الحمد لله القائل: ﴿وَلَا تحۡسَبَنَّ ٱللَّهُ غَـٰفِلًا عَمَّا يَعۡمَلُ ٱلظَّـٰلِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمۡ لِيَوۡمٖ تَشۡخَصُ فِيهِ ٱلۡأَبۡصَـٰرُ﴾ [إبراهيم: ٤٢]، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فإن رابطة علماء المسلمين، وهي تتابع المواجهات العسكرية الدائرة بين الكيان الصهيوني – مدعومًا دعمًا مباشرًا من الولايات المتحدة الأمريكية – وبين النظام الإيراني، تؤكد أن ما يجري اليوم هو صراع نفوذ وهيمنة بين مشروعين متنازعين، لا يمثل أحدهما الأمة، ولا ينطلق من نصرة قضاياها، وإنما تحكمه حسابات القوة والمصالح وإعادة رسم موازين السيطرة في المنطقة.
أولًا:
إن الكيان الصهيوني عدو ظاهر للأمة، قائم على الاحتلال والعدوان، مسنودًا عسكريًا وسياسيًا من الولايات المتحدة، وقد رسّخ وجوده بالقوة والإبادة والتهجير، وعداوته ليست محلّ لبس أو تأويل.
ثانيًا:
كما أن النظام الإيراني مشروع توسعي يستثمر الأزمات لبسط نفوذه الإقليمي، ويوظف الشعارات لخدمة مشروعه السياسي، وقد أسهمت تدخلاته في تمزيق عدد من بلدان المسلمين وإشعال الصراعات الداخلية فيها. وإن تنازعه الحالي مع الكيان الصهيوني لا يخرجه عن كونه طرفًا في صراع مصالح وهيمنة.
وإن من سنن الله الجارية أن يُسلّط الظالمين بعضهم على بعض، وأن يكون بأسهم بينهم شديدًا، قال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعۡضَ ٱلظَّـٰلِمِينَ بَعۡضَۢا بِمَا كَانُوا۟ يَكۡسِبُونَ﴾، غير أن صراعهم لا يعني تزكية أحدهم، ولا يبرر الاصطفاف خلفه.
ثالثًا:
تعرب الرابطة عن بالغ أسفها لما لحق ببعض بلدان المسلمين من أضرارٍ وترويعٍ للآمنين وتهديدٍ للاستقرار نتيجة هذا التصعيد، وتؤكد أن تحويل أراضي المسلمين إلى ساحات صراع أو منصات عسكرية يخدم مشاريع الهيمنة ويجعل شعوبها عرضةً للاستهداف والابتزاز.
وإن تمكين الأعداء من إقامة قواعد عسكرية دائمة في بلاد المسلمين، أو تسخير أراضيهم وأجوائهم لخدمة مشاريعهم القتالية، أمرٌ عظيم الخطر شرعًا وسياسةً؛ لما يترتب عليه من تمكينٍ لغير المسلمين من رقاب المسلمين، وتعريض البلاد والعباد للاستهداف في حروب لا ناقة للأمة فيها ولا جمل، وإضعافٍ للسيادة والاستقلال.
والأصل الشرعي أن أرض المسلمين لا تكون منطلقًا لعدوانٍ ، ولا أداةً في صراعات الهيمنة الدولية، بل الواجب أن تُصان عن ذلك وتُحمى مصالح أهلها وأمنهم.
كما تعلن الرابطة بوضوح:
- رفضها لأي اصطفاف سياسي أو إعلامي أو عسكري خلف أحد المشروعين المتصارعين.
- رفضها لمحاولات تصوير هذا الصراع على أنه معركة تحرير أو نصرة لقضايا الأمة.
- تأكيدها أن قضايا الأمة – وفي مقدمتها قضية فلسطين – لا يجوز أن تُستعمل ورقةً في صراع نفوذ، ولا أن تُربط بمحاور إقليمية أو دولية.
- دعوتها إلى بناء موقف مستقل للأمة، يقوم على حفظ دينها ووحدتها وأمن شعوبها، وعدم الزج بها وقودًا في حروب الهيمنة.
- إن فلسطين وتحريرها واجب على كافة دول المسلمين، وهي قضية عادلة مستقلة لا تختزل في تجاذبات القوى، ولا تُستعمل غطاءً لمشاريع لا تخدم أهلها ولا تعيد لهم حقوقهم.
رابعًا:
توصي الرابطة بما يلي:
- وجوب الوعي بخطر المشروعين معًا، ورفض أي ارتهان سياسي أو فكري لهما.
- عدم الانجرار خلف الدعاية الإعلامية التي تلبّس صراعات النفوذ بلبوس القضايا الشرعية.
- تعزيز وحدة المسلمين على أساس العقيدة الصحيحة والمصالح المشتركة، بعيدًا عن المحاور المتصارعة.
- رفع مستوى الخطاب التوعوي، وكشف مشاريع الهيمنة التي تُدار على حساب دماء المسلمين وأمن بلدانهم.
- العمل على بناء مشروعٍ جامعٍ مستقلٍّ، يحفظ للأمة قرارها وسيادتها، ويهيئها لمرحلة ما بعد إنهاك القوى المتصارعة.
نسأل الله أن يكف بأس الظالمين عن بلاد المسلمين، وأن يجعل العاقبة للمتقين، وأن يحفظ الأمة من مكر الماكرين.
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
صادر عن:
الهيئة العليا لرابطة علماء المسلمين
١٢ رمضان ١٤٤٧هـ الموافق ١ مارس ٢٠٢٦م


