ليس كل تغييرٍ مبدأً ثابتًا… فبعضه مجرد وسيلة.
فكيف نميّز بين ما يجب التمسك به وما يجوز تغييره؟

في زمن تتشابك فيه الشعارات مع الوسائل، يصبح الخلط بين الثوابت والآليات أحد أخطر أسباب التعثر. فالتغيير لا يقوم على الشعارات وحدها، بل على فهمٍ دقيقٍ لطبيعته وحدوده. ومن هنا تنطلق الحاجة إلى إعادة ضبط المفاهيم قبل البحث عن النتائج.

الآليات ليست مبادئ: رؤية في منهج التغيير

الحمد لله .. والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد ..

لست أعني بالتغيير مطلق التغيير، وإنما أعني به ذلك المعنى الخاص الذي لا يفتأ يداعب أخيلة الأحرار بالليل والنهار، ويعدُّ الخطوة الأولى على طريق التغيير الكبير المنشود؛ ما هي آليات هذا التغيير ؟ وما هو القول الفصل في هذ المسألة التي غدت إحدى المعضلات الكبرى في هذه المرحلة من حياة الأمَّة.

المفتاح: التكييف الصحيح للمسألة

ومفتاح التفكير الصحيح في هذه المسألة هو تكييفها بما يضعها في موضعها الصحيح دون تقديم ولا تأخير ولا رفع ولا خفض، فالحديث هنا عن (الآليات) والأدوات، لا عن المبادئ والأسس والأحكام، عن الوسائل والوسائط لا عن الغايات والمقاصد، عن أمور هي في أصلها اجتهادية ولا تدخل عليها الأحكام الثابتة والقوانين الصارمة إلا للتأطير والتنظيم بما يُعَظِّم الاستفادة منها ويُغَلِّب منفعتها على مضرتها، ولا تنقلب في يوم من الأيام إلى أحكام إلا وهي منوطة بمرحلة معينة يخطه تحديدها – بعد انقطاع الوحي بوفاة صاحب الشرع – للاجتهاد والتقدير والمشورة والتدبير.

فصل الخطاب: بين المبادئ الثابتة والآليات المتغيرة

لذلك لم يكن وجيها أن يُنَصَّ على آلية بعينها في مواثيق تطرح على أنَّها جملة من المبادئ التي يجب على الجميع أن يلتزموا بها دون تغيير ولا تحوير، فالمبادئ سمتها الثبات ومنبعها الأصول العقدية الثابتة، بينما الآليات طابعها التغير ومنبعها الاجتهاد البشريّ المتغير، وليس بإمكان أحد أن يخلط بينهما وهو في مأمن من الاتهام بالتخليط.

مثال السلمية والعسكرة

فالسلمية – مثلاً – كأداة للتغيير وآلية من آليات الثورة على الاستبداد والظلم ليست من قبيل المبادئ والأسس حتى تتوسط الوثائق والمواثيق ويُنَصَّ عليها كشرط لاجتماع الناس و(اصطفافهم!)، وما يقال عن السلمية يقال عن العسكرة، ويقال كذلك عن كل ما بين السلمية التامَّة والعسكرة العامَّة من مستويات تختلف في أسلوبها وتتباين في قدر ما تتمتع به من ليونة أو خشونة، واعتبار وسيلة من هذه الوسائل مبدأً يلتف الناس حوله طوعا وكرها تصرف من الكبار غاية في التخلف والبلادة؛ لأنَّه يفضي إلى نتائج غاية في التدمير والتحطيم.

نتائج الخلط بين الآليات والمبادئ

أول هذه النتائج قتل الابتكار والتجديد الذي يقتضيه تغير الأحوال وتطور الأحداث؛ لأنَّ الوسائل والآليات هي حقل الابتكار ومحضن التوليد والتجديد، ومن ثمَّ يصاب الجيل بأحد دائين لا مناص من الابتلاء بأحدهما على الاتفاق أو الافتراق: التبعية المطلقة أو الانفلات المطلق، ثاني هذه النتائج مصادرة حق القائمين على التغيير في استبدال الوسائل المتبعة بوسائل جديدة تناسب المستجدات، وتستجيب للمتغيرات، ثالث هذه النتائج هو تعثر الوحدة وتعسرها؛ لأنَّ جمع الناس على أمر اجتهاديّ -إذا لم يكونوا غنماً تساق- ضرب من المحال.

الاسترشاد بالشريعة: الناموس الثابت والتطبيق الاجتهادي

فإذا أردنا أن نسترشد – في هذا الصدد – بالشريعة الربانية فسنجد أنفسنا أمام ناموس ثابت وقانون مُطَّرِد، ولنضرب لذلك أمثلة – وبالمثال يتضح المقال – من هذه الأمثلة: دفع الصائل، فدفع الصيَّال الذي يصول على النفس أو العرض أو المال حق وواجب، وهذا حكم ثابت لا يتغير، أمَّا الوسيلة التي يندفع بها فهي موكولة لاجتهاد الدافع، ودخول الأحكام الاجتهادية هنا إنَّما يكون لتنظيم الوسيلة وترتيبها على نحو يحقق المنفعة بأقل قدر ممكن من المضرة، ويضمن انضباط الوسيلة على السنن العام، فإن أمكن دفعه بالزجر لم يجز الضرب، وإن أمكن بالضرب لم يجز القتل، وإن لم يمكن إلا بالقتل وكان ممكناً مستطاعاً تعيَّن.

مثال حق الشَّفَة

وحق الشَّفَة -وأدناه حق الإنسان في شربة الماء التي يحفظ بها حياته- ثابت بحكم الشرع؛ لحديث: “الناس شركاء في ثلاثة الماء والكلأ والنَّار” وللأصول الشرعية العامَّة التي تقرر حق الإنسان في الحياة، وتؤكد على مقصد حفظ النفس، أمّا وسيلة تحصيل ذلك الحق ممن منعه فهي موكولة لاجتهاد صاحب الحق بحسب الحال، وتأتي الأحكام الاجتهادية لتنظم الوسيلة بما يحقق المقصود بأقل قدر ممكن من المفاسد، وتفرق بين الأحوال المختلفة لمن يحوز الماء ويبسط يمينه عليه ويمنعه.

مثال الزكاة والأمر بالمعروف

وحق الإمام في تحصيل الزكاة عنوة ممن منعها ثابت بأحكام لا تتغير، بينما الوسيلة مردَّها لاجتهاده بحسب الحال، وتأتي الأحكام الاجتهادية لتنظم هذا الحق بما يحقق المصلحة بأقل قدر ممكن من المفسدة، فإن كان المانعون غير متترسين بشوكة أخذها منهم عنوة وعزرهم بما يراه رادعا زاجرا، وإن كانوا ممتنعين ذوي شوكة قاتلهم، وهكذا واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل وواجب الجهاد في سبيل الله.

الجهاد: المبدأ الثابت والوسائل المتدرجة

فالجهاد في سبيل الله أوسع بكثير من القتال في سبيل الله، وما القتال إلا وسيلة من وسائل الجهاد وآلية من آلياته، بدليل قول الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم في مكَّة في آية مكية من سورة مكية باتفاق: ﴿فَلَا تُطِعِ ٱلۡكَـٰفِرِینَ وَجَـٰهِدۡهُم بِهِۦ جِهَادࣰا كَبِیرࣰا﴾ [الفرقان -٥٢] أي جاهدهم بالحق والقرآن، جاهدهم بالدعوة والبلاغ والبيان، فالجهاد أحد أركان هذا الدين وأحد دعائمه وأسسه، وغايته دفع الفتنة وتحقيق سيادة الشريعة -وهذه أعلى مراتب التغيير- ووسائله تتدرج من الدعوة والبلاغ وتنتهي بالقتال والمواجهة المسلحة، وبرغم أنَّ القتال قد تقرر وجوبه بنصوص القرآن القطعية إلا أنَّ مجموع النصوص يقرر المرحلية المتدرجة من الكفّ عن المواجهة المسلحة مع الاستمرار في الجهاد بالبيان إلى قتال الناس كافة حتى يكون الدين كله لله، وهذا يعني أنَّ الاجتهاد يتدخل في تحديد المرحلة التي يتنزل عليها الحكم الشرعيّ المناسب لها، وهو أمر تتباين فيه الاجتهادات.

في غياب النظام الموحد: الاجتهاد والفقه الخلافي

فما لم يكن للأمة نظام واحد يوحد وجهتها بإمام مطاع أو أهل حل وعقد مجتمعين فليس لأحد أن يلزم الناس باجتهاده، وليس لأحد أن يتكلف جمعهم على آلية واحدة يجعلها ثابتاً من الثوابت أو أصلا من الأصول، ثم يرتب على ذلك الأوصاف والألقاب: فهذا منبطح أو عميل وهذا إرهابي أو دخيل، وليس لأحد أن يحرم على الناس ما لم يحرمه الله تعالى.

والذي يحتمه النظر أنَّه -ما لم يكن للأمة نظام واحد يوحد وجهتها بإمام مطاع أو أهل حل وعقد مجتمعين- يجب أن يُوكل النّاس لاجتهادهم؛ فلا يُثَرَّب على أحد فيما يجتهد فيه من الوسائل لدفع الباطل، وأن يكون الاجتماع على الثوابت والمبادئ وحسب، ثم يتدخل فقه الخلاف وإدارة الاختلاف لتنسيق الجهود وتقريب المسافات بين الاجتهادات المتباينة.

ملحوظتان على أنموذج 25 يناير

وإنَّ مما ينبغي أن نتذكره ونذكر به أنَّ أنموذج 25 يناير فيه ملحوظتان يغفل عنهما كثير من الناس، الأولى: أنَّ ظروف يناير وملابساته ليست مستمرة ولا دائمة حتى نقضي باستمرار شعارات السلمية المحضة التي كانت ترفع في الميدان، الثانية أن انهيار رأس النظام لم يحدث بالسلمية المحضة، وإنما حدث بانفلات الزمام يوم 28 يناير، ولولا حرق الأقسام واقتحام المؤسسات ما كان هناك تغيير ولا تحويل.

طبيعة الآليات المرنة

وأخيرا أقول إنَّ الوسائل والآليات ذات طبيعة مرنة مطاطة تستجيب لاختلاف الأزمان والأماكن والأحوال، فمن رام تحويلها إلى أسس فهو مبتغ تغيير الطبيعة ومعاندة الفطرة، وهذا لا يسوغ لأنَّه لن يكون.

المصدر

صفحة د. عطية عدلان، على منصة ميتا.

اقرأ أيضا

الأفكار أساس التغيير

المعالم الرئيسية لمنهج التغيير الصحيح

التعليقات معطلة