وقعت على كنز نفيس عن تدبرات ابن تيمية للقرآن الكريم، للدكتور. إبراهيم بن فريهد العنزي، فاقتبست منه بعض القبسات النورانية.
الفصل الأول: القرآن نزل ليغير الإنسان لا ليتلى فقط
حين نتأمل تدبرات ابن تيمية للقران، نجد أن أول قضية كبرى يضع يده عليها هي هذه الحقيقة الصادمة: كثير من الناس يقرؤون القرآن لكن القليل منهم يعيش القرآن.
يرى ابن تيمية أن أخطر ما أصاب الأمة ليس ترك المصحف بل الاعتياد عليه دون أثر؛ أن يمر القرآن على اللسان بينما يبقى القلب والعقل والسلوك كما هم.
كان يؤكد أن الله لم ينزل القرآن ليكون طقساً صوتياً ولا ليقرأ في المناسبات، بل ليصنع إنساناً جديداً يفكر ويتحرك في الدنيا ببوصلة مختلفة.
القران عند ابن تيمية ليس كتاب معلومات بل كتاب “تحويل”؛ من الغفلة إلى اليقظة ومن التردد إلى اليقين. ولهذا كان يقول إن التدبر هو روح القرآن، وأن من قرأ بلا تدبر فكأنما دخل بيتاً مظلماً ثم خرج دون أن يشعل النور.
التدبر يبدأ من سؤال بسيط وعميق: “ماذا تريد هذه الآية مني أنا؟”، لا ماذا تعني لغوياً فقط. كان يرى أن آيات الإيمان ليست حكايات قديمة بل اختبارات حاضرة.
ابن تيمية كان يقول إن أعظم خسارة أن تقرا القرآن ولا تجد نفسك فيه؛ فإذا لم يكشف لك عيوبك ويغير أولوياتك ويحرك فيك الخوف والرجاء، فهناك حجاب بين قلبك وبينه.
يؤكد ابن تيمية أن آية واحدة تتدبر وتعمل بها خير من ختمات كثيرة لا تغير صاحبها، لأن الله لا ينظر إلى عدد الصفحات بل إلى أثر الآيات في القلب والسلوك.
ويضع قاعدة عظيمة: “القرآن لا يعطيك سره حتى تعطيه قلبك”؛ فمن دخل عليه بعجلة خرج بلا زاد، ومن دخل عليه بقلب منكسر صادق خرج مغيراً من الداخل.
الفصل الثاني: معرفة الله هي قلب التدبر وروحه
يرى ابن تيمية أن أعظم ما يمنحه القرآن للإنسان هو معرفة الله؛ ليس معرفة ذهنية باردة، بل معرفة حية تثمر محبة وخشية وطمأنينة. كل آية في القرآن تقودك إلى الله إما تصريحاً أو تلميحاً، ومن قرأ القرآن ولم يزدد معرفة بربه فقد فاته أعظم كنز فيه.
كان يؤكد أن كل قلق داخلي وكل فراغ روحي سببه خلل في هذه المعرفة.
التدبر الحقيقي يبدأ حين تتحول الآيات من “أخبار” إلى “تعريف”؛ فحين تسمع عن رحمته، هي رسالة شخصية لك، وحين تسمع عن عذابه، هو تحذير عادل.
في تدبرات ابن تيمية نجد تركيزاً شديداً على أسماء الله وصفاته:
- من عرف الله *غفوراً* لم ييأس.
- من عرفه *حكيماً* لم يعترض.
- من عرفه *عليماً* استحيا.
- من عرفه *قوياً* لم يتذلل لغيره.
- من عرفه *قريباً* لم يشعر بالوحدة.
ويقول إن من لم يجد لذة في قراءة القرآن فليفتش عن معرفته بالله، لأن اللذة ثمرة المحبة، والمحبة ثمرة المعرفة.
التدبر ليس أن تفهم القرآن فقط بل أن تتعرف على الله من خلاله وتسمح لهذه المعرفة أن تعيد تشكيل قلبك.
الفصل الثالث: القرآن مرآة القلوب وكاشف أمراضها
يرى ابن تيمية أن القرآن كتاب “تشخيص” يشخص أمراض القلوب بدقة ويكشف ما تحاول النفس تزيينه.
من تدبر القرآن بصدق يضع نفسه أمام نفسه دون مجاملة.
من أعظم نعم الله على العبد أن يفتح له باب رؤية عيوب نفسه، والقرآن هو أعظم وسيلة لذلك.
كان يقول إن القلوب ثلاثة:
- قلب حي: يقبل الحق فإذا سمع الآية خشع.
- قلب مريض: يتأثر أحياناً ويغفل أحياناً.
- قلب ميت: لا يتاثر بشيء.
ركز ابن تيمية على أمراض القلوب وعلاجها بالقرآن:
العجب: يحطمه القرآن بربط القبول بالإخلاص لا بالكثرة.
الرياء: يفضحه القرآن؛ فالرياء هو أن يفرح الإنسان بثناء الناس أكثر من نظر الله إليه.
الحسد: يعالجه القرآن بإعادة ترتيب المفاهيم بأن الفضل بيد الله.
التدبر الحقيقي مؤلم في بدايته لأنه “يكشف”، لكنه مريح في نهايته لأنه “يعالج”، ومن لم يجعل القرآن ميزانه في تقييم نفسه، جعله الله ميزاناً عليه يوم القيامة.
الفصل الرابع: التدبر الذي لا يثمر عملاً حجة على صاحبه
يرى ابن تيمية أن العمل هو ثمرة لا تنفصل عن التدبر. القرآن لم ينزل ليفهم فقط بل ليتبع ويطاع. كل آية لها حق: آيات الأمر حقها الامتثال، والنهي حقه الكف، والوعد حقه الرجاء، والوعيد حقه الخوف.
يؤكد أن أعظم العمل هو “عمل القلب” (الخشوع، التوكل، الرضا، الإخلاص). التدبر الحقيقي يظهر أولاً في السلوك الخفي في مراقبة الله عند الخلوة، ويرد بقوة على من يظن أن فهم الحق كافٍ دون العمل به، قائلاً إن العلم الذي لا يثمر عملاً هو حجة لا نعمة.
العمل بالقرآن يكون بالتدرج والصبر. ومن علامات التوفيق أن ترى أثر القرآن في قراراتك اليومية: كيف تغضب، كيف ترضى، وكيف تتعامل مع الناس. القرآن جاء ليصنع إنساناً واحداً متسقاً لا شخصيتين متناقضتين (واحدة في المسجد وأخرى في السوق).
الفصل الخامس: القرآن سلاح الثبات في زمن الفتن والشبهات
عاش ابن تيمية في زمن اضطراب، ورأى أن القرآن هو أعظم سلاح للثبات، كل فتنة تضرب الإنسان تعود لأصلين: شبهة تفسد التصور، أو شهوة تفسد الإرادة.
القرآن يعالج الشبهة بتقوية الإيمان، ويعالج الشهوة بإعادة ترتيب المحبة (غرس محبة الله لتصغر الدنيا في العين).
التدبر في آيات الابتلاء يعطي وعياً بسنن الله؛ فليس كل بلاء غضب وليس كل نعمة رضا. القرآن يخلق ميزاناً داخلياً يزن الأمور بميزان الوحي لا بميزان اللحظة، من عاش مع القرآن تدبراً صار قلبه حصناً لا ساحة معركة، والفتن تمر عليه لكنها لا تسكن فيه.
الفصل السادس: السكينة في قلب العاصفة وكيف يصنعها التدبر
تجربة ابن تيمية في السجن والنفي لخصت فهمه للسكينة: “ماذا يصنع أعدائي بي؟ جنتي وبستاني في صدري”. السكينة ليست غياب الألم بل حضور المعنى؛ أن يحزن الإنسان لكن لا ييأس.
أكثر الناس قلقاً هم الذين ينظرون للأحداث بمعزل عن القرآن.
المتدبر يرى الصورة كاملة بسنن الله، فيعاد لديه تعريف النجاح (الثبات على الحق) والفشل (الانحراف القلبي). تدبر آيات التوحيد يحرر القلب من عبودية النتائج ويربطه بالله وحده.
القرآن لا ينزع الحزن من القلب لكنه يمنع أن يتحول لاعتراض، ولا يمنع الألم لكن يمنع تحوله لقنوط.
السكينة ثمرة مسار تدبر طويل وثقة تتراكم في القلب مع الأيام.
الفصل السابع: كيف كان ابن تيمية يتدبر القرآن ويعيش معه يومياً
التدبر عند ابن تيمية كان نمط عيش. كان يقرأ ببطء ويتوقف كثيراً، ويكرر الآية مراراً بحثاً عن أثرها.
يربط الآيات بواقعه المباشر؛ فإذا قرأ عن الصبر نظر لمواضع الجزع في نفسه.
يؤكد أن التدبر لا يحتاج كثرة علم بل صدق توجه.
لم يكن يفصل بين القرآن والدعاء؛ فإذا قرأ آية رحمة سأل الله من فضله.
لم يكن يقيس صلاحه بعدد الختمات بل بمدى تأثير القرآن على قلبه وسلوكه.
يرى أن التوبة الصادقة تفتح باب الفهم، وأن الذنوب تظلم القلب وتحجب نور القرآن.
القرآن لا يعطي نفسه لمن يتعامل معه ككتاب عادي، بل لمن يدخل عليه متواضعاً منكسراً محتاجاً للهداية.
الخاتمة
التدبر طريق حياة يجعل القرآن قائداً والهوى تابعاً.
- لماذا يتغير بعض الناس دون غيرهم؟ لأن القرآن لا يغير من لم يسمح له أن يغيره. التدبر يبدأ حين تشعر أن الآيات تخاطبك أنت.
- لماذا يخاف الشيطان من المتدبرين؟ لأن الشيطان لا ينزعج من لسان يقرأ بل من قلب يستيقظ.
- التدبر والقرارات المصيرية: المتدبر لا يقرر بناءً على المزاج بل بميزان قرآني داخلي يحرره من الندم.
الرسالة الختامية: أعظم خسارة أن تعيش بعيداً عن نور القرآن وأنت تظن أنك قريب. في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، وهي جنة القرب من الله والسكينة والفهم والرضا.
المراجع
- المرجع المكتوب (كتاب): العنزي، إبراهيم بن فريهد. (د.ت). تدبرات ابن تيمية. الرياض: دار الحضارة للنشر والتوزيع.
- مرجع الوسائط (فيديو يوتيوب): قناة سفير الهداية. (2026، 1 يناير). تدبرات ابن تيمية | كلمات تهز القلب وتوقظ الإيمان من سباته [فيديو]. يوتيوب
المصدر
صفحة د. محمود لملوم، على منصة ميتا.


