إن تفصيل هذه المعالم ليس هدفاً لذاته، ولا هو دعوة لكتابة أطروحات أكاديمية جديدة توضع على الأرفف. الخطر كل الخطر أن تتحول “معالم منهاج النبوية” إلى مجرد سلسلة محاضرات نستمع إليها ثم نذهب. المطلوب هو تحويل هذا الفهم إلى حملة إحياء شاملة، وإلى قضية حياة يُربَّى عليها جيل جديد.
من التلقي إلى التمكين: المعالم العملية لإحياء منهاج النبوية في واقع الأمة“
من التشخيص إلى البناء
إن الحديث عن “إحياء منهاج النبوية” بعد تشخيص أزمة الأمة وتشتت مشاريعها [ تشخيص الأزمة والبوابة للحل: نحو إحياء منهاج النبوية ]، هو الانتقال من مرحلة النقد إلى مرحلة البناء، ومن دائرة الحلم إلى فضاء العمل. فليس يكفي أن نعرف الداء، بل لا بد من وصف الدواء، وتحديد خطوات العلاج.
لقد أثبتت التجارب أن استعادة مجد الأمة لا تكون بالارتجال العاطفي، ولا بالتقليد الأعمى للماضي، ولا بالاستلاب الحضاري للغرب. إنما يكون ذلك بالعودة إلى المنهج الأصيل الذي صنع الأمة الأولى، ولكن بفقه يعي تعقيدات العصر، ويتعامل مع وسائله، ويستوعب دروس الماضي. وهذا المقال يحاول تجلية المعالم الكبرى لهذا المنهج الإحيائي، ليس كشعارات نظرية، بل كخريطة عملية قابلة للتطبيق والتربية عليها.
الإطار العام: الدوائر الثلاث المتكاملة
يمثل منهاج النبوية منظومة متكاملة، يمكن تفصيلها في ثلاث دوائر كبرى، تشكل سلسلة مترابطة الحلقات، وإن كانت تطبق بتداخل ومرونة حسب الظروف:
الدائرة الأولى: منهاج النبوية في تلقي الدين (الأساس المعرفي والروحي)
وهي تتعلق بكيفية استقبالنا للوحي وفهمنا له. فالبناء لا يقوم على أساس معوج.
الدائرة الثانية: منهاج النبوية في تربية الحاملين للدين (الصناعة البشرية)
وهي عملية تحويل الفهم النظري إلى كينونة بشرية، تصبح فيها قيم الإسلام سجيةً وطبيعة.
الدائرة الثالثة: منهاج النبوية في الإصلاح العملي (التأثير في الواقع)
وهي تجسيد الإسلام في أرض الواقع، وتنقسم إلى فرعين متلازمين:
- الإصلاح الدعوي: وهو إصلاح القلوب والعقول بالحجة والبيان.
- الإصلاح التمكيني: وهو إصلاح الأوضاع والهياكل بالسياسة والجهاد.
وهذه الدوائر ليست مراحل زمنية متعاقبة بحيث نكمل الأولى ثم ننتقل للثانية، بل هي مستويات متداخلة، لكن الأولى هي الأساس الذي تقوم عليه الثانية، والثانية هي الجسر إلى الثالثة. فالتلقي الصحيح ينتج التربية السليمة، والتربية السليمة تنتج الإصلاح الفعال.
المعالم التفصيلية للدائرة الأولى: التلقي الصحيح
الخلل الأكبر في واقعنا اليوم يبدأ من هنا: من كيفية تلقي الدين. والمنهاج النبوي في التلقي يقوم على أربعة معالم رئيسية، غياب أي منها يشوه الإسلام ويضعف تأثيره:
- اليقينية والربانية:
كان الصحابة يتلقون القرآن على أنه خطاب مباشر من رب العالمين، يهز الوجدان، ويحرك المشاعر، ويستجيش العزائم. كانت كلمة “قال الله” تملك عليهم كل كيانهم. أما اليوم، فقد تحول التلقي في كثير من الحالات إلى عملية “أكاديمية باردة” أو “ثقافية مجردة”. نحفظ القرآن للفوز بمسابقة، أو ندرسه كمادة أدبية بلاغية، أو نتعامل مع السنة كمصدر تاريخي فقط. الفرق بين من يتلو القرآن وهو يستشعر أنه يناجي ربه، وبين من يتلوه كواجب دراسي، هو الفرق بين الإسلام الحي والإسلام المتحجر. - المرجعية والهيمنة:
لقد كان القرآن عند الصحابة هو المرجع الأعلى المطلق، الذي لا يُردُّ قوله، ولا يُعارض حكمه، ولا يُقدّم عليه قول بشر. كان يحكم حياتهم كلها: في العبادات، في الأخلاق، في المعاملات، في السياسة، في الاقتصاد، في السلم، في الحرب. أما اليوم، فنعيش ازدواجية مريعة، بل انفصاماً خطيراً. فمرجعيات الوضع البشري -من دساتير وضعية، وقوانين مستوردة، وأعراف دولية، ومواثيق أممية، وضغوط سياسية- هي التي تهيمن على واقعنا وتتحكم في مصائرنا. بينما يُحشر القرآن والسنّة في زاوية “الشعائر” و”المواعظ” و”الأحوال الشخصية” فقط. لقد قبلنا -شعورياً أو لا شعورياً- أن يكون لنا مرجعيتان: مرجعية السماء في المسجد، ومرجعية الأرض في الدوائر الرسمية ومؤسسات الدولة. وهذا أخطر أنواع الردّة عن الدين، لأنها ردة مقنعة. - الشمولية في التلقي:
لقد تلقى الصحابة الإسلام كمنظومة متكاملة غير مجزأة. فلم يكن “علم العقيدة” منفصلاً عن “فقه الجهاد”، ولا “الأخلاق” منفصلة عن “السياسة الشرعية”. القرآن يكرر موضوعات كبرى مثل “سبيل المجرمين” وصفاتهم ومكائدهم وأساليبهم في الإفساد، لأن هذه قضية مصيرية في صراع الحق والباطل. اليوم، نرى طالب علم يدرس “العقيدة” لسنوات، ولا يعرف شيئاً عن واقع الأمة المستضعف، ولا عن المخططات الاستعمارية لتفتيت بلاد المسلمين، ولا عن وسائل الحرب الفكرية التي تستهدف عقيدته. ونجد داعيةً يملأ وقته بالحديث عن فضائل الأعمال الفردية، بينما يغيب عن خطابه قضايا مثل: العدالة الاجتماعية، ومقاومة الاحتلال، والوحدة الإسلامية، ونقد الأنظمة الفاسدة. هذه “شمولية ناقصة” تنتج إما “عالماً معزولاً” لا يفقه الواقع، أو “داعيةً سطحيًا” لا يغوص في أعماق القضايا المصيرية. - الارتباط بالواقع (الواقعية في التلقي):
نزل القرآن مرتبطاً عضوياً بواقع الصحابة، يحل مشكلاتهم، ويجيب على استفساراتهم، وينظم شؤونهم، ويوجه صراعهم مع الكفر والشرك والنفاق. كان القرآن “دستور حياة” فعلياً. أما اليوم، فأصبح هناك فصام نكد بين “النص” و”الواقع”. ندرس النصوص بمعزل عن واقعنا المرير، وكأنها نزلت في فراغ تاريخي. لا نفقه كيف نستهدي بالقرآن لفهم واقعنا المعقد، ولا لتحليل ألاعيب الأعداء، ولا لرسم معالم طريق الخلاص من الأزمة الحضارية التي نعيشها. التلقي النبوي يجعل القرآن مصباحاً يضيء الطريق، بينما التلقي الجاف المتحجر يجعل منه تحفاً في متاحف الذاكرة.
المعالم التفصيلية للدائرة الثانية: التربية الفعالة
لا يكفي التلقي النظري الصحيح وحده، بل لا بد من عملية تحويلية تجعل من هذه المعاني “ملكات راسخة” و”سجية ثابتة” في النفس. التربية على منهاج النبوية تختلف جذرياً عن التلقين المجرد:
أولاً: التربية بالقدوة الحية والممارسة العملية:
لم يكن الصحابة يتلقون الإسلام من خلال كتب ومناهج جافة فقط، بل كانوا يتربون بملازمة النبوة ذاتها. كانوا يرون النبي صلى الله عليه وسلم قدوةً حية: كيف يتصرف في السلم والحرب، في القوة والضعف، في الغضب والرضا، في الحكم والقضاء، في التعامل مع الأهل والأصحاب والأعداء. كانت التربية تتم في “ميدان الحياة”، في السفر والحضر، في الغزو والسلم، في السوق والمسجد. ليست التربية في قاعات مغلقة تناقش “نظرية الجهاد”، بل في الميدان حيث يتعلمون الجهاد بالفعل. ليست التربية في محاضرة عن “الصبر”، بل في الموقف الصعب حيث يطلب منهم الصبر فعلاً.
ثانياً: التربية على تحمل المسؤولية والانطلاق المبكر:
كان النبي صلى الله عليه وسلم يربيهم على حمل الرسالة منذ اليوم الأول. فما يكاد الواحد منهم يسلم حتى يُوكَل إليه مهمة: هذا يُبعث داعيةً إلى قومه، وذاك يُؤمَّر على سرية، وثالث يُعلِّم الناس القرآن، ورابع يقضي بينهم. التربية النبوية لم تكن لإنتاج “متدينين انطوائيين” يهتمون فقط بسلامة أنفسهم، بل لإنتاج “قادة مصلحين” يتحملون أمانة التغيير في الأرض. كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يُضرب مثلاً في هذا: فقد أسلم متأخراً نسبياً، ولكنه بمجرد إسلامه أصبح أحد أركان الدعوة والدولة.
ثالثاً: التربية على الهمة الكبرى ورفعة الغاية:
كانت التربية النبوية تغرس في نفوس الصحابة أنهم يحملون أعظم رسالة على وجه الأرض، وأن حياتهم كلها يجب أن تنصبّ في هذا الاتجاه. كان همهم الأول والأخير هو إعلاء كلمة الله. ليست الهمة في جمع المال أو المنصب أو المتاع الدنيوي، بل الهمة في نصر هذا الدين. هذا ما جعل أبا بكر رضي الله عنه ينفق كل ماله في سبيل الله، وجعل بلالاً يصبر على العذاب، وصهيباً يفرِّي من ماله إلى الله ورسوله. التربية التي لا تنتج هذه الهمة العالية هي تربية قاصرة.
المعالم التفصيلية للدائرة الثالثة: الإصلاح الشامل
هنا يتحول الفرد والمجموعة المتربية إلى طاقة إصلاحية فاعلة في الواقع. وهذا الإصلاح نوعان متكاملان:
أ- الإصلاح الدعوي (الدعوة الشاملة):
يجب أن نصحح المفهوم الضيق للدعوة الذي حصره البعض في الوعظ الفردي والتركيز على السلوكيات الشخصية فقط. الدعوة في المنهاج النبوي تشمل:
- الدعوة بالحجة والبرهان: وهو ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم في مكة طوال ثلاث عشرة سنة، ينقض شبهات المشركين، ويجادلهم بالتي هي أحسن، ويبين بطلان عقائدهم. هذه دعوة فكرية عقلية.
- الدعوة بالجهاد الإعلامي والفكري: وهي مواجهة تشويهات الأعداء للمفاهيم الإسلامية الكبرى (مثل: الجهاد، الولاء والبراء، الحكم الشرعي، مكانة المرأة) بالبيان الواضح، واستخدام وسائل الإعلام الحديثة.
- الدعوة ببيان الإسلام الشامل: أي الدعوة إلى الإسلام كمنهج حياة شامل يقدم حلولاً لكل مشكلات البشرية: الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية، وليس كمجرد طقوس روحية فردية.
الدعوة بهذا المفهوم الواسع هي التي تمهد القلوب وتؤسس الشرعية المجتمعية لأي مشروع تغييري.
ب- الإصلاح التمكيني (السياسة والجهاد):
وهذا هو ذروة العمل الإصلاحي، حيث يتحول الإسلام من فكرة في العقل وعبادة في القلب إلى واقع ملموس في الحياة والمجتمع.
- التمكين السياسي (إقامة الحكم الشرعي): وهو السعي لإقامة النظام السياسي الذي يهيمن بشرع الله على واقع الناس، ويطبق العدل، ويوحد الأمة، ويحمي الثغور. وهذا حق شرعي للأمة، بل هو واجب شرعي، وليس “خياراً سياسياً” من بين خيارات. إنه الغاية التي من أجلها جاهد النبي صلى الله عليه وسلم وأنشأ الدولة في المدينة. يجب أن نربي الأجيال على هذه الغاية المشروعة، وندفع شبهات العلمانيين والمنافقين الذين يصورون “الحكم بالشريعة” كأنه كابوس مرعب أو عودة إلى العصور الوسطى.
- الجهاد الشرعي: وهو الوسيلة الشرعية لإزالة العوائق المادية التي تقف في طريق الدعوة، وتمنع إقامة حكم الله، وتستبيح حرمات المسلمين. والجهاد في المنهاج النبوي ليس عملاً همجياً، بل له غاياته السامية (إعلاء كلمة الله)، وضوابطه الدقيقة، وأخلاقه الرفيعة (عدم قتل النساء والأطفال والشيوخ، عدم تخريب البيوت، الوفاء بالعهود).
الخلاصة والتطبيق: من التنظير إلى الحملة وصناعة الجيل
إن تفصيل هذه المعالم ليس هدفاً لذاته، ولا هو دعوة لكتابة أطروحات أكاديمية جديدة توضع على الأرفف. الخطر كل الخطر أن تتحول “معالم منهاج النبوية” إلى مجرد سلسلة محاضرات نستمع إليها ثم نذهب. المطلوب هو تحويل هذا الفهم إلى حملة إحياء شاملة، وإلى قضية حياة يُربَّى عليها جيل جديد.
جيل يعيش همَّ الإسلام ليل نهار، ويتنفس من أجل إعلاء كلمته، ويعتبر أن أعظم مصيبة أن تُنتهك حرمات المسلمين في فلسطين أو بورما أو أفغانستان، أو أن تُشوَّه مفاهيم دينهم في الإعلام العالمي، لا أن يفقد وظيفته أو يتأخر في ترقيته الدنيوية. جيل يتشرب هذه المعاني تشرباً، فيصبح قولها والعمل لها جزءاً من كيانه، كحاجته إلى الطعام والشراب.
هذا الجيل هو القادر على قطع دائرة “الهبوط الثاني”، وقيادة موجة “الصعود الثالث” المنشودة. وهو وحده القادر على استعادة روح الصحابة في الانطلاق والتضحية والإيثار، مع امتلاك فقه الواقع المعاصر وتعقيداته، ومعرفة أدوات العصر ووسائله.
صناعة هذا الجيل هي المهمة الأكبر والأعظم لكل من يريد حقاً إحياء منهاج النبوية. إنه عمل شاق، يتطلب صبراً طويلاً، وحكمة بالغة، وتضحية عظيمة، لكنه الطريق الوحيد. والله تعالى قد وعد بنصرة من ينصره ويطيع رسوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} (محمد: 7).
فهل من مُقبِلٍ على هذه التربية؟ وهل من حاملٍ لهذه الراية؟ إن مستقبل الأمة يتوقف على إجابتنا عن هذا السؤال.
المصدر
محاضرة بعنوان: ” من أين يبدأ التغيير للأمة؟ ” أحمد السيد، بتصرف.
اقرأ أيضا
تشخيص الأزمة والبوابة للحل: نحو إحياء منهاج النبوية
الأمة الإسلامية بين أسباب السقوط وعوامل النهوض
كيف أخرج رسول الله للناس خير أمة؟ (2-3) أُطرٌ متعددة وهوية واحدة


