”الدين النصيحة ...لله ، ولكتابه ، ولرسوله ، ولأئمة المسلمين وعامتهم“

من فتاوى الصيام للنساء

لنساء المسلمين أحكام فيما يخصهن في باب الصيام، متعلق بعادتهن الشهرية وما اختصهن الله به من الحمل والرضاع، سواء في باب الصيام أو القضاء لما وجب عليهن.

مقدمة

شرع الله تعالى للمسلمات أحكاما تخصهن في باب الصيام، فلهن أحوال تؤثر على حكم الصوم، وتكثر أسئلتهن في هذا الباب.

ومما يؤسَف له أن بعض الممسلمات ـ بل كثير منهن ـ تجهل أحكام قضاء الصوم بعد رمضان وتمر عقود من السنين لا تدري حكم ذلك، ويثقل عليهن القضاء أو يتعذر عندئذ.

وبعضهن تصوم أثناء الحيض.

وبعضهن تفطر أثناء الحمل والرضاع بلا حاجة الى ذلك.

ولهذا جمعنا بعض الفتاوى والأحكام الخاصة بهن ـ حفظهن الله ـ لتكنّ على بينة من أمر دينهن، في مجال أكثر الأسئلة شيوعا.

إذا طهرت الحائض قبل الفجر واغتسلت بعده فما الحكم؟

“إن صومها صحيح إذا تيقنت الطُهر قبل طلوع الفجر. المهم أن المرأة تتيقن أنها طهرت؛ لأن بعض النساء تظن أنها طهرت وهي لم تطهر، ولهذا كانت النساء يأتين بالقطن لعائشة رضي الله عنها فيرينها إياه علامة على الطهر، فتقول لهن: «لا تعجلن حتى ترين القَصة البيضاء».

فالمرأة عليها أن تتأنى حتى تتيقن أنها طهرت، فإذا طهرت فإنها تنوي الصوم وإن لم تغتسل إلا بعد طلوع الفجر.

ولكن عليها أيضاً أن تراعي الصلاة فتبادر بالاغتسال لتصلي صلاة الفجر في وقتها، وقد بلغنا أن بعض النساء تطهر قبل طلوع الفجر ولكنها تؤخر الاغتسال إلى ما بعد طلوع الشمس بحجة أنها تريد أن تغتسل غسلاً أكمل وأنظف وأطهر. وهذا خطأ لا في رمضان ولا في غيره؛ لأن الواجب عليها أن تبادر وتغتسل لتصلي الصلاة في وقتها، ثم لها أن تقتصر على الغسل الواجب لأداء الصلاة، وإذا أحبت أن تزداد طهارة ونظافة بعد طلوع الشمس فلا حرج عليها.

ومِثلُ المرأة الحائض من كان عليها جنابة فلم تغتسل إلا بعد طلوع الفجر، فإنه لا حرج عليها وصومُها صحيح، كما أن الرجل لو كان عليه جنابة ولم يغتسل منها إلا بعد طلوع الفجر وهو صائم فإنه لا حرج عليه في ذلك، لأنه ثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه يدركه الفجر وهو جنب من أهله فيقوم ويغتسل بعد طلوع الفجر صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والله أعلم”. (1مختصر فتاوي الشيخ ابن عثيمين (الصيام) ، 19 / 81)

فتاة أتاها الحيض وهي في الرابعة عشرة من عمرها وتركت الصيام جهلاً منها بأن البلوغ يحصل بذلك فما الحكم؟

“هذه الفتاة التي أتاها الحيض وهي في الرابعة عشرة من عمرها، ولم تعلم أن البلوغ يحصل بذلك ليس عليها إثم حين تركت الصيام في تلك السنة؛ لأنها جاهلة، والجاهل لا إثم عليه.

لكن حين علمت أن الصيام واجب عليها فإنه يجب عليها أن تبادر بقضاء ذلك الشهر، الذي أتاها بعد أن حاضت؛ فإن المرأة إذا بلغت وجب عليها الصوم.

وبلوغ المرأة يحصل بواحد من أمور أربعة، إما أن يتم لها خمس عشرة سنة، وإما أن تنبت عانتها، وإما أن تنزل، وإما أن تحيض.

فإذا حصل واحد من هذه الأربعة فقد بلغت وكلفت ووجبت عليها العبادات كما تجب على الكبير”. (2المصدر السابق، 19 / 91)

فتاة صغيرة حاضت وكانت تصوم أيام الحيض جهلاً، فماذا يجب عليها؟

“يجب عليها أن تقضي الصيام الذي كانت تصومه في أيام حيضها، لأن الصيام في أيام الحيض لا يُقبل ولا يصح ولو كانت جاهلة؛ لأن القضاء لا حد لوقته”. (3المصدر نفسه، 19 / 92)

سمعت أنكم أفتيتم للحائض إذا طهرت في نهار رمضان أنها تأكل وتشرب ولا تمسك بقية يومها، وكذلك المسافر إذا قدم للبلد في النهار فهل هذا صحيح؟ وما وجه ذلك؟

“نعم ما سمعته من أني ذكرت أن الحائض إذا طهرت في أثناء اليوم لا يجب عليها الإمساك، وكذلك المسافر إذا قدم، فهذا صحيح عني، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد رحمه الله وهو مذهب مالك والشافعي رحمهما الله.

ورُوي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: «من أكل أول النهار فليأكل آخره»، ورُوي عن جابر بن يزيد ـ وهو أبو الشعثاء أحد أئمة التابعين الفقيه ـ أنه قدم من سفر فوجد امرأته طاهراً من الحيض في ذلك اليوم فجامعها.

ذكر هذين الأثرين في المغني، ولم يتعقبهما.

ولأنه لا فائدة من الإمساك، لأنه لا يصح صيام ذلك اليوم إلا من الفجر، ولأن هؤلاء يباح لهم الفطر أول النهار ظاهراً وباطناً مع علمهم بأنه رمضان.

أما الرواية الثانية عن الإمام أحمد رحمه الله فيجب عليهم الإمساك والقضاء، وهو مذهب أبي حنيفة رحمه الله. وحجتهم قياس ذلك على ما إذا قامت البينة في أثناء النهار، فإنه يجب الإمساك على من كان من أهل الوجوب، وهذا القياس فيه نظر.

أولاً: لأن من قامت عليه البينة في أثناء النهار لا يباح له الفطر في أول النهار لو علم بالهلال، فلم يكن ممن يباح له الفطر ظاهراً وباطناً، وحقيقته أنه يحرم الفطر، لكن هو معذور بعدم العلم فلم يكن عليه حرج في أكله قبل العلم بالهلال فأشبه الناسي.

ثانياً: ولأن من قامت عليه البينة في أثناء النهار فأمسك له فائدة من الإمساك، على قول شيخ الإسلام رحمه الله ومن وافقه، وذلك أن هذا الإمساك يفيده ويسقط عنه القضاء، فلا قضاء عليه على رأي شيخ الإسلام ابن تيمية، لأنه معذور بالأكل حيث لم يعلم بالهلال مع أن أبا الخطاب ذكر رواية: لا يلزمه الإمساك، وقاله عطاء من التابعين، ولكن ينبغي أن لا يظهر الأكل والشرب علناً إذا كان في ذلك مفسدة”. (4المصدر نفسه، 19 / 102)

امرأة تقول: جاءها الحيض، وتوقف عنها الدم في اليوم السادس من المغرب حتى الساعة الثانية عشرة ليلاً، واغتسلت هذا اليوم وصامت اليوم الذي بعده، ثم جاءتها كدرة بنية وصامت هذا اليوم، هل يعتبر هذا من الحيض مع أن عادتها تجلس سبعة أيام؟

“هذه الكدرة ليست من الحيض، الكدرة التي تصيب المرأة من بعد طهارتها ليست بشيء، قالت أم عطية رضي الله عنها: «كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئاً». وفي رواية أخرى: «كنا لا نعدها شيئاً». ولم تذكر بعد الطهر.

والحيض دم ليس بكدرة ولا صفرة، وعلى هذا فيكون صيام هذه المرأة صحيحاً، سواء في اليوم الذي لم تر فيه الكدرة، أو اليوم الذي رأت فيه الكدرة، لأن هذه الكدرة ليست بحيض”. (5المصدر نفسه، 19 / 105)

امرأة صامت وهي شاكة في الطهر من الحيض، فلما أصبحت فإذا هي طاهرة هل ينعقد صومها وهي لم تتيقن الطهر؟

“المرأة المذكورة فصيامها غير منعقد، ويلزمها قضاء ذلك اليوم، وذلك لأن الأصل بقاء الحيض. ودخولها في الصوم مع عدم تيقن الطهر دخول في العبادة مع الشك في شرط صحتها، وهذا يمنع انعقادها”. (6المصدر نفسه، 19 / 107)

امرأة في الخمسين من عمرها ومريضة بالسكر، والصيام يسبب لها مشقة كبيرة، ولكنها تصوم رمضان وكانت لا تعرف أن أيام الحيض في رمضان لها قضاء إلا من فترة، وتراكم عليها حوالي مائتا يوم، فما حكم هذه الأيام خصوصاً مع حالتها في حالة مرضها، هل عفا الله عما سلف أم تصوم أم تطعم؟

“هذه المرأة إذا كانت على ما وصف السائل تتضرر من الصوم لكبرها ومرضها فإنه يطعم عنها عن كل يوم مسكين، فتحصي الأيام الماضية، وتطعم عنها عن كل يوم مسكيناً، وكذلك صيام رمضان الحاضر، إذا كان يشق عليها ولا يرجى زوال المانع، فإنها تطعم عن كل يوم مسكيناً كما ذكرنا ذلك سابقاً”. (7المصدر نفسه، 19 / 120)

إذا أفطرت الحامل أو المرضع بدون عذر وهي قوية ونشيطة ولا تتأثر بالصيام فما حكم ذلك؟

“لا يحل للحامل أو المرضع أن تفطرا في نهار رمضان إلا للعذر، فإذا أفطرتا للعذر وجب عليهما قضاء الصوم، لقول الله تعالى في المريض: ﴿وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ وهما بمعنى المريض”. (8المصدر نفسه، 19 / 161)

هل يجوز تذوق ملح الطعام وأنا صائمة وهو لا يروح إلى الحلق بل في طرف اللسان؟

“لا حرج على الصائم في تذوق الطعام للحاجة، بأن يجعله على طرف لسانه، ثم يمجّه ويخرجه من فيه ولا يبتلع منه شيئا، سواء كان الصائم رجلا أو امرأة.

فإن ابتلع الصائم منه شيئا ناسيا، فلا شيء عليه، وليتم صومه؛ وذلك لعموم الأدلة الدالة على عذر الناسي في الشريعة، ولقوله صلى الله عليه وسلم: ” من نسي وهو صائم، فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه”. (9متفق عليه ، البخاري 1399 ومسلم 1155)

خاتمة

هذا بعض ما تيسر جمعه في هذا الباب، راجين من الله تعالى عموم النفع والفائدة. تقبل الله منا ومنكم ومن سائر المسلمين صالح العمل والجهد من أجله تعالى.

وصلى الله وسلم وبارك على أكرم الخلق محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

………………………………..

هوامش:

  1. مختصر فتاوي الشيخ ابن عثيمين (الصيام) ، 19 / 81.
  2. المصدر السابق، 19 / 91.
  3. المصدر نفسه ، 19 / 92.
  4. المصدر نفسه، 19 / 102.
  5. المصدر نفسه، 19 / 105.
  6. المصدر نفسه، 19 / 107.
  7. المصدر نفسه، 19 / 120.
  8. المصدر نفسه، 19 / 161.
  9. متفق عليه ، البخاري 1399 ومسلم 1155.

 المصدر:

  • مختصر فتاوي الشيخ ابن عثيمين (الصيام) 

اقرأ أيضا:

0 0 تصويت
تقييم المقالة
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

اشترك في قائمة البريد ليصلك كل جديد