اعلمْ أَنَّ هذهِ القاعدةَ ليستْ موقفًا سياسيًّا، ولا اصطفافًا في معاركِ المتصارعين؛ بل هي فقهٌ في سُننِ اللهِ، ودعاءٌ بالنجاةِ من الفتنِ؛ فالدُّنيا تموجُ بصراعاتٍ لا يخلو أَكثرُها من ظلمٍ وبغي، والمؤمنُ ليس مطالبًا أَن يكون طرفًا في كلِّ معركة؛ بل أَن يكونَ ثابتًا على ميزانِ الحقِّ.

«اللَّهُمَّ ادفَعِ الظَّالمينَ بالظَّالمينَ، وأَخرِجْنا مِنْ بَينِهِمْ سالمينَ»

القاعدةُ ليست تبريراً للظلمِ ولا اصطفافاً مع طرفٍ من المتصارعين، بل هي فقهٌ في سُننِ اللهِ ودعاءٌ بالنجاةِ من الفتنِ؛ فالمؤمنُ مطالبٌ أن يثبتَ على ميزانِ الحقِّ، لا أن يكونَ وقوداً لصراعاتِ الظالمين.

1-التَّأْصيلُ الشَّرعيُّ وفهمُ سُنَّةِ التَّدافُعِ

هذهِ العبارةُ جاريةٌ على أَلسنةِ النَّاسِ دعاءً، ومعناها في الجملةِ صحيحٌ من حيثُ الاستدلالُ بسُنَّةِ التَّدافُعِ التي قرَّرها القرآنُ الكريم: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ﴾.

أَولًا: التَّأصيلُ العلميِّ:

الأَصلُ أَنَّ اللهَ يجري في الكونِ سُننًا؛ منها أَن يُسلِّطَ بعضَ الظالمينَ على بعضٍ، فيكونُ في ذلك تقليلٌ لشرٍّ أَعظم، وكسرٌ لحدَّةِ البغي. وقد نصَّ أَهلُ العلمِ على أَنَّ اللهَ قد يدفعُ فسادًا بفسادٍ أَخفَّ، تحقيقًا لقاعدةِ دفعِ أَعظمِ المفسدتينِ باحتمالِ أَدناهما.

ثانيًا: الضَّبطُ المَنهجيِّ:

هذا الدُّعاءُ ليسَ تزكيةً للظلمِ ولا رضا بهِ؛ بل هو سؤالٌ بأَن يُصرفَ شرُّ الظالمينَ بعضُهم عن بعض، مع طلبِ السلامةِ للمؤمنين. ولا يجوزُ أَن يُفهمَ منهُ تمنِّي دوامِ الظلمِ أَو الركونِ إلى الفتنِ؛ بل الواجبُ أَصلًا إقامةُ العدلِ بحسبِ القدرة، والأَمرُ بالمعروفِ والنهيُ عن المنكر؛ كما أَنَّ تنزيلَ هذه القاعدةِ على الوقائعِ يحتاجُ إلى فقهِ مآلاتٍ وموازين، ولا يتوسَّعُ فيه بغيرِ علم.

ثالثًا: المقصدُ الصَّحيحُ للدُّعاءِ:

المقصودُ به: كفُّ أَذى الظالمينَ عن أَهلِ الحقِّ، وتقليلُ الشرورِ عند العجزِ عن رفعها بالكلية، وطلبُ السلامةِ للمسلمينَ من أَن يكونوا وقودًا لصراعاتِ الباطل.

الخُلاصة: هذهِ القاعدةُ من بابِ فقهِ السُّنن، لا من فقهِ الرِّضا بالواقعِ؛ فهي تعبيرٌ عن إدراكِ سُنَّةِ التَّدافُعِ، مع الالتزامِ بأَصلِ الشَّريعةِ في طلبِ العدلِ ودفعِ الظلم، وسؤالِ اللهِ أَن يجعلنا في جانبِ الحقِّ والسَّلامةِ، لا في صفوفِ الفتنِ والظالمين.

٢- الضَّبطُ المنهجيِّ: متى تُفهمُ القاعدةُ ومتى يُساءُ استخدامُها؟

اعلمْ أَنَّ المشكلةَ ليستْ في القاعدَةِ؛ بل في سُوءِ تنزيلِها؛ فهذهِ القاعدةُ إنما تُفهمُ في إطارٍ ضيِّقٍ مُنضبطٍ، فإذا أُخرجت عن حدِّها تحوَّلت من فقهٍ للسُّننِ.. إلى تبريرٍ للفتنِ!

أَولًا: مَتى تُفهمُ القاعدةُ فهمًا صحيحًا؟:

عندَ العجزِ عن إزالةِ الظلمِ بالكليَّةِ، وعندَ اشتباكِ قوى ظالمةٍ لا يُمكنُ ترجيحُ أَحدِها على أَساسٍ شرعيٍّ؛ فيكونُ الدُّعاءُ حينئذٍ: تقليلَ الشَّرِّ لا صناعتَهُ.

ثانيًا: متى يُساءُ استخدامُها؟

عندما تُستعملُ لتبريرِ ظلمِ طرفٍ لأَنَّهُ يُضعفُ خصمَهُ، أَو لتزيينِ واقعٍ فاسدٍ واعتباره «حكمةً إلهيَّةً» دون إنكار، أَو للانخراطِ في صراعاتٍ باطلةٍ بحجة «تدافعِ الظالمين» وهنا يقعُ الخللُ الكبير: فيتحوَّلُ الدُّعاءُ من طلبِ السَّلامةِ.. إلى غطاءٍ للانحياز!

ثالثًا: القاعدةُ لا تُلغي الأُصول؛ مهما اشتدَّت الفتن:

فالظلمُ يبقى ظلمًا، والعدلُ يبقى واجبًا، والبراءةُ من الباطلِ أَصلٌ لا يسقط؛ فلا يجوزُ أَن يقولَ قائل: «هذا ظالم؛ لكنَّهُ ينفعنا ضدَّ ظالمٍ آخر! ثم يُسقِطُ بذلك ميزانَ الشَّريعة!

رابعًا: الفرقُ بين الفهمِ والموقف:

قد تفهمُ أَنَّ اللهَ يُضعفُ الظالمينَ بعضَهم ببعض؛ لكن لا يعني ذلكَ أَن: تؤيِّدَ أَحدَهم، أَو تفرحَ بباطلِهِ، أَو تتكلَّمَ بلسانِهِ؛ بل تبقى ثابتًا: مع الحقِّ، لا معَ الأَطراف.

الخلاصةُ: القاعدةُ تُفهمُ عند العجز، وتُضبطُ بالعدل، وتُستعملُ للدُّعاءِ بالسَّلامةِ، لا للانخراطِ في الفتنةِ.

٣- خريطةُ الطَّريق: كيفَ يتصرَّفُ المسلمُ في زمنِ الفتنِ؟

اعلمْ أَنَّ فهمَ التَّأْصيلِ وضبطَ القاعدةِ يُعينانِ على حُسنِ تنزيلِ الحُكمِ؛ فماذا تفعل؟ وكيف تتحرَّك؟

أَولًا: ثبِّت ميزانَك قبل موقفِك:

لا تبدأ بتحديد: «مع مَن تقف» بل ابدأ بـ: ما هو الحق؟ وما هو الظلم؟فالمواقفُ تتبدَّل؛ لكنَّ الميزانَ لا يتبدَّل.

ثانيًا: لا تدخلْ معركةً ليست لك:

ليس كلُّ صراعٍ يجب أَن تنخرطَ فيهِ، ولا كلُّ معركةٍ تُنصِر فيها طرفًا؛ بل من الفقهِ: أَن تعتزلَ صراعَ الباطلِ إذا لم تملك القدرةَ على نصرةِ الحقِّ.

ثالثًا: اشتغِلْ بما ينفعُك عندَ اللهِ تعالى في زمنِ الضجيجِ:

أَكثِرْ من الدُّعاءِ، وأَصلِحْ قلبَك، والزمْ طاعةَ ربِّك؛ فإنَّ العبرةَ ليست: مع مَن كنت، بل: ماذا قدَّمتَ لنفسِك ولأُمَّتِك؟

رابعًا: انصُرِ المظلومَ بلا انحيازٍ أَعمى:

ادعُ لهُ، وأَعِنهُ بما تستطيع، وبيِّن مظلوميته؛ لكن دون أَن تتحوَّل إلى أَداةٍ في صراعٍ أَكبر لا تفقهه.

خامسًا: احذرْ فتَنَ الإعلامِ والاستقطاب:

أَكثرُ الناسِ لا يسقطون في الفتنةِ بالسَّيفِ؛ بل بالكلمةِ والموقفِ والانفعال! فلا تجعلْ نفسَك لسانًا لظالمِ، أَو مروِّجًا لباطل، أَو جنديًّا في معركةٍ دعائيَّة.

سادسًا: الزمِ الدُّعاءَ الذي لأَجلهِ جاءت القاعدة:

قل بقلبٍ صادقٍ: اللَّهُمَّ! ادفعِ الظالمينَ بالظالمين، وأَخرجنا من بينهم سالمينَ.

أَي: لا تجعلْنا وقودًا للفتنةِ، ولا في صفِّ الظالمين، ولا تبتلِنا بما ابتليتَهم به، وأَصلِحْ حالَنا، وهيِّئْ لنا أَمرَ رُشدٍ يُعَزُّ بهِ أَهلُ طاعتِك، ويُذَلُّ بهِ أَهلُ معصيتِك، ويُقامُ بهِ العدلُ في الأَرض.

سابعًا: تعلَّقْ باللهِ تعالى لا بالأَحداثِ:

الأَحداثُ تتغيَّر، والقوى تتبدَّل، والمنتصرُ اليوم قد يكون مهزومًا غدًا؛ لكن: مَن كانَ معَ اللهِ؛ فلن يضيع.

الخُلاصةُ: في زمنِ الفِتنِ: ثبِّتْ ميزانَك، واحفَظْ قلبَك، والزمْ ربَّك، واطلُبِ السَّلامةَ؛ فليستِ النجاةُ في الانتصارِ في صراعٍ دنيويٍّ؛ بل في أَن تلقى اللهَ سليمَ القلب، سالمًا من الفتنةِ.

٤- أَخطرُ الانحرافاتِ في فهمِ القاعدَةِ

اعلمْ أَنَّ هذهِ القاعدةَ من الفقهِ؛ لكنَّ سُوءَ فهمِها من الفتنِ! وكم زلَّت بها أَقدامٌ، وانحرفت بها عقولٌ؛ حتى صارت عند بعض الناس جسرًا إلى تبريرِ الباطلِ!

أَولًا: تحويلُ القاعدةِ إلى اصطفاف:

فيجعلها البعضُ مبرِّرًا للوقوفِ مع ظالمٍ؛ لأَنَّهُ يُضعفُ ظالمًا آخر! وهذا من أَعظمِ الانحراف؛ لأَنَّ القاعدةَ دعاءٌ بالسَّلامةِ، لا إذنٌ بالمشاركة.

ثانيًا: تزيينُ الظلمِ باسمِ الحكمة:

فيُقال: هذا الذي يحدثُ «تدبيرٌ إلهيٌّ جميل»! ثم يُغفَلُ عن إنكارِ الظلم! والصَّوابُ: نفهمُ السُّنن؛ لكن لا نُزيِّنُ الباطل، ولا نُسقِطُ واجبَ الإنكار.

ثالثًا: إسقاطُ ميزانِ الشريعةِ أَمامَ الواقعِ:

فيُقال: الواقعُ مُعقَّد؛ فلا يمكنُ الحكم! فيضيعُ الحقُّ والباطل! وهذا خللٌ منهجيِّ؛ فالشريعةُ لم تُجعل لتتبعَ الواقع، بل ليُوزَنَ بها الواقع.

رابعًا: الانشغالُ بالتحليلِ وتركُ العملِ:

فيغرقُ البعضُ في تفسيرِ الأَحداث، وينسى: التوبةَ، والدُّعاءَ، وإصلاحَ النفس. وهذا من أَخطرِ ما يكون؛ لأَنَّ الفتنةَ لا تُدفَعُ بكثرةِ التحليل؛ بل بالرجوعِ إلى اللهِ.

خامسًا: الجرأةُ على تنزيلِ القاعدةِ بلا علم:

فيُطلقُ الأَحكامَ على دولٍ وصراعاتٍ كبرى دون فقهٍ أَو علمٍ بالمآلات! وهذا بابٌ خطير؛ فإنَّ تنزيلَ القواعدِ على الواقع يحتاجُ علمًا راسخًا وبصيرة، لا مجرَّدَ حماس.

سادسًا: الفرحُ بهلاكِ طرفٍ دون اعتبارِ الحقّ:

فيفرحُ بعضُ الناس بسقوطِ جهةٍ؛ لا لأَنَّها ظالمة، بل لأَنَّها خصمٌ لهُ! وهذا خللٌ في القلب؛ فالمؤمنُ يفرحُ بزوالِ الظلم، لا بانتصارِ الهوى.

الخلاصة: أَخطرُ ما في هذهِ القاعدةِ:

أَن تتحوَّل من دعاءٍ بالنجاةِ، إلى ذريعةٍ لتبريرِ الفتنةِ. فالزمِ الأَصل: لا تُبرِّرْ ظلمًا، ولا تنصرْ باطلًا، ولا تنخدعْ بشعار، وكن دائمًا: مع الحقِّ، لا مع الأَطراف.

٥- الخُلاصةُ الجامعة

اعلمْ أَنَّ هذهِ القاعدةَ ليستْ موقفًا سياسيًّا، ولا اصطفافًا في معاركِ المتصارعين؛ بل هي فقهٌ في سُننِ اللهِ، ودعاءٌ بالنجاةِ من الفتنِ؛ فالدُّنيا تموجُ بصراعاتٍ لا يخلو أَكثرُها من ظلمٍ وبغي، والمؤمنُ ليس مطالبًا أَن يكون طرفًا في كلِّ معركة؛ بل أَن يكونَ ثابتًا على ميزانِ الحقِّ.

فإنِ اشتبكَ الظالمونَ، وفهمت أَنَّ الله قد يدفعُ بعضَهم ببعض؛ فلا تنسَ أَصلَك: لا تُبرِّرْ ظلمًا، ولا تُزيِّنْ باطلًا، ولا تنحزْ لهوى، ولا تكنْ لسانًا لأَحد؛ بل كن: شاهدًا بالحقِّ، معتزلًا للفتنةِ، متعلِّقًا باللهِ تعالى.

واعلم أَنَّ النجاةَ ليست في أَن تنتصرَ في صراعٍ دنيوي؛ بل أَن تخرجَ من الفتنةِ سليمَ القلب، ثابتَ الدين، طاهرَ اليد.

فاجعل دعاءك صادقًا: اللَّهُمَّ! ادفعِ الظالمينَ بالظالمين، وأَخرجنا من بينهم سالمينَ.

أَي: لا تجعلنا وقودًا للفتن، ولا أَدواتٍ للظالمين، ولا ضحايا لصراعاتهم؛ بل سلِّمنا في ديننا، واحفظنا في قلوبنا، واكتب لنا النجاةَ في الدنيا والآخرة.

الخُلاصةُ الكبرى: هذه القاعدةُ ميزانٌ للفهم، لا رايةٌ للاصطفاف.

٦- تنزيلُ قاعدَةِ على واقعِ الصِّراعاتِ المعاصِرَةِ

اعلمْ أَنَّ فهمَ هذهِ القاعدةِ في زمنِ الفتنِ لا يكونُ بالعاطفةِ ولا بالاصطفافِ الأَعمى، ولا بـ «الاستدلالِ السَّطحيِّ» بل بـ «منهجٍ علميٍّ راسخٍ» يقومُ على العدلِ، وفقهِ السُّننِ، وتحقيقِ المناطِ؛ ليكونَ المسلمُ على بصيرةٍ من أَمرِه وسطَ تلاطمِ الأَمواجِ السِّياسيةِ والعسكرية:

أَوَّلًا- أَصلُ القاعدةِ وضابطُها السُّنَنيِّ:

هذهِ القاعدةُ مستندةٌ إلى سُنَّةِ التَّدافعِ الإلهيَّةِ: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ وهي تُفهمُ في إطارِ «تقليلِ الشَّرِّ» عندَ العجزِ عن رفعهِ، لا في إطارِ تبريرِ الظلمِ أَو تزيينهِ؛ فليسَ في الشَّريعةِ إقرارٌ لظالمٍ لمجردِ أَنَّهُ يقاتلُ ظالمًا آخَر، بل هو تدبيرٌ قَدَريٌّ يضربُ اللهُ فيه الباطلَ بالباطلِ ليَكُفَّ بأَسَهم عن أَهلِ الحقِّ.

ثانًيا- ميزانُ العدلِ وفقهُ (اجتماعِ الشُّرور):

الواجبُ على المسلمِ أَن يحكمَ بـ «ميزانٍ واحدٍ»؛ فالباطِلُ ليسَ محصورًا في جهةٍ واحدةٍ. وعندَ النَّظرِ إلى المشهدِ المعقَّدِ الذي يجمعُ (إيران) من جهة، و(أَمريكا وإسرائــيل) من جهةٍ أُخرى؛ يقضي المنهجُ العدلُ بـأَنَّ (إيران) التي أَوغلتْ في دماءِ أَهلِ السُّنَّةِ في «بغدادَ ودمشقَ وصنعاءَ وبيروت» هي مشروعُ «تغوُّلٍ طائفيِّ» خرَّبَ الحواضر. وفي المقابل؛ فإنَّ (أَمريكا وإسرائــيل) تُمثِّلانِ مشروعَ «الاستعمارِ والاحتلالِ» الذي يسحقُ الإنسانَ وينهبُ المقدَّسات. فلا يمكنُ للبيبٍ أَن يرى في أَحدهما «منقذًا»؛ لأَنَّ كليهما يلتقي في نتيجةٍ واحدةٍ: إضعافُ الأُمَّةِ واستباحةُ دمائِها.

ثالثًا- التَّدافعُ بين (الأَضدادِ المتشابهة) وعدمُ التَّخندقِ:

تطبيقُ القاعدةِ هنا يعني أَنْ نُدركَ أَنَّ اللهَ – بحكمتِهِ – يجعلُ هذهِ القُوى المتجبرةَ تتصادمُ وتتآكل؛ إنَّ صراعَهم اليومَ هو صراعُ نفوذٍ ومصالحٍ، وليسَ صراعًا من أَجلِ نُصرةِ المستضعفينَ. لذا؛ فإنَّ الموقفَ المنهجيَّ هو «عدمُ التَّـخندقِ» خلفَ أَيٍّ منهما؛ فـالغريقُ لا يستنجدُ بـغريقٍ آخر، والمقتولُ لا يَنْحازُ لـقاتلِهِ القديمِ هربًا من قاتلِهِ الجديدِ، والقاعدةُ الذَّهبيَّةُ هنا: «ليسَ كلُّ مَن أَبغضتَ باطَلَهُ ناصرتَ خَصمَهُ».

رابعًا: معنى (السَّلامةُ) في زمنِ الفتنِ:قولنا: (وأَخرِجنا من بـينهم سالمين) تعني في هذا السِّياقِ ثلاثةَ أَبعاد:

١- سلامةُ الوعي: أَلَّا ننخدعَ بـشِعاراتِ (المقاوَمة) التي ترفعُها جهةٌ تقتُلُ إخوانَنا في بلدٍ آخَر.

٢- سلامةُ الدِّين: أَلَّا نرتمي في أَحضانِ الصَّهايــنةِ بـحُجَّةِ مواجهةِ الخطرِ الإيرانيِّ.

٣- سلامةُ المآل: أَلَّا نكونَ «حطبَ حريقٍ» في معركةٍ يقودُها ظالمان؛ ليَصْفُوَ الجوُّ لأَحدهما في نهايةِ المطاف.

خامسًا: الثِّقةُ باللهِ وفُرصةُ (الـمشروعِ الثَّالثِ):

مع فهمِ سُننِ التَّدافعِ، لا يغيبُ عن قلبِ المؤمنِ «حُسنُ الظنِّ باللهِ» والثِّقةُ بـتدبيرهِ؛ فقد تقتضي حكمةُ اللهِ أَن يضعفَ أَطرافُ البغيِ بـبعضِها؛ فتتقلَّصُ قدرتُهم على الإفسادِ، ويتهيأُ حينئذٍ مجالٌ لـ «التقاطِ الأَنفاس». إنَّ انشغالَ هؤلاءِ بـبعضِهم هو «فُرصةُ الـمشروعِ الرَّاشِد»؛ فالواجبُ على أَهلِ السُّنةِ والجماعةِ أَلَّا ينشغلوا بالانتظارِ، بل بـتَرميمِ ذاتِهم، وبناءِ قوَّتِهم؛ لتكونَ لهم «رايةٌ مُستقلةٌ» خارجَ هيمنةِ القُطبين.

الخلاصةُ: نحنُ ننظرُ إلى هؤلاءِ جميعًا بـميزانِ: ﴿نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. هذهِ القاعدةُ ليست أَداةَ اصطفاف، بل هي ميزانٌ لفهمِ سُننِ اللهِ في تدافعِ الشُّرور.

موقفُنا هو «الحيادُ الإيجابيُّ الباني»؛ نفرُّ من ظُلْمِهم جميعًا إلى عَدْلِ الله، ونرجو بـهلاكِ الظالمينَ بالظالمينَ فجرًا جديدًا للمستضعفين، ثابتينَ على أَصلِنا: بغضُ الظلمِ من كلِّ جهةِ، والاعتصامُ باللهِ في كلِّ حال، والحذرُ من الانجرارِ وراءَ استقطاباتٍ تُزيِّنُ بعضَ الظلمِ بـبعض.

٧- ثقةُ المؤمنِ بينَ مَكرِ اللهِ وغُرورِ الطُّغاةِ

اعلمْ أَنَّ النظرةَ المادِّيةَ المجرَّدةَ قدْ تُورِثُ القلبَ أَسًى وهو يشهدُ صِدامَ القوى الباغية؛ لكنَّ عينَ البصيرةِ تنفذُ إلى ما وراء الحُجُبِ، فترى «مكرَ الله بالظالمين» فاللهُ – سبحانه، بيده ملكوتُ كلِّ شيء – يُدبِّرُ الأَمرَ لدينِهِ وأَوليائِهِ من حيثُ لا يحتسبونَ، ويُجري من أَسبابِ نُصرتهم ما لا تُدركهُ الأَبصارُ القاصرة. ويتجلَّى هذا اليقينُ في ثلاثةِ مقاماتٍ:

١- مكرُ اللهِ المحيط:

قال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. قد يظنُّ الطغاةُ أَنَّهم يُحكِمونَ هندسةَ المشهدِ، ويُرسِّخونَ سلطانهم بحروبهم؛ غير أَنَّ سنَّةَ الله ماضية: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾. فكلُّ تدبيرٍ ينسجونَهُ، وكلُّ نارٍ يُؤجِّجونها؛ هو في الحقيقةِ استنزافٌ لجبروتِهم، وتآكُلٌ لقوَّتِهم؛ حتى ينقلب مكرُهم عليهم، وهم لا يشعرون، والحمدُ لله ربِّ العالمين.

٢- مشيئَةُ اللهِ النَّافِذَة:

يجبُ أَن يستقرَّ في القلوبِ يقينٌ لا يتزعزع: أَنَّ «اللهَ يفعلُ ما يشاء» لا ما تُمليهِ القوى، ولا ما ترسمهُ المشاريع. فإذا أَرادَ اللهَ أَمرًا هيَّأَ لهُ أَسبابهُ، ومن سننه أَنَّهُ إذا بلغَ الظُّلمُ مُنتهاهُ، سلَّطَ الظَّالمينَ بعضَهم على بعضٍ؛ ليَقصمَ شوكتهم، ويُخْليَ السَّاحةَ لفجرٍ جديدٍ؛ فلا تغترَّ بانتفاشِ الباطلِ؛ فإنَّما هو إلى زوالِ، وما عندَ اللهِ آتٍ لا محالة.

٣- فقهُ «الانبِعاثِ مِنَ الرُّكامِ»:

إنَّ الثِّمارَ العِظامَ في تاريخِ الأُمَّةِ لم تنضجْ إلَّا في رَحِمِ الأَزماتِ العاصِفةِ؛ فمن سننِ التَّدافعِ «أَنَّ تآكُلَ أَطرافِ الظلم يُضعِفُ المتصارعين» وهما في أَصلِهما عدوانٌ على الأُمَّةِ؛ فيقوى بذلكَ جَناحُ المستضعفينَ ضرورةً. والفراغُ الذي يخلِّفه انكسارُ الباطل أَو تراجعُ نفوذِهِ، هو بعينِهِ ميدانُ انبعاثِ الحقِّ، ومساحةُ إعادةِ البناءِ؛ إذا وُجِد الصِّدقُ، واستُحضِرَت السُّنن، وأُحسِنَت الاستفادةُ من اللحظةِ؛ بإذن اللهِ.

الـخُلاصَةُ: لا ييأسُ المؤمنُ وهو يرى مدافعَ الظَّالمينَ؛ فـ ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾. إنَّ تآكُلَهم ببعضِهم بدايةُ انبعاثِ الحقِّ؛ فالباطلُ – وإن انتفش – زهوق، والحقُّ – وإن ضُيِّق عليهِ – منصورٌ بوعد الله: ﴿ونُريدُ أَن نَّمُنَّ على الَّذينَ اسْتُضْعِفُوا في الأَرْضِ ونَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً ونَجْعَلَهُمُ الوارِثينَ﴾ [القصص: ٥].

دُعاءُ الفقهِ في الفِتنِ ورُسوخِ البصيرَة:

اللَّهُمَّ! يا مَن بيدِهِ مقاليدُ القُلوبِ والعُقول؛ نسأَلُكَ أَنْ تمُنَّ علينا بـ «فقهٍ في الفِتن» يُبصِّرُنا بالحقِّ إِذا التبَس، ويهدينا للرُّشدِ إِذا اضطربَتِ الآراء.

اللَّهُمَّ! ارزُقنا بصيرَةً ننفُذُ بها إِلى مقاصِدِ الشَّرعِ وسنَنِ الكون، ولا تجعَلنا مِمَّنْ تستَهويهِمُ الشِّعارات، أَو تجرفُهمُ العواطِفُ العاصِفَة.

اللَّهُمَّ! أَرِنا الحقَّ حقًّا وارزُقْنا اتِّباعَهُ، وأَرِنا الباطِلَ باطِلًا وارْزُقْنا اجتِنابَهُ، ولا تجعَلْهُ مُلْتَبِسًا عليْنا فنضِلَّ.

اللَّهُمَّ! اجعَلنا مِمَّنْ يقْرأُ الواقِعَ بنورِ الوحْي، ويفهَمُ التَّدافُعَ بميزانِ العَدْل، ويثبُتُ على المنهَجِ عندَ تزلزُلِ الأَقدام.

اللَّهُمَّ! نعوذُ بكَ من مضِلَّاتِ الفِتَن؛ ما ظهَرَ منها وما بطَن، واجعَلنا مفاتيحَ للخيرِ مغاليقَ للشَّرِّ، راسخينَ في العلم، صادقينَ في العمَلِ.

اللَّهُمَّ أَعِزَّ أُمَّتَنا بعُقولٍ تعي سُنَنَكَ، وقُلوبٍ تَثِقُ بتدْبيرِكَ، وأَخرِجْنا من بينِ الظَّالمينَ سالمينَ، غانمينَ، مُبصرينَ.

والحمدُ للَّهِ الَّذي بنعمتِهِ تتمُّ الصَّالحاتُ.

المصدر

صفحة عبد الله الأثري، على منصة X.

اقرأ أيضا

سنة الله في تدمير الظالمين

‏أحداث إيران: رؤية شرعية سياسية  

وعي الأمة في زمن المتغيرات الكبرى

الهروب من الخطر الإيراني إلى أحضان الصهاينة

التعليقات معطلة