بيت هيغسيث ليس مجرد وزير دفاع عادي يتحدث عن السياسات الأمنية، بل هو شخصية تجعل من الدين أداة لتأطير السياسة الخارجية، ومن الإنجيل نصًا تبريريًا للحرب. تصريحاته المعادية للإسلام ليست حوادث عابرة، بل هي جزء ممنهج من رؤية متكاملة طرحها في…

بيت هيغسيث — بين الإنجيل والحرب على الإسلام

وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث لا يكتفي بتصريحاته السياسية والعسكرية، بل يمزجها باستمرار بلغة دينية تحمل في طياتها تأصيلاً للصراع مع الإسلام والمسلمين. هذا المقال يستعرض بالتفصيل أبرز تصريحاته المعادية للإسلام والمحرضة على الحرب، مع توثيق النصوص الإنجيلية التي يستخدمها لتبرير رؤيته.

 أولاً: شعارات صليبية على الجسد وفي الكتب

يحمِل هيغسيث وشمين يعكسان بوضوح انتماءه الأيديولوجي:

– صليب القدس  (Jerusalem Cross)، رمز الحملات الصليبية.

–  عبارة  “Deus Vult”، وهي لاتينية تعني “الله يريد ذلك”، وقد وصفها هيغسيث بنفسه بأنها “شعار حشد الفرسان المسيحيين أثناء زحفهم نحو القدس” .

هذه العبارة ليست مجرد وشم عابر، بل هي ذات العبارة التي نادى بها البابا أوربان الثاني عام 1095 لحشد المسيحيين لشن الحملة الصليبية الأولى .

في كتابه “الحملة الصليبية الأمريكية ” (American Crusade) ، يكتب هيغسيث بوضوح:

“استمتع بالحضارة الغربية؟ الحرية؟ المساواة العادلة تحت القانون؟ اشكر صليبيًا.”

ويضيف مدافعًا عن الحملات الصليبية:

“بحلول القرن الحادي عشر، كانت المسيحية في منطقة البحر الأبيض المتوسط، بما في ذلك المواقع المقدسة في القدس، محاصرة من قبل الإسلام لدرجة أن المسيحيين واجهوا خيارًا واضحًا: خوض حرب دفاعية أو الاستمرار في السماح للتوسع الإسلامي ومواجهة حرب وجودية في أوروبا.”

 ثانيًا: تأطير الصراع الحالي كمشهد كتابي

 1- مزمور 144: تدريب اليدين على الحرب

في مؤتمر صحفي عُقد في البنتاغون بعد اندلاع الحرب مع إيران (مارس 2026)، تحدث هيغسيث عن “الملالي اليائسين” ثم تلا نصًا من مزمور 144، وهو نص يشاركه اليهود والمسيحيون:

“تبارك الرب صخرتي، الذي يُعلِّم يديَّ القتال وأصابعي الحرب.”

هذه الآية لم تُتل في قداس ديني، بل في مؤتمر صحفي رسمي لوزارة الدفاع الأمريكية لتبرير عملية عسكرية ضد دولة إسلامية.

2- نحن نقاتل متعصبين دينيين يسعون إلى هرمجدون الدينية

في مقابلة مع شبكة  CBS، سُئل هيغسيث عما إذا كان يرى الحرب مع إيران من منظور ديني، فأجاب:

“نحن نقاتل متعصبين دينيين يسعون إلى امتلاك قدرة نووية من أجل “هرمجدون دينية”… ولكن من وجهة نظري، أنا بالطبع رجل إيمان، وأشجع قواتنا على التمسك بإيمانهم والاتكال على الله.”

هرمجدون (Armageddon) في العقيدة المسيحية هي المعركة النهائية بين الخير والشر في نهاية الزمان، وفقًا لسفر الرؤيا .

3- أنظمة إسلامية مجنونة مهووسة بأوهام إسلامية نبوءية

في مؤتمر صحفي آخر (مارس 2026)، وصف هيغسيث النظام الإيراني بأنه:

“أنظمة مجنونة مثل إيران، المنشغلة بأوهام إسلامية نبوءية  (prophetic Islamist delusions)، لا يمكن أن تمتلك أسلحة نووية.”

هذه العبارة تجاوزت الوصف السياسي إلى ربط الصراع مباشرة بالعقيدة الإسلامية، ووصفها بأنها “أوهام”، مما أثار انتقادات واسعة.

هيغسيث يستحضر “المشيئة الإلهية” لتبرير القوة العسكرية“!

أعلاه عنوان تقرير في “نيويورك تايمز” أمس.. ومنه:

“وجّه وزير الحرب بيت هيغسيث، من داخل البنتاغون، نداءً إلى الشعب الأمريكي يدعوه فيه إلى نوع خاص من الدعاء في زمن الحرب من أجل النصر في المعركة وسلامة قواتهم”.

وقال: “كل يوم، اركعوا على ركبكم، مع عائلاتكم، في مدارسكم، في كنائسكم، باسم يسوع المسيح”.

“قدراتنا أفضل. إرادتنا أفضل. قواتنا أفضل”، هكذا قال في مقابلة حديثة مع برنامج “60 دقيقة” على قناة سي بي إس نيوز. “إن عناية الله القدير تحمي تلك القوات، ونحن ملتزمون بهذه المهمة”.

“لطالما كان الفرع المحافظ للمسيحية الأمريكية الذي يمثله السيد هيغسيث محوريا لحركة الرئيس ترامب، وكثيرا ما يستشهد السيد ترامب وكبار أعضاء إدارته بأفكاره”.

“في سبتمبر، نشر السيد هيغسيث مقطع فيديو يمزج فيه صوته وهو يتلو صلاة الرب مع لقطات لصواريخ تُطلق، وسفن حربية تبحر، ومظليين يهبطون من السماء”.

 ثالثًا: رؤية الإسلام في كتاب “الحملة الصليبية الأمريكية

1- الإسلام ليس دين سلام

يكتب هيغسيث في كتابه:

“الإسلام ليس دين سلام، ولم يكن أبدًا كذلك.”

2- نظرية المؤامرة الديموغرافية (الاستبدال العظيم)

يتبنى هيغسيث نظرية “الاستبدال العظيم” (Great Replacement)  التي تروج لها أوساط اليمين المتطرف البيضاء، حيث يزعم أن المسلمين “يغزون” الغرب من خلال الهجرة والولادات . يكتب:

“المسلمون يغزون بريطانيا… لقد تم غزو البريطانيين ولم يعرفوا حتى. في جيل واحد – في غياب تغيير جذري في السياسات – لن تكون المملكة المتحدة موحدة ولن تكون مملكة غربية. المملكة المتحدة انتهت.”

ويضيف متذمرًا من انتشار الإسلام في أمريكا:

“في نوفمبر 2019، فاز 26 مرشحًا مسلمًا بمناصب منتخبة في البلاد، و”محمد” أصبح الآن من بين الأسماء العشرة الأولى للأولاد في أمريكا.”

3- الهجرة الإسلامية “غزو ثقافي

يرى هيغسيث أن الولايات المتحدة تتعرض لـ”غزو ثقافي”:

“على الرغم من أنها محمية بالمسافة و’نسيجها المسيحي التقليدي’، إلا أن الولايات المتحدة تتعرض لغزو ثقافي ليس فقط على شواطئنا، بل في مجتمعك ومدارسك.”

4- الدعوة إلى “حملة صليبية” ضد الإسلام

في خاتمة مقطع من كتابه، يكتب هيغسيث بعبارات صريحة:

“لحظتنا الحالية تشبه كثيرًا القرن الحادي عشر. نحن لا نريد القتال، ولكن، مثل إخواننا المسيحيين قبل ألف عام، يجب علينا… سلّح نفسك – مجازيًا، فكريًا، جسديًا. معركتنا ليست بالبنادق. بعد.”

عبارة “ليس بالبنادق. بعد” تحمل تهديدًا واضحًا بأن المرحلة الحالية هي مرحلة تمهيد لمواجهة قادمة.

“في كتابه “الحملة الصليبية الأمريكية”، الذي نُشر عام 2020، يصف الحروب الصليبية بأنها “دموية” و”مليئة بالمآسي التي لا توصف”، لكنه يجادل بأنها كانت مبررة لأنها أنقذت أوروبا المسيحية من هجوم الإسلام”.

 رابعًا: تحول الأيديولوجيا إلى سياسة في البنتاغون

منذ توليه منصب وزير الدفاع، بدأ هيغسيث في تنفيذ رؤيته داخل المؤسسة العسكرية :

–  استضافة خدمات عبادة مسيحية شهرية لموظفي البنتاغون.

–  عرض آيات كتابية في مقاطع فيديو ترويجية للوزارة إلى جانب مشاهد عسكرية.

–  إلغاء دليل اللياقة الروحية للجيش الأمريكي لعام 2025، بحجة أنه تأثر بـ”الصواب السياسي والإنسانية العلمانية” .

–  تعديل فيلق القساوسة العسكريين لتعزيز الهوية المسيحية على حساب التعددية الدينية.

كما دعا إلى منع هجرة المسلمين إلى الولايات المتحدة للحفاظ على الهوية المسيحية للبلاد، وهو موقف يشاركه فيه قسيس كنيسته دوغ ويلسون، الذي ألقى خطبة في البنتاغون بدعوة من هيغسيث نفسه .

خامسًا: بين التصعيد الغربي والتخاذل الداخلي: أزمة الخطاب الإسلامي والعربي في مواجهة حملة كراهية ممنهجة

بينما يتصاعد الخطاب المعادي للإسلام في الغرب ليصل إلى أعلى مستوياته، حيث يدير وزير الدفاع الأمريكي شؤون الحرب من على منبر إنجيلي، وترفع شعارات “Deus Vult” الصليبية في أروقة البنتاغون، فإن المشهد في العالم العربي والإسلامي يبدو مختلفًا تمامًا. لا نعني بالاختلاف هنا غياب الوعي، بل نعني حضور خطاب متخاذل، متناقض، وعاجز عن مواجهة هذا التحدي الوجودي بلغة العصر وأدواته.

مشاهد من التخاذل — نماذج حية

  • خطاب “التطمين” المستمر

في كل أزمة يثيرها الغرب ضد الإسلام، نجد سريعًا تصريحات من بعض المؤسسات الدينية العربية والإسلامية تؤكد أن “الإسلام دين سلام”، وأن “الإرهاب لا دين له”، وكأن القضية هي مجرد سوء فهم يحتاج إلى توضيح!

هذا النمط من الخطاب أصبح مألوفًا لدرجة الإزعاج. بينما يكتب وزير الدفاع الأمريكي أن “الإسلام ليس دين سلام” في كتاب يتصدر قوائم الأكثر مبيعًا، يخرج علينا خطاب عربي وإسلامي يقول: “نحن نعتذر نيابة عن المسلمين لأن البعض أساء فهم الإسلام”!

السؤال: لمن نقدم هذه التطمينات؟ للغرب الذي يريد إبادتنا ثقافيًا أم لأنفسنا التي فقدنا الثقة فيها؟

  • الانشغال بالفتاوى الداخلية في زمن الحرب الخارجية

المشهد الآخر المؤلم هو الانشغال بالتفاصيل الفقهية الدقيقة والخلافات المذهبية والصراعات على النفوذ بين المؤسسات الدينية، بينما تُشن حرب وجودية على الإسلام في الخارج.

هيغسيث يعلن أن “محمد أصبح من بين الأسماء العشرة الأولى للأولاد في أمريكا” باعتبار ذلك تهديدًا وجوديًا يجب التصدي له، بينما بعض علمائنا منشغلون بقضايا تفرق ولا تجمع المسلمين!

  سادسا: لماذا لا تواجه الأنظمة العربية الحملة الصليبية الأمريكية؟

في مواجهة الحملة الغربية المعادية للإسلام، تجد الأنظمة العربية نفسها مشلولة. لا تستطيع الدفاع عن الإسلام بحماسة، لأن ذلك سيعني الاعتراف بأن “الإسلام” شيء تستحق الدفاع عنه — وهو ما يتناقض مع حربها على الإسلاميين ووصفهم بـ”الإرهابيين” و”الخوارج”.. ولا تستطيع أن تتخلى عن الدفاع عن الإسلام تمامًا، لأن ذلك سيفقدها شرعيتها الداخلية المتبقية.

  1. الأولوية القصوى: البقاء في السلطة

الأنظمة العربية تعتبر أن الخطر الأكبر على بقائها ليس هيغسيث أو اليمين المسيحي المتطرف في أمريكا، بل الإسلاميون داخل بلدانها. لذلك، فإن أولويتها القصوى هي كسب تأييد الغرب (وخاصة أمريكا) في حربها ضد الإسلاميين، حتى لو كان الثمن هو التغاضي عن الهجمات على الإسلام نفسه .

  1. التبعية الاستراتيجية

الأنظمة العربية تعتمد عسكريًا وأمنيًا واقتصاديًا على الولايات المتحدة. السعودية والإمارات ومصر والأردن والكويت وقطر وسلطنة عمان — جميعها تستضيف قواعد عسكرية أمريكية أو تعتمد على المساعدات الأمريكية أو ترتبط بتحالفات أمنية وثيقة مع واشنطن. في ظل هذه التبعية، لا يمكن لهذه الأنظمة أن تتبنى موقفًا معاديًا حقًا للإدارة الأمريكية أو لوزير دفاعها، مهما بلغ عداؤه للإسلام .

  1. التناقض الإيديولوجي: الحرب على “الإسلام السياسي”

الأنظمة العربية تتبنى خطابًا يصف “الإسلام السياسي” بأنه العدو المشترك للعرب والغرب. هذا الخطاب جعلها غير قادرة على التمييز بين:

– هجوم على الإسلام كدين (مثل ما يفعله هيغسيث).

– هجوم على الإسلاميين كحركات سياسية (مثل ما تفعله الأنظمة نفسها).

عندما يكون وزير الدفاع الأمريكي يهاجم “الإسلام” وليس فقط “الإسلام السياسي”، تجد الأنظمة العربية نفسها في موقف محرج: هل تدافع عن الإسلام الذي تقمع أتباعه داخليًا؟

في النهاية، تختار الأنظمة العربية ما يضمن بقاءها: التحالف الاستراتيجي مع الغرب على حساب الدفاع عن الإسلام، مع بعض البيانات الدبلوماسية المطمئنة للداخل العربي، والتي لا تغير شيئًا في الميزان الحقيقي للقوى.

خاتمة

بيت هيغسيث ليس مجرد وزير دفاع عادي يتحدث عن السياسات الأمنية، بل هو شخصية تجعل من الدين أداة لتأطير السياسة الخارجية، ومن الإنجيل نصًا تبريريًا للحرب. تصريحاته المعادية للإسلام ليست حوادث عابرة، بل هي جزء ممنهج من رؤية متكاملة طرحها في كتابه “الحملة الصليبية الأمريكية” ويترجمها الآن على أرض الواقع من خلال منصبه كأعلى مسؤول عسكري في الولايات المتحدة.

المزج بين “مزمور 144” الذي يتحدث عن “تدريب اليدين على الحرب” وشعار “Deus Vult”الصليبي ونبوءات هرمجدون يخلق خطابًا دينيًا-حربيًا خطيرًا، في وقت تشهد فيه المنطقة العربية والإسلامية حربًا مفتوحة مع إيران بدعم أمريكي-إسرائيلي كامل.

اقرأ أيضا

المشروع الأمريكي في حرب أهل السنة .. المحور العسكري

السياسة الأمريكية .. من الهيمنة المقنعة إلى الاستعمار الصريح

العدوان الأمريكي على أمم الأرض

التعليقات معطلة