طبيعة العلاقات الأسرية بين الوحي والتقنين
تؤكد الدراسة في مقدمتها أن العلاقات الأسرية (الخطبة، الزواج، الطلاق، النفقة، الحضانة، الميراث) حظيت بعناية استثنائية من التشريع الإلهي، لدرجة أن القرآن وصف عقد الزواج بـ”الميثاق الغليظ”. وقد حرص الشرع على عدم ترك تنظيم هذه المسائل للبشر وحدهم، بل أرسى نظاماً محكماً يهتم بالجوانب النفسية والوجدانية قبل المادية.
ورث المسلمون عن فقهائهم تراثاً غنياً بالمرونة والاجتهاد، لكن مع بدايات التقنين الحديث، ظهر مصطلح “الأحوال الشخصية” على يد محمد قدري باشا (توفي 1888م)، ثم صدر القانونان 25 لسنة 1920 و25 لسنة 1929، اللذان يمثلان بداية تراجع القضاء الشرعي في مصر، وتوج هذا التراجع بإلغاء المحاكم الشرعية رسمياً عام 1955م في عهد جمال عبد الناصر.
ومنذ ذلك الحين، توالت التعديلات (1979، 2000، 2004) المرتبطة بأسماء سيدات أول مثل “جيهان السادات” و”سوزان مبارك”، مما جعل قوانين الأسرة عرضة للاتهام بأنها تستجيب لضغوط سياسية ونسوية أكثر من استجابتها لحاجات المجتمع المصرية والفطرة الإنسانية.
أولاً: إشكاليات الأحوال الشخصية في ظل الاتفاقيات الدولية
ترصد الدراسة أربع إشكاليات كبرى نجمت عن تداخل الالتزامات الدولية مع التشريع المحلي:
- إشكالية التنصل من الموروث الإسلامي
اتفاقية “سيداو” (1979) ألزمت الدول الموقعة في مادتها الثانية باتخاذ تدابير لتعديل أو إلغاء القوانين والأعراف التي تشكل تمييزاً ضد المرأة. الإشكالية هنا أن النص لم يفرق بين الموروث الديني (النصوص القطعية) والموروث الثقافي (العادات الخاطئة)، كما لم يميز بين النص الشرعي نفسه والتطبيق الخاطئ له. وهذا يجعل الاتفاقية أداة بيد من يريد استبعاد أحكام التعدد والميراث والولاية والشهادة بحجة أنها “تمييز”.
- إشكالية المساواة الكاملة بين الجنسين
الشريعة أسست للتوازن وليس للمساواة المطلقة، فجعلت للرجل قوامة وولاية ومسؤولية طاعة، وللمرأة حقوقاً مناظرة تتناسب مع فطرتها. المطالبة بالمساواة الكاملة (كما في المادة 16 من سيداو) أدت إلى:
تحول العلاقة الزوجية إلى ندية وتنافس.
عزوف الرجال عن تحمل المسؤولية، مما زاد من العنوسة.
ارتفاع معدلات الطلاق ومنازعات الحضانة.
تحميل المرأة أعباء إضافية بدل إنصافها.
- إشكالية كسر الأنماط التقليدية للجنسين
نصت ديباجة اتفاقية سيداو والمادة الخامسة منها على ضرورة تغيير الأدوار التقليدية للرجل والمرأة. وبناءً على ذلك، تم الترويج لمفهوم “الجندر” (النوع الاجتماعي) باعتباره بناءً ثقافياً وليس بيولوجياً. وهذا يعني، وفق تفسيرات الأمم المتحدة، إمكانية إعادة تعريف الرجولة والأنوثة بما يتوافق مع أهواء متغيرة، وهو ما يمهد لقبول المثلية وتفكيك الأسرة التقليدية.
- إشكالية تعزيز الإباحية والعلاقات خارج الزواج
وثيقتي مؤتمر القاهرة للسكان والتنمية (1994) ومؤتمر بكين للمرأة (1995) تضمنتا بنوداً خطيرة:
حماية حقوق المثليين والاعتراف بزواج المثليين لاحقاً.
تطبيع العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج.
الحماية المجتمعية والقانونية للحمل خارج الزواج.
الحرية الجنسية الكاملة للمراهقين من الجنسين.
هذه القيم قوبلت برفض الأزهر الشريف والكرسي الرسولي ومجامع العالم الإسلامي، لكنها تسربت عبر برامج تنظيم الأسرة والصحة الإنجابية والصحة الجنسية للمراهقين.
ثانياً: إشكاليات مشروعات قوانين الأحوال الشخصية في مصر
تعرض الدراسة أربع قضايا جدلية شكلت محور الصراع حول القانون الجديد:
- الطلاق الشفوي
اشتعلت المواجهة عندما صرح السيسي لشيخ الأزهر بعبارته الشهيرة “تعبتني يا فضيلة الإمام”، داعياً إلى عدم الاعتداد بالطلاق الشفوي. لكن هيئة كبار العلماء أصدرت بياناً حاسماً بإجماع العلماء على:
وقوع الطلاق الشفوي المستوفي أركانه، وهو ما استقر عليه المسلمون منذ عهد النبي.
عدم جواز اشتراط التوثيق لصحة الطلاق، لكن يجوز للولي الأمر التعزير بفرض عقوبات على الممتنع عن التوثيق.
رفض تغيير أحكام الطلاق استجابة للضغوط.
في المقابل، تبنى المجلس القومي للمرأة (برئاسة مايا مرسي آنذاك) عدم الاعتداد بالطلاق الشفوي، ورافق ذلك حملة إعلامية وفنية (مثل مسلسل “لعبة نيوتن” 2021) لتمرير الفكرة.
- حق الكد والسعاية
استند شيخ الأزهر إلى واقعة تاريخية: قضى سيدنا عمر بن الخطاب للسيدة حبيبة بنت زريق بنصف ثروة زوجها عمرو بن الحارث لأنها شاركته في تجارة النسيج، إضافة إلى نصفها الآخر بالميراث.
المشكلة أن التفسيرات النسوية وسعت الفتوى:
جعلتها حكماً عاماً وليس خاصاً بالواقعة.
استدلت بها على أحقية المرأة في مقابل خدماتها المنزلية (طبخ، تنظيف، رضاعة) طول سنوات الزواج.
وصل الأمر إلى المطالبة بمناصفة الثروة عند الطلاق (كما يحدث في بعض الدول الغربية والمغرب).
هذا يخرج بالفتوى عن مناطها ويخل بمبدأ الذمة المالية المستقلة لكل زوج.
- الحضانة والرؤية
تعد الحضانة من أكثر المسائل تعقيداً:
تعدد الاجتهادات الفقهية في ترتيب الحضانة (الأم ثم الأمهات ثم الأب …).
تعنت الحاضن في منع الأب من رؤية أبنائه، أو تعسف الأب في استرجاع الأبناء.
عجز القضاء عن تنفيذ أحكام الرؤية رغم آلاف القضايا.
غياب المعايير الواضحة لمصلحة الطفل المقدمة على كل اعتبار.
- النفقة
النفقة هي القضية الأكثر تراكماً بعد الطلاق، وتشمل:
تقدير النفقة والتزام الزوج بها.
عناد الأب أو إعساره.
تعنت الأم في المطالبة.
اتخذت الدولة إجراءات ردعية:
القانون 6 لسنة 2020: الحبس وتشديد الغرامة.
قرار وزير العدل 896 لسنة 2026: حرمان المحكوم عليه من الخدمات الحكومية (التموين، التراخيص، المرافق، الرخص المهنية).
النيابة العامة: منع السفر ووضع الممتنع على قوائم ترقب الوصول.
لكن الدراسة تحذر: الردع وحده لا يحل المشكلة، بل قد يزيد من إعسار المحكوم عليه ويحرم أسرته من مصدر رزقها.
ثالثاً: ملامح مشروعات القوانين المطروحة
تتنافس ثلاثة مشاريع رئيسية:
- مشروع الحكومة (194 مادة – فبراير 2021)
فرض نفقة مؤقتة للزوجة أو المطلقة.
تنظيم صندوق دعم ورعاية الأسرة المصرية.
عدم التقيد بمذهب فقهي معين.
معالجة الأحكام التي أهدرتها المحكمة الدستورية.
- مشروع الأزهر (192 مادة – أبريل 2019)
إعداد هيئة كبار العلماء (بدأ العمل منذ أكتوبر 2017).
التزام واضح بالحكم الشرعي في المسائل المختلف فيها.
تفصيل جيد للخطبة والزواج وفصم الرابطة.
اعتراضات ورد عليها الدكتور عباس شومان في مجلة الأزهر.
- مشروع المجلس القومي للمرأة
مناصفة الثروة عند الطلاق (صرح بذلك المستشار القانوني للمجلس).
تقييد التعدد بإذن القاضي وإلزامه بإعلام الزوجة الأولى والثانية.
إلغاء الطاعة وأحكامها وعدم الاعتداد بالطلاق الشفوي.
تساوي الشهادة، وبقاء الحضانة للأم حتى لو تزوجت.
حق المرأة في تزويج نفسها بنفسها (وهو ما يخالف ولاية الإجبار في المذاهب الأربعة).
تصاحب ذلك حملات نسوية مثل:
حملة “الولاية حقي” (مؤسسة المرأة والذاكرة).
حملة “قضايا المرأة المصرية” للمطالبة بتضمين الاتفاقيات الدولية.
نهاد أبو القمصان (المركز المصري لحقوق المرأة)، وعزة سليمان (مركز المساعدة القانونية).
رابعاً: لجنة إعداد القانون الجديد
قرار وزير العدل 3085 لسنة 2022: تشكيل لجنة قضائية خالصة (بدون علماء شريعة أو أطباء نفسيين أو متخصصين اجتماع).
مدة اللجنة: 4 أشهر فقط مع صلاحيات واسعة.
الواقع: مضى أكثر من 4 سنوات (حتى وقت كتابة الدراسة) ولم تقدم اللجنة مشروعها.
الاعتراض: مخالفة للتقاليد التشريعية التي كانت تضم ممثلين عن الأزهر والبرلمان والجهات المعنية.
الخاتمة: خلاصة وتوصيات
خلاصة التشخيص:
الأحوال الشخصية أصبحت “ترمومتر” لقياس صلابة المجتمع أمام الضغوط الدولية والنسوية.
التشريعات الحالية متهافتة، تستجيب للضغوط أكثر مما تنهض بحل المشكلات.
الفصل بين القضايا المتصلة (مثل: الحضانة والرؤية، النفقة والإعسار) يؤدي إلى ظلم أحد الطرفين.
غل يد القاضي بتقنين جامد يحرم الأسرة من مرونة الفقه الواسع.
توصيات الدراسة:
التشكيل الموسع للجنة: يضم بالإضافة إلى القضاة: علماء شريعة، أطباء نفسيين، متخصصين اجتماع، إحصائيين، خبراء أمن وجريمة، خبراء اقتصاد وسلوك.
التكامل بين التشريع والتدابير الأخرى: لا يكفي القانون الردعي، بل لا بد من برامج اجتماعية ودينية واقتصادية وسياسية مساندة.
تنمية التراث لا هدمه: الاعتماد على الإرث الفقهي المتراكم وإضافة لمسات عصرية، وليس مخاصمته أو استبعاده بحجة “التمييز ضد المرأة”.
توظيف التكنولوجيا: استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في انتخاب أنسب الفروع الفقهية للمسائل المستجدة، مع إبقاء مساحة للاجتهاد القضائي.
التحذير الختامي:
“الاعتماد على التشريع فقط في معالجة مسائل الأحوال الشخصية دون تدابير اجتماعية ودينية وسياسية واقتصادية، يصل بنا إلى ذات النتيجة في اقتصار الحلول على الردع، ما يصدر للمجتمع أنواعاً جديدة من التحايل وأصنافاً مستحدثة من الجرائم، ولا يدفع ثمن هذا الارتباك إلا أركان الأسرة من والدين وأطفال، ودوائرهم ومجتمعهم.”
المصدر
منتدى الدراسات المستقبلية، عباس قباري: “إشكالية تشريعات الأحوال الشخصية في مصر” بتصرف.
إشكالية تشريعات الأحوال الشخصية في مصر – future-studies-forum.com


