إن المعركة مع “دين المؤتفكات” هي معركة وجودية تحدد مستقبل البشرية. ليست معركة بين تيارات سياسية، ولا بين حضارات جغرافية، بل هي معركة بين الفطرة السليمة وبين التمرد عليها، بين الخلق المتوازن وبين الانحراف المدمر.
عودة خطيئة قوم لوط.. من التاريخ إلى الأيديولوجيا المعاصرة
لطالما شكلت قصة قوم لوط في القرآن الكريم علامة فارقة في سجل الانحراف البشري عن الفطرة. وصفهم الله تعالى بالمؤتفكات – أولئك الذين قلبوا الموازين رأساً على عقب – جاءوا بالخطيئة التي لم يسبقهم بها أحد من العالمين. لقد تجاوزوا مجرد الفعل الشاذ إلى حد الطعن في مفهوم الطهارة نفسه، حين طردوا نبي الله لوطاً من قريتهم بحجة “أنهم أناس يتطهرون”. كانت العاقبة الإلهية حاسمة: قلبٌ كامل للمجتمع، وتدميرٌ لا يبقي ولا يذر.
اليوم، وبعد آلاف السنين، نشهد ظاهرة مروعة: إحياء هذه الخطيئة نفسها وتحويلها إلى “دين” جديد، يُدافع عنه بشراسة، ويُروج له بأدوات العصر، ويُفرض على الشعوب تحت مسميات براقة مثل “التطور” و”التحضر” و”حقوق الإنسان” و”الحرية الفردية”. فكيف تحول فعلٌ استثنائي مذموم عبر كل الحضارات إلى “حق مقدس”؟ وكيف استطاعت أيديولوجيا حديثة أن تجعل من الشذوذ قضية مركزية للحضارة الغربية؟ هذا المقال يحاول الغوص في الأعماق الفلسفية والاستراتيجية لهذه الظاهرة الخطيرة.
الجذور الفلسفية العميقة.. البحث المضطرب عن الجنة الأرضية
- العلمانية كمشروع متكامل لإلغاء المقدس
لا يمكن فهم انتشار ظاهرة الشذوذ في الغرب المعاصر من خلال تفسير أحادي الجانب. فالبعض يرى أن الليبرالية هي المسؤولة وحدها، لكن التحليل العميق يكشف أن الجذر الحقيقي يكمن في المشروع العلماني الشامل. هذا المشروع الذي بدأ مع عصر النهضة والتنوير، سعى بطريقة منهجية إلى إقصاء الدين والغيبيات من الحياة العامة، ونزع القداسة عن المفاهيم والأخلاق.
تشاركت في هذا المشروع تيارات فكرية متناقضة ظاهرياً: الليبرالية الرأسمالية، والشيوعية الاشتراكية، والفلسفات المادية المختلفة. ما يجمعها هو محاولة بناء نظام أخلاقي ومعرفي مستقل عن الوحي السماوي، يعتمد على العقل البشري والتجربة الحسية كمصدر وحيد للمعرفة والحقيقة.
- من إلغاء الجنة الأخروية إلى البحث عن اليوتوبيا الأرضية
عندما يغيب الإيمان بالآخرة والثواب والعقاب الإلهي، تظهر فجوة وجودية كبيرة: ما الهدف من الحياة؟ كيف نتحمل معاناة الدنيا إن لم يكن هناك أمل في جنة خالدة؟
لقد قدمت الفلسفات العلمانية إجابة مغرية وخطيرة في آن واحد: إذا لم تكن هناك جنة في الآخرة، فلنصنع جنتنا في الدنيا. هذه “الجنة الأرضية” أو “اليوتوبيا” تصبح الهدف الأقصى للمجتمع البشري. وبناءً على الفلسفة النفعية التي تقيس كل شيء بمقدار المتعة والسعادة التي يقدمها، أصبح تحقيق “أقصى قدر من السعادة لأكبر عدد من الناس” هو الشعار الأعلى.
- تعظيم الشهوة الفردية تحت مظلة “حقوق الإنسان”
هنا يتداخل المشروع الليبرالي بشكل خاص مع هذه الرؤية. إذا كان الهدف هو السعادة الدنيوية، والشهوات البشرية هي الطريق الأقصر إلى تلك السعادة (من وجهة نظر مادية)، فلماذا نقمعها؟ على هذا الأساس، تطورت فكرة تقديس الحرية الفردية إلى حد جعلها قيمة مطلقة، شريطة ألا “تضر بالآخرين” مباشرةً.
تحت هذه المظلة الواسعة، بدأت جميع الشهوات تحظى بالشرعية: شهوة جمع المال، شهوة السلطة، شهوة المتعة الجنسية. ومع مرور الوقت، ومع تآكل الأخلاق المسيحية التقليدية في الغرب، لم يعد هناك سقف لهذه الشهوات. فالمبدأ أصبح: “ما دام هناك رضى بين بالغين، ولا ضرر مباشر للغير، فليفعل الإنسان ما يشاء”.
وهكذا، تحولت الرغبة الجنسية من غريزة فطرية موجهة نحو التناسل والاستقرار الأسري، إلى مجرد “توجه شخصي” و”هوية فردية” يمكن ممارستها بأي شكل، مع أي شخص، خارج أي إطار أخلاقي أو غائي.
معركة المفاهيم.. تفكيك “الفطرة” واختطاف “الإنسانية”
- الهجوم على مفهوم الفطرة
عندما يحاول المدافعون عن المنظور الإسلامي أو الأخلاقي التقليدي مجادلة أنصار الشذوذ، فإن أول عقبة يواجهونها هي رفض الخصم لأصل مفهوم “الفطرة” نفسه. فالاستدلال بأن الشذوذ “خروج عن الفطرة” يفترض مسبقاً أن هناك فطرة إنسانية ثابتة، وهو افتراض يرفضه الفكر العلماني المادي.
من وجهة النظر العلمانية المتطرفة، الإنسان هو نتاج ثقافته وبيئته وتجاربه فقط. لا وجود لـ”طبيعة بشرية” ثابتة تحدد له ما هو صحيح أو خاطئ على المستوى الأخلاقي. فما يراه جيلٌ منحرفاً، قد يراه الجيل التالي تقدماً وتحضراً. وهكذا، يدور الجدل في حلقة مفرغة: “أنت تقول إنه خلاف الفطرة، وأنا أقول إن الفطرة غير موجودة أصلاً، أو هي قابلة للتغير والتطور”.
- اختطاف مفهوم “الإنسانية” وتحويله إلى سلاح
بعد تفكيك مفهوم الفطرة، يلجأ أنصار الأيديولوجيا الجديدة إلى مفهوم بديل: “الإنسانية”. ويصوغون السؤال بطريقة مغلوطة: “هل من الإنسانية أن تحرم شخصاً من ممارسة حبه؟ هل من الإنسانية أن تقمع هوية شخص؟”.
المشكلة هنا أن “الإنسانية” أصبحت هي الأخرى مفهوماً مرناً، تتم عملية تحديده من قبل النخب الثقافية الغربية، وليس بناءً على مرجعية ثابتة. فما يرونه اليوم “إنسانياً” (كقبول الشذوذ) قد يكون غداً “لا إنسانياً” (كرفض أشكال جديدة من العلاقات لم تظهر بعد). وهكذا، يصبح المفهوم سلاحاً تقدمياً لفرض تغييرات أخلاقية تحت شعارات عاطفية.
- من يقود التغيير: الشعب أم النخبة؟
يطرح أنصار المنظور التقليدي سؤالاً مهماً: إذا كان المعيار الأخلاقي في المجتمعات العلمانية هو “الإرادة الشعبية” و”ما يتفق عليه الناس”، فكيف نفسر فرض قوانين الشذوذ في دول كان غالبية شعوبها ترفضها؟
الجواب يكشف عن استراتيجية مزدوجة
– المرحلة الأولى: التطبيع الثقافي من خلال الإعلام والفن والتعليم، لتغيير وعي الناس وتليين مواقفهم.
– المرحلة الثانية: الاستعجال التشريعي عندما تصل نسبة المؤيدين إلى حد معين (غالباً ليس الأغلبية المطلقة)، حيث تتحرك النخب السياسية والقضائية لفرض القوانين الجديدة، تحت ضغط جماعات الضغط واللوبيات المنظمة.
وهكذا، يتحول مبدأ “حكم الشعب” إلى أداة لفرض إرادة أقلية نشطة ومنظمة على أغلبية قد تكون صامتة أو غير منظمة.
الاستراتيجية العالمية.. من التطبيع إلى الإرهاب الفكري
- آلة التطبيع الإعلامي: صناعة القبول الاجتماعي
لقد فهم داعمو أيديولوجيا الشذوذ مبكراً أن تغيير القوانين لا يكفي، بل يجب تغيير العقل الجمعي. ومن هنا، بدأت آلة إعلامية ضخمة تعمل على عدة مستويات:
– الدراما والسينما: تقديم الشخصيات المثلية كشخصيات “عادية”، بل وجذابة ومتعاطفة، وربط رفضها بالتعصب والتخلف.
– البرامج التلفزيونية والبودكاست: مناقشة القضية كـ”قضية حقوقية” وليس أخلاقية، وإبراز “معاناة” أفراد مجتمع الميم.
– الإعلانات والتسويق: استخدام رمزية قوس قزح في الحملات التجارية العالمية، مما يخلق ارتباطاً لا واعياً بين الاستهلاك والقيم التقدمية.
- قلب المفاهيم: الاستبداد القديم والاستبداد الجديد
من أكثر الخطابات فعالية التي يستخدمها المناصرون هو وصف المعايير الأخلاقية التقليدية (الزواج بين رجل وامرأة، الأسرة الطبيعية) بأنها “استبداد تاريخي” و”قمع حضاري” استمر لآلاف السنين. ويصورون أنفسهم على أنهم ثوار من أجل التحرر من هذا الاستبداد.
لكن المفارقة المأساوية هي أنهم يستبدلون استبداداً قديماً باستبداد جديد أشد قسوة. فبينما كانت المجتمعات التقليدية تترك للمخالفين مساحة خاصة (طالما لم يعلنوا عن مخالفتهم)، فإن النظام الجديد لا يسمح حتى بحرية الاعتقاد أو التعبير عن الرأي المخالف. لقد تحول الرفض الأخلاقي للشذوذ من رأي إلى “خطاب كراهية” يعاقب عليه القانون في عشرات الدول.
-
الإرهاب الفكري في المؤسسات التعليمية
أصبحت المدارس والجامعات في الغرب ساحة رئيسية لفرض هذه الأيديولوجيا:
– إلغاء المفاهيم البيولوجية الأساسية: تدريس الأطفال أن الجندر (الهوية الجنسية) منفصل عن الجنس البيولوجي، وأن الإنسان يمكن أن “يختار” جنسه.
– عقاب المعترضين: تعرض طلاب ومعلمون للعقاب والفصل لمجرد التعبير عن اعتقادهم بأن الزواج هو بين رجل وامرأة، أو رفضهم استخدام الضمائر المختارة من قبل زملائهم.
– التجنيد الناعم: من خلال الكتب والأنشطة المدرسية التي تقدم النماذج المثلية وكأنها خيار طبيعي مساوٍ للعلاقة الطبيعية.
- الاستفزاز كاستراتيجية: حالة كأس العالم في قطر
شكلت استضافة قطر لكأس العالم 2022 نموذجاً صارخاً لاستخدام الاستفزاز كأداة للضغط السياسي والثقافي. حاولت الدول الغربية واللوبيات المرتبطة بها تحويل البطولة الرياضية إلى منصة لفرض رموزها:
– الضغط لرفع أعلام قوس قزح في الملاعب وخارجها.
– استفزاز الجماهير المحافظة من خلال الدعوة لممارسات علنية تخالف ثقافة البلد المضيف.
– استخدام وسائل الإعلام العالمية لتشويه صورة الدولة المضيفة إذا لم تستجب لمطالبهم.
هذا السلوك يكشف عن نية أعمق: إخضاع الهويات الثقافية والدينية المختلفة، وإظهار أن القيم الغربية هي “المعيار العالمي” الذي يجب أن يخضع له الجميع، حتى في عقر دارهم.
تزييف العلم.. القصة الكاملة لـ”علمنة” علم النفس
- علم النفس قبل السبعينيات: الشذوذ كمرض نفسي
حتى أوائل سبعينيات القرن العاضي، كان الإجماع العلمي السائد في علم النفس والطب النفسي يعتبر المثلية الجنسية اضطراباً نفسياً. وكانت الجمعية الأمريكية للطب النفسي تدرجها في دليلها التشخيصي للأمراض النفسية (DSM).
كان هذا الموقف يعتمد على ملاحظات سريرية ودراسات أظهرت أن نسبة كبيرة من المثليين يعانون من مشاكل نفسية مصاحبة (كالاكتئاب والقلق وإدمان المخدرات)، وأن العديد منهم يبحثون عن علاج لتغيير ميولهم.
- الضغوط السياسية والاجتماعية: عندما يهزم النشطاء العلماء
في عام 1973، حدثت نقطة التحول الدراماتيكية. تحت ضغط هائل من جماعات النشطاء، ووسط مظاهرات صاخبة واتهامات بالتخلف والتعصب، عقدت الجمعية الأمريكية للطب النفسي جلسة للتصويت على إزالة المثلية من قائمة الأمراض.
ما حدث في تلك الجلسة كان مهزلة علمية بكل المعايير:
– وجود نشطاء داخل قاعة التصويت يمارسون الضغط المباشر على الأطباء النفسيين.
– تهديدات بملاحقة المؤسسة قانونياً وإعلامياً إذا لم تستجب.
– تحويل القضية من نقاش علمي إلى معركة “حقوقية” و”سياسية”.
نتيجة التصويت كانت: إزالة المثلية من قائمة الأمراض النفسية. ليس بسبب اكتشاف علمي جديد، بل بسبب الإرهاب الفكري والضغط السياسي.
- تبعات القرار: انهيار المصداقية وصناعة “الحقيقة”
بعد هذا القرار، تحول “علم النفس” إلى أداة في خدمة الأيديولوجيا. بدأت تظهر “دراسات” مدعومة من جماعات الضغط تهدف إلى:
– تطبيع الشذوذ من خلال تقديمه على أنه “توجه طبيعي” مثل غيره.
– مهاجمة أي محاولة للعلاج أو مساعدة من يرغب في تغيير ميوله، ووصفها بـ”التعذيب”.
– خلق هالة علمية زائفة حول مفاهيم مثل “الجندر” و”الهوية الجنسية”.
وهكذا، عندما يستشهد اليوم مناصرو الشذوذ بـ”إجماع علم النفس”، فهم يشيرون إلى إجماع مفروض بالقوة، وليس نتاج تطور علمي موضوعي.
الأبعاد الاستراتيجية والوجودية.. لماذا هذه الحرب الشاملة؟
- البعد الديني: ديانة جديدة بمعتقداتها وطقوسها
أصبحت أيديولوجيا “دين المؤتفكات” بالنسبة للكثيرين في الغرب بديلاً دينياً كاملاً:
– العقيدة: الإيمان بالذات والهوية الفردية كقيمة مطلقة.
– الطقوس: مسيرات “الفخر”، رفع أعلام قوس قزح، تغيير الضمائر.
– المقدسات: “حقوق الإنسان” كما تُعرِّفها النخب الغربية.
– الكهنوت: النشطاء والمدافعون عن “حقوق” مجتمع الميم.
– الهرطقة: أي معارضة للنصوص “المقدسة” لهذا الدين تعتبر “خطاب كراهية”.
هذا يفسير الشراسة والحماسة الدينية التي يدافع بها المناصرون عن قضيتهم. فهم لا يدافعون عن “رأي” بل عن “عقيدة”، لا عن “خيار شخصي” بل عن “هوية وجودية”.
- البعد الاستعماري الجديد: الحرب الثقافية الشاملة
ما نراه اليوم هو استمرار للاستعمار الغربي ولكن بأدوات جديدة. فبعد أن فشل الاستعمار العسكري في طمس الهويات الثقافية والدينية للشعوب، جاء الاستعمار الثقافي ليكمل المهمة:
– اختراق الحصون الثقافية: عبر الفن والإعلام والتعليم.
– تفتيت المجتمعات: بتشجيع الفردية المطلقة على حساب الروابط الأسروية والاجتماعية.
– إذلال الرموز الدينية: كفرض رموز الشذوذ بالقرب من المساجد أو في البلدان الإسلامية.
– صناعة التبعية الثقافية: جعل النخب المحلية تتحدث بلغة الغرب وتدافع عن قيمه.
- البعد الجيوسياسي: أداة للضغط على الخصوم
أصبحت قضية الشذوذ سلاحاً في الحروب الجيوسياسية:
– الغرب ضد روسيا: حيث يتهم الغرب روسيا بـ”القمع” و”انتهاك حقوق الإنسان” بسبب قوانينها التي تحد من الدعاية للشذوذ.
– الغرب ضد العالم الإسلامي: حيث تستخدم القضية لتشويه صورة الدول الإسلامية ووصفها بـ”التخلف” و”التعصب”.
– أداة للابتزاز السياسي: ربط المساعدات الاقتصادية والعسكرية بـ”التقدم” في ملف حقوق مجتمع الميم.
- الرأسمالية: الاستفادة لا الصنع
خلافاً لما يعتقد البعض، الرأسمالية لم تصنع ظاهرة الشذوذ، لكنها استفادت منها واستغَلتها:
– سوق “الوردي”: استهداف مجتمع الميم كشريحة مستهلكة ذات قدرة شرائية عالية.
– السياحة المثلية: صناعة سياحية كاملة موجهة لهذه الفئة.
– الاستعراض الليبرالي: شركات كبرى تستخدم رمزية قوس قزح في دعاياتها لتحسين صورتها كـ”شركات تقدمية”.
الموقف الإسلامي والمسؤولية الشرعية
- صلابة المنظور الإسلامي
يمتلك الإسلام مناعة فريدة في مواجهة هذه الأيديولوجيا، وذلك لعدة أسباب:
– نصوص قطعية: آيات القرآن وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم واضحة وصريحة في تحريم فعل قوم لوط ووصفه بأنه “فاحشة” و”منكر” و”سيئة”.
– إجماع تاريخي: لم يختلف علماء المسلمين عبر العصور على تحريم اللواط، بل كان إجماعاً شاملاً حتى من قبل الفرق التي خالفت أهل السنة في أمور عقدية كبرى.
– انسجام مع الفطرة: التعاليم الإسلامية حول العلاقة بين الرجل والمرأة والزواج والأسرة تنسجم تماماً مع الفطرة السليمة والغريزة البشرية السوية.
- المسؤولية الشرعية: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
لا يمكن للمسلم أن يكون محايداً تجاه هذا المنكر. فمن أركان الدين العظيمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهذا يشمل:
– الإنكار القلبي: أن يكره القلب هذا الفعل ويعتقده منكراً.
– الإنكار اللساني: التعبير عن الرفض بالكلام والبيان والمناقشة.
– الإنكار العملي: منع هذا المنكر في الدائرة التي يملك المسلم سلطة عليها.
مجرد التواجد السلمي لهذه الرموز في بلاد المسلمين يعتبر إهانة كبرى وتحدياً صارخاً لعقيدة المسلمين، فكيف بالسماح بالدعوة إليه أو الترويج له؟
- الحكمة في المواجهة: بين الصلابة والواقعية
مع وجوب التصدي لهذا المنكر، يجب أن يكون التصدي بحكمة ووعي:
– فهم عمق الظاهرة: لا نواجه مجرد “شهوة منحرفة” بل أيديولوجيا عالمية مدعومة بكل أدوات العصر.
– البدء بالبناء الداخلي: تقوية الإيمان في النفوس، وتربية الأجيال على القيم الإسلامية والأخلاق الفاضلة.
– توحيد الصف الإسلامي: جعل القضية قضية أمة، وليس قضية دولة أو حزب.
– استخدام الأدوات العصرية: الإعلام الرقمي، الفن الهادف، الدراسات العلمية الجادة.
– التعاون مع كل القوى الرافضة: التعاون مع كل الأصوات في الغرب والعالم التي ترفض هذا الانحراف، حتى لو اختلفت معنا في أمور أخرى.
معركة المصير.. بين الفطرة والتفكك
إن المعركة مع “دين المؤتفكات” هي معركة وجودية تحدد مستقبل البشرية. ليست معركة بين تيارات سياسية، ولا بين حضارات جغرافية، بل هي معركة بين الفطرة السليمة وبين التمرد عليها، بين الخلق المتوازن وبين الانحراف المدمر.
صحيح أن المسلمين اليوم في موقف دفاعي صعب، والقوى الداعمة لهذا الانحراف تمتلك أدوات هائلة. لكن التاريخ يعلمنا أن الأفكار الفاسدة تحمل بذور فنائها في داخلها. فالمجتمعات التي تتنكر لفطرتها وتدمر كيان الأسرة – وهي اللبنة الأساسية لأي مجتمع – مصيرها إلى زوال، ولو بعد حين.
المسؤولية الآن تقع على عاتق كل غيور على إنسانية الإنسان، كل مؤمن بفطرة الله التي فطر الناس عليها، أن يقف صامداً في خندق الحق، مدافعاً عن القيم التي تحفظ كرامة الإنسان وتحقق سعادته الحقيقية في الدنيا والآخرة.
إنها معركة طويلة، لكن نتيجتها محسومة لصالح الفطرة والحق، {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ}.
المصدر
مقتبس من محاضرة مفصلة للباحث عمرو عبد العزيز في برنامج “أين السبيل”.

