بيان هيئة الأفتاء بشأن فضيحة إبستين

الحمد لله .. والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد ..

تنتشر في هذه الأيام – على نطاق واسع – فضيحةٌ، كشفت للعالم أجمع أنّ الحضارة المعاصرة ليست سوى جاهلية قبيحة، كشفت عن سوأتها في بجاحة ووقاحة، وهي فضيحة “إبستين”، نسبة إلى رجل الأعمال الأمريكي الصهيونيّ “جفري إبستين”، الذي حاز المليارات من الاتجار في الجنس والدعارة، ومات في سجنه في ظروف غامضة.

وقد كان لذلك المجرم شبكة علاقات واسعة، شملت رجال أعمال وأفرادًا من العائلات المالكة وسياسيين وأكاديميين، بما فيهم دونالد ترمب، والأمير أندرو، وبيل كلينتون، و تُظهر الوثائق التي نشرها التجمع الديمقراطي في مجلس النواب في سبتمبر 2025 علاقاته مع نُخب كثيرة، وفي يناير 2026، نشرت المزيد من ملفات إبستين، دلّلت على انتشار واسع النطاق، هذه الفضيحة تتمثل في اغتصاب فتيات لم يجاوزوا الرابعة عشرة، وإرغامهن على ممارسة الجنس مع شخصيات من تلك النخب النكدة.

ومن منطلق إيمان “هيئة الإفتاء في نوازل الأمة العامّة” بأنّ الأمة الإسلامية شهيدة على جميع الأمم: (وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ ‌أُمَّةً ‌وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً…) الآية (البقرة: 143)، وبأنّ النهي عن الفساد في الأرض عمل البقية الباقية من أهل الصلاح: (فَلَوْلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ ‌أُولُوا ‌بَقِيَّةٍ ‌يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ إِلَاّ قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكانُوا مُجْرِمِينَ) (هود: 116)، ومن منطلق إيمانها بعموم رسالة الإسلام، وخوفها على أجيال المسلمين من أن تنزلق إلى ما انزلقت إليه الجاهلية المعاصرة، وبخاصة مع وجود الهيمنة الثقافية والعولمة الظالمة للقيم الغربية الفاسدة؛ من هذه المنطلقات رأت الهيئة أن تبين الموقف الشرعيّ من هذه المهزلة، وذلك في النقاط التالية.

أولا: إنّ “فضيحة إبستين” هذه ليست مجرد قصة عن رجل أعمال منحرف، بل هي مرآة تكشف تداخل المال والسياسة والاستخبارات في شبكات مظلمة، أخطر نتائجها تكمن في أنها فضيحة تتجاوز كونها قضية جنائية لتصبح أزمة بنيوية إنسانية مجتمعية تمسُّ السياسة والقانون والمجتمع، وأنّها ستؤدي حتمًا إلى تداعيات طويلة الأمد دائمة النكد على الثقة الشعبية في الأنظمة القانونية والمؤسسات الدبلوماسية، إنّها فضيحة تُذَكّر البشرية بأن الحضارات لا تنهار حين تفقد قوتها، بل حين تفقد أخلاقها، وبأنّ العدالة إنْ كانت انتقائية ولم تكن شاملة فهي زائفة، وإن لم تَحْمِ الضعفاء فهي مجرد دعوى لا أساس لها.

ثانيًا: هذه الفضيحة ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، ليست الأولى؛ فقد سبقتها فضائح يندى لها جبين الإنسانية، من أشهرها تلك التي وقعت إبان سقوط جدار برلين، حين نشطت تجارة من شرق أوربا إلى غربها في البضائع البشرية من النساء والأطفال، مما دعا البعض إلى تسميتها بالرقيق الأبيض، تلك الظاهرة أزعجت المنظمات الدولية يومها؛ فأصدرت المنظمة الدولية للطفولة “يونيسف” تقريرًا اشتركت فيه مع المفوضية الدولية لحقوق الإنسان، ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، جاء فيه: “إن تجارة الرقيق الأبيض ازداد نشاطها في الآونة الأخيرة، وإن أغلب الضحايا من النساء والفتيات، ينحدرن من روسيا وأوكرانيا ورومانيا وبلغاريا، وغيرها من دول شرق أوروبا، حيث يتم بيعهن في غرب أوروبا”، وقالت اليونيسيف: “إن تجارة الرقيق الأبيض في أوروبا صارت هي الدجاجة السحرية التي تبيض ذهبًا، وأشار التقرير إلى أن ثمن المرأة خمسة آلاف يورو أما ثمن العذراء فهو ثمانية آلاف يورو”، كما أنّها لن تكون الأخيرة؛ لأنّ الفساد والإفساد متجذِّرٌ في التربة الفكرية والأخلاقية للمدنية المعاصرة.

ثالثًا: إنّ الانهيار الأخلاقي في ظل الحضارة المعاصرة أحد أهم أسباب أفولها، وإنّها إذا أفَلَتْ فلا بديل عنها إلا الإسلام؛ لأنّ ما تتوق إليه الإنسانية وما تتعطش له لا يوجد إلا في الإسلام، فبعد أن أفلست الحضارة المعاصرة من كل ما يمكن أن تقدمه للإنسانية – مما هي في أمسّ الحاجة إليه – لا بديل للبشرية عن الإسلام، فالإسلام هو البديل، بل هو الأصيل، الذي غاب عن الساحة لأسباب داخلية وخارجية، بعضها معلوم للكافّة، وبعضها يجب على العلماء أن يبينوه للناس، لقد آن الأوان لأمتنا أن تبني مشروعها، وأن تتداعى للعمل عليه والالتفاف حوله، بدلًا من إدمان التعلق بحضارة مادّية عرجاء شمطاء قد جمعت حقائبها وآذنت بالرحيل، وقد قضى الله تعالى بأنّ الأيام دول، وبأنّ سنة التداول بين الأمم والحضارات ماضية لا تتخلّف: (وَتِلْكَ ‌الْأَيَّامُ ‌نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ) (آل عمران: 140)، (وَلَنْ تَجِدَ ‌لِسُنَّةِ ‌اللَّهِ ‌تَبْدِيلاً) (الأحزاب: 62).

رابعًا: في ظل التفسخ والانحلال والتردي الأخلاقي الذي هبطت إليه البشرية في واقعها المعاصر؛ يجب على المسلمين أن يصونوا أنفسهم وأن يحفظوا أعراضهم، وأن يقوم كل شخص وكل أسرة وكل مؤسسة بالعمل على حماية مجتمعات المسلمين من الرذيلة، وليعلم المسلمون أجمعون أنّ من أخطر ما خوف منه رسول الله صلى الله عليه وسلم اتباع الأمة الإسلامية لهذه الأمم الضالة في انحرافاتها الفكرية والخلقية، فقال: «‌لَتَتَّبِعُنَّ ‌سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ» متفق عليه، وجحر الضبّ يرمز للنتن والقذارة والظلمة والتعرج والتيه وانطماس المخرج.

خامسًا: تدعو الهيئة جميع المفكرين المسلمين الذين فُتنوا بالنموذج الغربيّ وراحوا يركضون وراء الحداثيين العرب في طريق جرّ الأمة لتدخل تحت سقف الهيمنة الجاهلية المعاصرة، تدعوهم جميعًا إلى أن يراجعوا أنفسهم، فقد تواترت الأدلة العملية على تهافت هذا النموذج الجاهليّ، وتهيب بهم وبجميع المهتمين بالدراسات الحضارية أن يحكموا الشرع والعقل لا الهوى والشهوة، وأن يهجروا تلك الدعاوى إلى البحث والتنقيب عن النموذج الإسلاميّ في كل المجالات وكافّة الميادين، فإنّ الله تعالى أكمل دينه وأتم على الأمة نعمته: (الْيَوْمَ ‌أَكْمَلْتُ ‌لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً) (المائدة: 3).

التعليقات معطلة