الداخلية، ولو تضمنت المقاومة أعمالًا مسلحةً فيسهل تصنيفها في الحروب الأهلية وما إلى ذلك.

تباين النظرة: خسارة صهيونية ومكسب أمريكي

ومن هنا فإني أعتقد أنَّ قَتلَ ياسر أبو شباب وإن كان على يد المقاومة أو أحد أتباعها إلا أن نظر الصهاينة يختلف عن نظر الأمريكان؛ فالصهاينة يمكن أن ينظروا إلى أن ورقةً جيدةً كانت بيدهم وتم فقدها وذلك لأن تفكيرهم أمني، أما الأمريكان فما أحسبهم يحزنون على قتله، بل ربما ابتهجوا بذلك ووجدوا في ذلك فرصةً لإزاحة هذه الحالة عن المشهد في الوقت الذي يعملون فيه على إعادة تشكيل الحالة السياسية في غزة.

وهذا يعني أنَّ عناية الأمريكان هي بالبحث عن رجالٍ يلبسون الثوب الوطني ويسعون في تحقيق التوجهات الأمريكية ولا يضر أنهم يتكلمون في نفس الوقت عن مركزية مقاومة المحتلين والمطالبة بدولةٍ فلسطينيةٍ كاملةِ السيادة وما إلى ذلك، على تفاوتٍ بين الأمريكان أنفسهم في ذلك بحسب منازعهم العقدية والفكرية والأيديولوجية.

الخطر القادم: خصوم يُشنقون بحبالٍ من حرير

وبلغةٍ أخرى: فإنَّ الأداة البشرية القادمة قد تكون أشد خطرًا من ورقة ياسر أبو شباب على عادة الأمريكان في كثيرٍ من الأحيان من شنق خصومهم بحبالٍ من حرير، وهو ما يستوجب اليقظة ومنازلتهم بدهاءٍ سياسيٍّ لا يقل ضراوةً عن بطولات الميدان على امتداد معركة الطوفان وما قبلها.

وتجدر الإشارة إلى أن اجتماع العقلية الصهيونية والعقلية الأمريكية في تشكيل المشهد سيجعل ما يرشح من الأمور والسياسات مختلطًا بعضه ينزع للعقل الصهيوني وبعضه ينزع للعقل الأمريكي، وهو ما يوجب الدهاء في كلِّ ملفٍّ بحسبه، والله غالبٌ على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

المصدر

الشيخ محمد بن محمد الأسطل.

اقرأ أيضا

مهانة الترتيبات الأمنية مع المحتل .. ومنظور شرعي

التعليقات غير متاحة