اطلعت على فتوى فضيلتكم بوجوب نصرة إيران في حربها مع المحتل الصهيوني الأمريكي؛ لأنه بلد إسلامي يقاتل كفارا معتدين، وهذا لا خلاف بين الفقهاء فيه لو كانت النازلة على النحو المذكور في الفتوى، إلا أن النازلة أشد تعقيدا وإشكالا، وهو ما يوجب من فضيلتكم إعادة النظر في الفتوى حتى يكون الجواب مطابقا لصورة النازلة، وما هو الواجب شرعا على المسلمين في إيران تجاه هذا النظام، لأن ما وجب عليهم وجب على الأمة من ورائهم، وما حرم عليهم حرم على الأمة من باب أولى:
حكم الخروج على النظام الإيراني إذا ثبت ظلمه وجوره واستحلاله دماء شعبه وتهميشه للسنة
فأولا : إذا ثبت بأن النظام الإيراني الحالي ظالم جائر يستحل دماء شعبه لفرض سلطانه عليهم بالقوة، ويميز بينهم على أساس طائفي، فيحرم القوميات السنية من الحقوق السياسية، ويضطهدهم، فهل لهم الثورة والخروج عليه؟ وإذا كان لهم ذلك ولم يستطيعوا، فهل لهم اعتزاله وعدم الدفع عنه سواء أراد إسقاطه معارض له داخلي أو عدو خارجي؟
هل يجب قتال العدو مع الإمام الظالم، أم يجوز اعتزاله والدفاع عن النفس والبلاد استقلالًا؟
ولا يخفى على فضيلتكم ما ذكره ابن عرفة في “المختصر” ٣/ ١٧٥ عن مذهب الإمام مالك حيث قال عن الخروج على الإمام الجائر الظالم (وإن كان غير عدل، فإن خرج عليه عدل؛ وجب الخروج معه؛ ليظهر دين الله، وإلا وسعك الوقوف إلا أن يريد نفسك ومالك، فادفعه عنهما، ولا يجوز لك دفعه عن الظالم.
وقال مالك: إن قام وال على وال لإزالة ما بيده، فإن كان مثل عمر بن عبد العزيز؛ وجب الدفع عنه وإلا فلا، ينتقم الله من ظالم بظالم، ثم ينتقم منهما.
وقال فيمن بايعه الناس بالإمارة فقام آخر وتبعه بعضهم: قال: روي قتل الثاني، وهذا إن كان الأول عدلا، وإلا فلا بيعة له تلزم… قال ابن عرفة : وظاهر ما تقدم منع إعانة غير العدل مطلقا).
فإذا كان الأمر كذلك فكيف يجوز لهم الخروج على الجائر لرفع الظلم والحيف الواقع عليهم، وعدم وجوب طاعته، وحرمة إعانته مطلقا، ثم إيجاب الدفع عنه والقتال معه في الوقت ذاته؟
نعم إذا كانت مصلحة الدفع عنه أعظم كان لهم الدفع عنه والقتال معه لعموم المصلحة وأرجحيتها، كما لو كان القتال ضد عدو كافر غاز، أو خارج أشد جورا، فإن رأوا أن مصلحة تغييره أعظم، ومفسدة بقائه أشد عليهم، فلا يجب عليهم القتال معه، وإنما يجب أن يقاتلوا العدو الكافر استقلالا دفاعا عن أنفسهم وبلدهم؛ لأنها دار الإسلام، ووجب على الأمة نصرتهم، لا نصرة الجائر الظالم لهم.
أثر قاعدة “درء المفسدة الأشد” في جواز القتال مع الفاسق دفعًا لكفر أشد
كما قال ابن عرفة : (وقال الشيخ عز الدين ابن عبد السلام: فسق الأئمة قد يتفاوت ككون فسق أحدهم بالقتل، وفسق الآخر بانتهاك حرمة الأبضاع..
قال: فإن قيل: أيجوز القتال مع أحد هؤلاء لإقامة ولايته وإدامة تصرفه، وهو معصية؟
قلنا: نعم دفعا لما بين مفسدتي الفسوقين، وفي هذا وقفة وإشكال من جهة كونه إعانة على معصية، ولكن درء ما هو أشد من تلك المعصية يجوزه.
قلت: ونحوه خروج فقهاء القيروان الممسي وغيره مع أبي زيد الخارجي على الثالث من بني عبيد؛ وهو إسماعيل لكفره، وفسق أبي زيد، والكفر أشد).
حكم طاعة إمام يدعي النيابة عن إمام معصوم ويفرض طاعته كالطاعة لله والرسول
ثانيا : إذا ثبت أن الإمام مبتدع بدعة مكفرة، فيدعي أنه نائب عن إمام معصوم كالنبي ﷺ! حي موجود يتصرف في الوجود! فرض الله طاعته وطاعة نائبة على جميع الخلق! فهل يجب على المسلمين في إيران طاعة مثله شرعا؟ وتصحيح إمامته؟ ووجوب الدفع عنه ونصرته؟ وما الفرق بينه وبين بني عبيد الذين أجمع الفقهاء على كفرهم ووجوب جهادهم؟ وكيف يجب على الأمة كلها نصرته وهو يفتري على الله ورسوله ﷺ بادعاء نيابته عن إمام موجود معصوم كالنبي ﷺ؟
وقد نص ابن المواق – في “التاج شرح مختصر خليل” ٨/ ٣٧٢ في باب الردة – على كفر (من ادعى أنه يوحى إليه وإن لم يدع النبوة).
أثر مظاهرة النظام الإيراني للكفار على المسلمين في أفغانستان والعراق والشام في سقوط وجوب نصرته
ثالثا : إذا ثبت أن هذا النظام أعان الكفار على غزو أفغانستان والعراق، واستعان بهم على قتال أهل الشام، وأفتى بوجوب قتالهم وإباحة دمائهم لأنهم كفار! وكلها صور ردة بالنص والإجماع، فهل تجب طاعته ونصرته قبل توبته من ردته ومن مظاهرته للكفار على المسلمين؟
المشروع السياسي والعسكري التوسعي للنظام الإيراني وتعارضه مع وجوب نصرته شرعًا
رابعا: لدى النظام الإيراني مشروع سياسي وعسكري توسعي دموي لا يخفى على من لديه أدنى وعي وعلم بما يجري، ولديه أيضا مشروع ديني بدعي شركي، عرفت شعوب المشرق الإسلامي خطورته وعاشتها حروبا دموية وبدعا وثنية – برعاية الحملة الصليبية – ابتدأ من لبنان ١٩٨٢م، ثم العراق ٢٠٠٣، ثم سوريا ٢٠١٣، ثم اليمن ٢٠١٥، ثم الآن دول الخليج العربي ٢٠٢٦م، فهل يجب على المسلمين في إيران طاعته وإعانته ونصرته في حربه على المسلمين لتحقيق مشروعه السياسي والديني؟
الاعتداءات الإيرانية على دول الجوار واستحلال قصف شعوب الخليج: هل تبقى معها وجوب النصرة؟
خامسا: شن النظام الإيراني منذ قيامه ١٩٨٠ حروبا عدوانية على كل الدول والشعوب المجاورة له بقصد احتلالها أو السيطرة عليها ونشر مذهبه الباطل وقد ذهب بسبب حروبه ملايين المسلمين بين قتيل ومهجر من بلده في العراق والشام واليمن وهو الآن يستحل قصف شعوب الخليج!
فهل تجب نصرته مع تيقن عودته لعدوانه على جيرانه بعد استعادته لقوته؟
سادسا : هل من اعتزل هذه الفتن من المسلمين في إيران يكون آثما؟
المصدر
صفحة أ.د. حاكم المطيري، على منصة x.

