في معترك هذه الحرب التي تجلى فيها الوجه القبيح لكل ما يهدد الأمة من دخلاء ومرتهنين، برزت ثنائية لم تتعرض للتحدي كما تعرضت له اليوم: ثنائية “المسرى والأسرى”. لقد كان هذا الثنائي على الدوام مقياسًا لكرامة الأمة وعزتها، لكنها اليوم تحولت إلى مرآة عاكسة لأبشع صور الخيانة وأكملها.
المسرى المغلق: خزي يضاف إلى خزي
فالمسرى الذي كان على مدى العقود شريانًا موصولًا بين الجسد الفلسطيني وعمقه العربي والإسلامي، أُغلق بإرادة خائنة لم تكتفِ بالانبطاح للعدو، بل سعت إلى قطع آخر خيط يصل المكلومين بأنصارهم. هذا الإغلاق لم يكن قرارًا عابرًا، بل هو تتويج لمسار طويل من التنازلات التي بدأت بتطبيع خفي وانتهت بتطبيق علني لمشيئة الاحتلال.
إن إغلاق المسرى ليس مجرد إجراء إداري أو عقوبة سياسية، إنه في جوهره **خزي يضاف إلى خزي الخونة**، ليتم بذلك سجل العار كاملًا غير منقوص. لقد أرادوا للحساب أن يكون تامًا، فجمعوا بين قطع المدَد وترك الأسرى يواجهون مصيرًا لم يشهد له التاريخ مثيلًا.
الأسرى يواجهون الإعدام: سابقة تاريخية
ولأول مرة في تاريخ الصراع، يُحال الأسرى إلى الإعدام الجماعي، في سابقة لم تألفها الأعراف الدولية ولا القوانين العسكرية، ولا حتى ممارسات العدو نفسه في عقود طويلة من الاحتلال. إنها المرة الأولى التي يصل فيها الغدر بالأسرى إلى هذه الدرجة، ليكون لهم من كل مخزاة نصيب، ولتتوج مسيرة الخيانة بفصل لم يسبق إليه.
**وسيكتب التاريخ – وهو لا يكتب إلا الحقائق – أن هؤلاء الخونة ما نزلت بهم نقمة الله تعالى المرتقبة إلا بعد أن استكملوا سجلًا من الخيانة ليس فيه هامش أبيض يكتبون فيه حسنة واحدة.** لقد أغلقوا كل أبواب الخير، وأحرقوا كل جسور العودة، ورهنوا أنفسهم للعدو في صفقة لم يربحوا فيها سوى مزيد من الذل، وحسبهم من الخزي أن أغلقت على أيديهم معابر الحرية.
الأسرى وأهل الرباط: قصة واحدة
وأما الأسرى – فك الله تعالى أسرهم ونجاهم من كيد الخائنين – فإنهم ليسوا أحسن حظًا من أهل الرباط الذين تُركوا في العراء يواجهون الإبادة والمحرقة، دون أن يمد لهم أحد يدًا أو يحاول فك الحصار عنهم. إنهم وجهان لعملة واحدة: خيانة متكاملة الأركان، تنفذ في الأسرى بالإعدام، وتنفذ في أهل الرباط بالقتل والتجويع والقصف.
**وإن تم تنفيذ الإعدام في أحدهم فإنها الشهادة التي تسعى لمستحقيها**، ولا ينتظر من عدو ولا من خائن ذرة رحمة. لقد قطع الخائن والعدو عهدًا على أن لا يبقوا على أحد، واجتمعوا على البغي والعدوان، فكان الأسرى هم الشهداء المنتظرين، وكان أهل الرباط هم الشهداء الصابرين.
فاجروا الطوفان: رجال صنعوا المجد
رحم الله تعالى من فجروا الطوفان، فإن كل ما يفعله العدو اليوم إنما هو **ردة فعل خاسئة** على ما فعله به الرجال تلك الغداة المظفرة. لقد أيقظ الطوفان أمة كانت تغفو على وقع صفقات التطبيع، وكشف الوجه الحقيقي للعدو الذي لا يردعه إلا البأس، وللخائن الذي لا يردعه إلا سيف الحق.
إن ما يجري اليوم من إغلاق للمسرى وإحالة للأسرى إلى الإعدام، هو اعتراف صريح بأن الطوفان أحدث جرحًا غائرًا في جسد المشروع الصهيوني وأدواته من الخونة، وأن الانتصار الحقيقي هو أن يظل الرجال أوفياء لدمائهم، حتى لو دفعوا الثمن غاليًا.
خاتمة:
ستبقى هذه الثنائية – المسرى والأسرى – شاهدًا على أمة امتُحنت بالخيانة من داخلها قبل أن تمتحن بالعدو من خارجها. لكن التاريخ لا يكتبه الخائنون، والتاريخ الذي سيكتب هذه الملحمة سيسجل أن الخزي كان حليف الخونة، وأن الشهادة كانت نصيب الأوفياء، وأن الطوفان كان بداية النهاية لكل من راهن على استسلام الأمة.
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون..
المصدر
المقال مستوحى من كلمة للأستاذ محمد تاج الدين، على صفحته على موقع ميتا.

