الكيان الوحيد الذي يشكّ مواطنوه في بقائه

بمناسبة ما يُسمى “يوم الاستقلال”، وفي سياق التحذيرات المتتالية التي يطلقها مسؤولون ومحللون إسرائيليون من داخل الكيان نفسه، يبرز سؤال محوري: هل هناك كيان في العالم يشك مواطنوه ونخبه في قدرته على البقاء؟

المقال التالي يجمع أقوالاً متفرقة لوزراء سابقين، جنرالات متقاعدين، كتاب عموم، ومحللين إسرائيليين، تؤكد جميعها أن “إسرائيل” تمر بأزمة وجودية غير مسبوقة، وأن مستقبلها بات محل تساؤلات داخلية قبل أن يكون خارجية.

التحذير من الانهيار قبل المئوية

  • اللواء الاحتياطي اسحق بريك (معاريف، فبراير 2026):

“عندما أحاول التطلع إلى الأمام، أجد نفسي أسأل: هل ستصل دولة إسرائيل إلى سن المئة؟”

“إسرائيل أصبحت مجتمعاً ممزقاً من الداخل، يسوده كراهية عميقة بين الفئات الاجتماعية، بين اليمين واليسار، وبين اليهود والعرب.”

“قيادة إسرائيل تضع بقاءها السياسي فوق المصلحة العامة، وهي قيادة قاصرة وبلا اتجاه.”

“إسرائيل تُنظر إليها دولياً كدولة تثير الاشمئزاز والرفض.”

ويضيف بريك أن مرونة إسرائيل تتآكل في كل القطاعات: الأمن، الاقتصاد، التعليم، الصحة، البنية التحتية والعلوم. ويدعو إلى “تمكين جيل الشباب لتولي القيادة وإخراج البلاد من أزمتها الحالية”.

  • الكاتب الإسرائيلي دان بيري (معاريف):

كتب بيري محذراً من نفس المصير:

“إذا بقي تحالف نتنياهو، ستتفاقم التآكلات، ومعها يزداد خطر التفكّك الداخلي. في رأيي، من المشكوك فيه أن تبقى إسرائيل على حالها حتى عام 2048، وسيكون ذلك كارثة. كان لدى الاتحاد السوفيتي ويوغوسلافيا وتشيكوسلوفاكيا بدائل، أما إسرائيل فلا تملكها”.

  • اللواء عامي أيالون (رئيس جهاز الأمن الداخلي الشاباك سابقاً – فايننشال تايمز، أبريل 2025):

“هناك أزمة هووية لمجتمع إسرائيلي بأكمله. وهذا هو السبب في أن ما نواجهه الآن هو أزمة وجودية.”

“لا أستطيع أن أصف كيف ستكون إسرائيل بعد أربع سنوات من الآن.”

ويضيف أيالون أن نتنياهو يهدف إلى استغلال الحرب في غزة من أجل إطالة ولايته، لأنه يدرك أن إحلال السلام يعني انهيار حكومته الائتلافية اليمينية.

من الداخل أيضاً – أزمة تمزق وانهيار معنوي

  • يوسي (الوزير الإسرائيلي الأسبق – إسرائيل هيوم، أبريل 2026):

حذر بي لين من أن التهديد الحقيقي ليس فقدان الأراضي، بل “احتمالية سيطرة أقلية يهودية على أغلبية فلسطينية”، وهو سيناريو يتعارض مع “الرؤية الصهيونية والقيم الديمقراطية الأساسية”.

  • مدير عام منظمة “غيشير” (جسر) الإسرائيلية (جيروزاليم بوست، روش هاشاناه 2025):

في مقال بعنوان “الصدع الاجتماعي الإسرائيلي هو تهديد وجودي”:

“في دول أخرى، الصدع الاجتماعي هو ‘مجرد’ تهديد اجتماعي. أما في إسرائيل، فهو وجودي.”

“أعظم عدو للشعب اليهودي لم يكن قط خارجياً. لقد صمدنا دائماً أمام أعدائنا… إن أخطر تهديد لدينا كان دائماً أنفسنا.”

“نحن وحدنا من جلبنا الدمار إلى سيادتنا في الماضي، ونحن وحدنا من قد نجلبه مرة أخرى، لا قدر الله.”

  • دافيد غروسمان (الأديب والكاتب الإسرائيلي البارز – من كتابه الجديد “القلب الذي يفكر”، سبتمبر 2025):

“بين جميع دول العالم، فقط إسرائيل تجد نفسها في هذا الموقف السخيف. بعد ستة وسبعين عاماً من السيادة، لا يزال وجود إسرائيل غير ‘شرعي’ من قبل بقية العالم.”

“في الوعي الجماعي للعديد من الأمم والأديان والدول، الوجود اليهودي الإسرائيلي غريب وهش ومشروط.”

“من بين الأسئلة المقلقة التي يثيرها غروسمان: هل نحن قادرون على الفوز بالحرب القادمة وحدنا؟” ويجيب: “ما اكتشفناه – خلافاً لكل ما كنا نعتقده وجميع الأوهام المتغطرسة التي خدعنا بها أنفسنا لعقود – هو أننا على الأرجح لن نكون قادرين على كسب الحرب القادمة وحدنا.”

الانهيار الاقتصادي والهجرة الجماعية

  • جريج رومان (المدير التنفيذي لمنتدى الشرق الأوسط، نوفمبر 2025):

“لقد غادر نحو 125 ألف إسرائيلي منذ عام 2022. لم يعد هذا مجرد اتجاه اجتماعي – بل هو ضربة للأمن القومي.”

“التعب، الإنكار، والاعتقاد الخطير بأن ‘كل شيء سيكون على ما يرام’ – هذه هي الأنماط الإسرائيلية المألوفة التي عادت لتظهر.”

ويضيف رومان أن إسرائيل تواجه أزمة ثلاثية الأبعاد: تآكل الثقة في مؤسسات الدولة، شرخ عميق في التضامن الاجتماعي، وهجرة الأدمغة.

  • بيانات رسمية (مكتب الإحصاء المركزي الإسرائيلي، يناير 2026):

أظهرت بيانات صدرت في 28 يناير 2026 زيادة بنسبة 39% في الهجرة من إسرائيل خلال عام 2024 مقارنة بالعام السابق.

رؤية “سوبر سبارتا” والانعزال الدولي

  • نتنياهو نفسه يعترف بالعزلة (سبتمبر 2025):

في خطاب وصف بأنه “كارثي” و”أثار إنذاراً في إسرائيل”، اعترف بنيامين نتنياهو بأن إسرائيل تواجه “عزلة مطولة” و”مقاطعة دولية متزايدة”. وطرح رؤية “إسرائيل كسوبر سبارتا” – دولة مغلقة على نفسها، معتمدة على ذاتها عسكرياً، ومستعدة لمواجهة العالم بمفردها.

  • ردود الفعل الداخلية على رؤية نتنياهو:

يائير لبيد (زعيم المعارضة): “العزلة ليست قدراً محتماً، بل نتيجة فشل سياسات نتنياهو”.

منتدى الأعمال الإسرائيلي: حذّر من أن رؤية نتنياهو “ستجعل من الصعب على إسرائيل البقاء في اقتصاد معولم” و”ستدفعها إلى حالة خطيرة قد تهدد وجودها”.

خبراء اقتصاد: حذروا من أن “الهدف المعلن المتمثل في احتلال غزة يعرض الأمن طويل الأمد لإسرائيل للخطر ويخاطر بدفعها للخروج من العالم المتقدم”.

هل يمكن إنقاذ الكيان؟

في خضم هذه التحذيرات، يقدم بعض المحللين “وصفات للخلاص”، لكنها تعكس حجم اليأس:

اللواء بريك: يدعو إلى تمكين “جيل الشباب من تحويل اليأس إلى مسؤولية والاستقطاب إلى شراكة فكرية”.

جريج رومان: يدعو إلى “خطة نهضة وطنية” تشمل خدمة مدنية وعسكرية إلزامية لجميع القطاعات (بما في ذلك الحريديم والعرب).

دافيد غروسمان: يرى أن السلام هو “الأولوية الوطنية الأكثر أهمية لإسرائيل”، وأن “أي اتفاق يعزز علاقات إسرائيل في المنطقة يجب أن يعالج الشعب الفلسطيني ومأساته وجرحه: جرح النزوح، جرح الاحتلال”.

الخلاصة

لم يعد الخطر على “إسرائيل” قادماً من صواريخ المقاومة فقط، بل من شكوكها الداخلية العميقة بشرعية وجودها واستمراريتها.

إذا كانت أعتى الإمبراطوريات – كالاتحاد السوفيتي ويوغوسلافيا – قد تفككت، فمن السذاجة الاعتقاد بأن كياناً قائماً على الغصب والعنصرية والتطرف، ومزقته الصراعات الداخلية، وهجرته عقوله، وتخلت عنه أحلامه، سيكون استثناءً.

إنه “الكيان” الوحيد الذي يشكّ مواطنوه أنفسهم – وليس فقط أعداؤه – في إمكانية بقائه.

اقرأ أيضا

حدث مهم في الشارع الأوروبي

كيف يقرأ الصهاينة نهاية الدعم الأمريكي؟

التعليقات معطلة