مفهوم العبادة من أثر الصحابة

زمن القراءة ~ 8 دقيقة 

كيف أثر الفهم الصحيح للرعيل الأول من المسلمين لمفهوم العبادة على حياتهم وعلى مستقبل أمتهم؟

انفصال العمل في حس الناس عن العبادة

ومع وجود العوامل التي أشرنا إليها، والتي أخرجت العمل السياسي من دائرة العبادة، لم يكن من المتوقع أن يقف الانحسار في مفهوم العقيدة ومفهوم العبادة عند هذا الحد. إنما كان المتوقع أن يسرى الانحسار تدريجيا إلى بقية أنواع العمل، فأُخرجت تدريجيا من دائرة الإيمان ودائرة العبادة، بمعنى أن الناس لم يعودوا يعملون، فالإنسان لا يمكن أن يكف عن العمل في الحياة الدنيا، وقد خلقه الله للكدح الدائم فيها: «یَـٰۤأَیُّهَا ٱلإِنسَـٰنُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدحًا فَمُلَـٰقِیهِ» سورة الانشقاق [6].

إنما بمعنى أن العمل في الحياة الدنيا انفصل في حس الناس عن دائرة الإيمان حين انحصرت هذه في التصديق والإقرار، وعن دائرة العبادة حين انحصرت هذه في الشعائر.. فصار للعمل ركيزة أخرى غير العبادة، لتكن هي الكسب، أو هي الاقتناء والملك، أو هي الغلبة والسيطرة، أو هي المتاع الحسي أو المتاع المعنوي.. أو أي دافع من الدوافع «الذاتية» التي تدفع الإنسان للإنتاج والعمل غير مرتبطة بالإيمان بالله أو التعبد إليه..

وصار في حس الإنسان أنه حين «يعبد» ينقطع عن العمل، وحين «يعمل» ينقطع عن العبادة، وصارت له ساعتان منفصلتان تماما لا يربط بينها رابط: ساعة العمل وساعة العبادة، فضلا عن ساعة ثالثة خارج العمل والعبادة جميعا، هي ساعة اللهو أو الترويح – بريئا أو غير بريء! – فصارت كل واحدة من هذه الدوائر الثلاث منفصلة عن الأخرى، «مقفلة» على ما فيها، ولم يعد الإنسان يصل إلى أي واحدة منها إلا بالخروج من الدائرتين الأخريين!

فهم الصحابة للحياة كلها أنها عبادة

لم يكن الجيل الأول الذي رباه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يفهم الأمر على هذا النحو الشائه الذي انحرفت إليه الأجيال المتأخرة. إنما كان – كما قدمنا في مقال غياب المفهوم الصحيح للعبادة وأثر ذلك في الأمة – يفهم الحياة كلها على أنها عبادة. تشمل الصلاة والنسك وتشمل العمل كله. وتشمل لحظة الترويح كذلك. فلا شيء في حياة الإنسان كلها خارج من دائرة العبادة التي تنحصر فيها غاية الوجود الإنساني على هذه الأرض. وإنما هي ساعة بعد ساعة في أنواع مختلفة من العبادة. كلها عبادة وإن اختلفت أنواعها ومجالاتها ونطاقاتها.

الصلاة والنسك عبادة.

والكدح عبادة، سواء كان كدحا سياسيا أو اجتماعيا أو اقتصاديا أو فكريا أو علميا.. الخ.

والترويح عن القلوب لكي لاتكل ولاتمل عبادة.

فأما الصلاة والنسك فأمر العبادة فيها واضح لا يحتاج إلى بيان.

وأما الكدح فقد كان الأمر فيه واضحا تماما للجيل الذي رباه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – على عينه. الذين كانوا يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم، على النحو الذي أشرنا إليه من قبل.

كان الكدح – وهو العمل في واقع الحياة – هو العبادة الدائمة التي يقوم بها المسلم، والتي يتزود – من أجل القيام بها – بذلك الزاد الروحي العميق الذي تمنحه إياه الشعائر التعبدية، حين يقوم بها على صورتها الحقة، من الخلوص إلى الله، والتجرد إليه، والخشوع والخشية والأخبات.

وكانت العبادة في ذلك الكدح تتمثل في أمرين رئيسيين:

1-التوجه به إلى الله.

2-والالتزام فيه بما أنزل الله.

ومن ثم يتحول لتوه إلى عبادة يتقرب بها إلى الله، ويستحق عليها الثواب من عند الله.

رؤية الصحابة في الترويح عن النفس

وأما الترويح فقد كانوا يرون أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يداعب أزواجه ويدخل السرور على أهله، ويتبسط مع أصحابه – رضوان الله عليهم – ويصحبهم إلى جلسة في بستان أو رياضة إلى خارج المدينة، وتقام بين يديه مباريات في الفروسية.. وكان يدعوهم ويوجههم إلى ما يجلو الكلل والملل عن قلوبهم في غير مأثم ولا استغراق يطغى على الواجبات، فكانوا يستشعرون أن الترويح على هذه الصورة – حين تسمح به ظروفهم المكتظة بالأعباء – منشط للعبادة ومعين عليها، ومن ثم فهو داخل في إطارها..

وهكذا يقضون الحياة كلها في عبادة.. عبادة تشمل نشاط الروح كله، ونشاط العقل كله، ونشاط الجسد كله، مادام هذا كله متوجها به إلى الله، وملتزما فيه بما أنزل الله.. وهي في الوقت ذاته عبادة لا تعنت الإنسان ولا تكلفه مالا طاقة له به، لأنها تأخذ نشاطه الطبيعي. الذي يمكن أن يصدر عنه بحكم تكوينه ذاته، فتحوله إلى عبادة بتلك اللمسة البسيطة العميقة في ذات الوقت، التي توجهه إلى الله، وتبتغي به مرضاة الله.

وهذا هو المفهوم الصحيح للعبادة كما أنزله الله.. المفهوم الشامل الواسع العميق: «قُل إِنَّ صَلَاتِی وَنُسُكِی وَمَحیَایَ وَمَمَاتِی لِلَّهِ رَبِّ ٱلعَـٰلَمِینَ * لَا شَرِیكَ لَهُ..». سورة الأنعام [162- 163].

فهم الصحابة للعبادة لم يسمح بوجود دوائر مغلقة في حياتهم

وحين كان الأمر على هذا الفهم الذي فهمه الجيل الأول من كتاب الله ومن تعليم رسوله – صلى الله عليه وسلم – لم تكن هناك دوائر مغلقة في حياة المسلم ينتقل من واحدة إلى الأخرى ساعة بعد ساعة.. ولم تكن «العبادة» مجرد ساعة من الساعات، يخرج المسلم منها إلى غيرها.. إنما كانت هناك دائرة واسعة شاملة، ينتقل الإنسان في مختلف جوانبها من نشاط إلى نشاط، وهو في جميع الأحوال قائم أو متحرك في داخلها يعبد الله: «ٱلَّذِینَ یَذكُرُونَ ٱللَّهَ قِیَـٰما وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِم..» سورة آل عمران [۱۹۱].

ولم يكن ذلك تطوعا منهم يتفردون به، ويعفي غيرهم منه.. إنما كان هو الفهم الصحيح للعبادة، والممارسة الصحيحة لها، ثم يتفاضلون فيما بينهم في هذا الجوهر المشترك، وهو شمول العبادة لكل ألوان نشاطهم، إنما يتفاضلون في القدر الذي يجتهد كل منهم في تحقيقه في شتى مجالات العبادة، بمقدار ما يوفقهم الله.

 نظرة الصحابة للشعائر التعبدية

وكانت الشعائر تلقى منهم حفاوة بالغة كما قلنا، لا باعتبارها هي مجال العبادة الأوحد فيصبوا فيها كل وجداناتهم، وكل مشاعرهم، وكل حضورهم الروحي، وكل خشوعهم وإخباتهم لله.. إنما لأنها في حسهم – كما هي في الحقيقة – محطات التزود، التي يتزود فيها الإنسان بالزاد لبقية الطريق.. أو النبع الذي يجدد الطاقة للقيام ببقية العبادة المفروضة على الإنسان.. وكلما نفد الزاد أو كاد يكون المسافر قد أتي إلى المحطة التالية يتزود فيها للمشوار الجديد…

الصلاة زاد يومي يتكرر خمس مرات في اليوم والليلة. والصيام زاد سنوي مركز مجتمع يستغرق شهرا كاملا يتقلب فيه الإنسان من عبادة إلى عبادة إلى عبادة. والزكاة موسم أو مواسم سنوية يتطهر فيها الإنسان من الشح، ويمارس العطاء الروحي والمادي. والحج موسم في العمر يتجرد فيه الإنسان من متاع الأرض الزائل كله، ويقبل على الله.. وكلها زاد.. لبقية الطريق.. والعبادة تشمل كل الطريق..

نماذج من سلوك الصحابة

ولننظر في بعض النماذج من سلوك الصحابة – رضوان الله عليهم – لندرك هذه الحقيقة العميقة الدقيقة، وهي شمول العبادة في حسهم لكل عمل وكل فکر وكل شعور، وكل لحظة من لحظات العمر، وعدم اقتصارها على لحظات معينة هي التي تؤدي فيها الشعائر التعبدية..

خذ هذا الأعرابي الذي أعطاه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قسمه من الغنائم فقال: ما على هذا اتبعتك! ولكني اتبعتك على أن أرمي إلى هاهنا – وأشار إلى حلقه – بسهم فأموت فأدخل الجنة فقال: إن تصدق الله يصدقك.[ أخرجه النسائي].

ألم يكن في قمة العبادة وهو يفعل ذلك؟! وما كان في لحظتها يؤدی شعيرة من الشعائر! إنما كان يؤدي عبادة اللحظة القائمة، في المناسبة القائمة، ويؤديها على مستوى القمة في الأداء!

وخذ هذه المرأة التي كانت تصرع فتتكشف، فسألت رسول الله – صلى الله عليه وسلم أن يدعو لها بالشفاء. فقال لها: إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله – عز وجل – أن يعافيك. قالت: أصبر! قالت: فإني أتكشف، فادع الله ألا أتكشف، فدعا لها..

ألم تكن في قمة العبادة وهي تقول ذلك؟! وما كانت في لحظتها تؤدي شعيرة من الشعائر! إنما كانت تؤدى عبادة اللحظة القائمة، في المناسبة القائمة، وتؤديها على مستوى القمة في الأداء!

وخذ سلمان الفارسي حين قام عمر – رضي الله عنه – على المنبر يقول: أيها الناس، اسمعوا وأطيعوا، فقال له سلان: لا سمع لك اليوم علينا ولاطاعة! فقال عمر- ولم يغضب – ولمه؟ قال: حتى تبين لنا من أين لك هذا البرد الذي ائتزرت به! فلم يغضب عمر، ونادي ابنه عبد الله بن عمر فقال له: نشدتك الله! هذا البرد الذي ائتزرت به أهو بردك؟ قال: نعم! قال سلمان: الآن مر! نسمع ونطع!

هل كان أيهما يؤدي شعيرة من الشعائر؟ إنما كان يؤدي كل منها عبادة! سلمان يتعبد الله بالرقابة على أعمال الحاكم للتأكد من جريان العدل الرباني مجراه، وعمر – بروح العبادة في قمتها- لا يغضب من مُساءلة الرعية له على متر زائد من القماش!

وخذ هذا الرجل الفقير وامرأته، إذ هم الرجل أن يشكو فقره إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ليعطيه ما يذهب عنه فاقته، فتقول له امرأته: أتشكو الله إلى رسوله صلى الله عليه وسلم؟! فيحجم الرجل ويصبر!

ألم تكن هذه لحظة عبادة؟ وفي القمة من العبادة؟!

وخذ هذا الرجل الذي خرج للقتال وفي يده تمرات، فأعجلته ريح الجنة فلم يصبر، فرمي التمرات من يده وهو يقول: لئن بقيت حتى أنتهي من هذه إنه لأمر يطول!

كيف تسمى هذه اللحظات الفائقة.. إن لم تكن لحظات عبادة في أعلى القمة من العبادة؟!

كذلك كان الصحابة – رضوان الله عليهم – يعبدون ربهم.. يعبدونه بالصلاة والنسك.. ويعبدونه بالعمل..

ويعبدونه بالترويح النظيف الطاهر الذي يمنع العمى عن القلوب..

وفرق كبير بين أن تقتصر العبادة على الصلاة والنسك والشعائر، ويخرج منها العمل والترويح، وبين أن تكون كلها عبادة، يتنقل الإنسان فيما بينها ساعة بعد ساعة، ولكنه لا يخرج في أي ساعة من دائرة العبادة التي يتوجه فيها القلب إلى الله، ويلتزم فيها بأوامر الله..

فارق في النظافة النفسية والسلوكية.

وفارق في نوع «الإنجاز» الذي يقوم به الإنسان في الأرض، فردا كان أو جماعة.

أما فارق النظافة فواضح.

فحين يكون العمل عبادة فلن يدخله الغش، ولا الخيانة، ولا الكذب، ولا الخديعة، ولا الافتئات على حقوق الناس بالجور والظلم، ولا ارتكاب المحرمات من أجل الكسب أو التسلط أو المتاع..

وحين يكون الترويح عبادة فلا يمكن أن يسفل، وأن يتفه، وأن يسف، ولا أن يهبط بإنسانية الإنسان كما هو حادث في الجاهلية المعاصرة في ألوان «اللهو» المبذول في كل مكان، والذي يزين كل فاحشة سوية أو شاذة للناس.

مفرق الطريق بين الإنجاز الأوربي المعاصر وإنجاز الأمة الإسلامية

وأما الإنجاز فقد يخيل لبعض الناس اليوم أن أضخم إنجاز في التاريخ هو الإنجاز الذي قامت به أوربا في عصرها الحاضر.. وقد قامت به وهي بعيدة تماما عن «الدين» وعن عبادة الله..

وهنا لابد من التنبه إلى مجموعة من الحقائق..

فقد أنجزت الحضارة المادية المعاصرة إنجازا ضخما لا شك فيه في بعض جوانب الحياة، أبرزها التقدم العلمي الهائل، والتقدم التكنولوجي الذي استخدم ثمار العلم في تيسير الحياة وتخفيف الجهد عن الإنسان، وعبقرية التنظيم التي تسهم بدورها في تيسير الحياة وتخفيف الجهد وتوفير كثير من الوقت، وبعض الجوانب «الإنسانية» الأخرى المتمثلة في «الحقوق» و «الضمانات» التي يتمتع بها الناس هناك.

ولكن الحصيلة النهائية لهذه الحضارة المادية بعيدة كل البعد عن أن تكون صورة مشرقة «للإنسان» أو صورة مشرفة له، رغم كل الجوانب المضيئة فيها، بسبب ما تحمله من جور سياسي واقتصادي واجتماعي، واستعمار، وانتهاك للحرمات، وقذارة حسية ومعنوية، وتحلل أخلاقي، وانطماس روحي، وانتكاس نفسي، وهبوط بالإنسان من مكانه اللائق الذي خلقه الله له، وكرمه به، لكي يصبح في النهاية عبدا ذليلا لكل شيء.. إلا الله!

وهذا هو مفرق الطريق بين الإنجاز الأوربي المعاصر وإنجاز الأمة الإسلامية حين كانت حياتها قائمة على التطبيق الصحيح للإسلام…

إن ما تقوم به أوربا اليوم ليس هو الذي قامت به الأمة الإسلامية الأولى، ولا قريبا منه، وإن اختلطت بعض أجزاء الصورة في بعض الأذهان.

إن الذي قامت به الأمة الإسلامية الأولى لم يكن مجرد التوسع والفتح، والغلبة والسلطان، ولا مجرد إقامة حركة علمية أو حركة حضارية أو عبارة مادية للأرض.. فهذا كله من العطاء الرباني الذي يمنحه الله للكفار وللمؤمنين سواء:

«كُلًّا نُّمِدُّ هَـٰۤؤُلَاۤءِ وَهَـٰۤؤُلَاۤءِ مِن عَطَاۤءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاۤءُ رَبِّكَ مَحظُورًا» سورة الإسراء [۲۰].

وقد كان لكثير من الجاهليات التاريخية نصيب منه:«أَوَلَم یَسِیرُوا فِی ٱلأَرضِ فَیَنظُرُوا كَیفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِینَ مِن قَبلِهِم كَانُوۤا أَشَدَّ مِنهُم قُوَّة وَأَثَارُوا ٱلأَرضَ وَعَمَرُوهَاۤ أَكثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاۤءَتهُم رُسُلُهُم بِٱلبَیِّنَـٰتِ فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِیَظلِمَهُم وَلَـٰكِن كَانُوۤا أَنفُسَهُم یَظلِمُونَ * ثُمَّ كَانَ عَـٰقِبَةَ ٱلَّذِینَ أَسَـٰۤـُٔوا ٱلسُّوۤأَىٰۤ أَن كَذَّبُوا بِـَٔایَـٰتِ ٱللَّهِ وَكَانُوا بِهَا یَستَهزِءُونَ» سورة الروم [9- ۱۰].

«فَلَمَّا جَاۤءَتهُم رُسُلُهُم بِٱلبَیِّنَـٰتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ ٱلعِلمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِۦ یَستَهزِءُونَ» سورة غافر [۸۳].

إنما الذي صنعته الأمة الإسلامية هو إقامة هذه العمارة وهذه الحضارة وهذه القوة الغالبة الساحقة على أساس من القيم والمثل لم تتحقق في صورة واقع عملي سلوكي إلا في تاريخ هذه الأمة الفريدة في التاريخ.

ومن شاء فليعقد مقارنة بين حركة الفتح الإسلامي وبين الغزو الاستعماري، وبين العدل الرباني كما طبقه المسلمون في الأرض و «عدالة» الجاهلية المعاصرة بين البيض والسود في أمريكا وفي جنوب أفريقيا، وبين الصليبية الصهيونية وبين المسلمين في فلسطين أو الحبشة أو أرتيريا أو تشاد أو الفلبين أو العالم الشيوعي، أو أي صقع من الأرض كان فيه مسلمون تحت سيطرة غير المسلمين! وليعقد المقارنة بين وفاء المسلمين بمواثيقهم وبين مواثيق الدول التي تبرمها وهي تتحين الفرصة المناسبة لنقضها! وبين تمحض الحركة العلمية الإسلامية للخير، وبين استخدام العلم في الجاهلية المعاصرة لفتنة الناس عن عقيدتهم في الله، واستخدامه في التدمير الوحشي، واستخدامه في إفساد الأخلاق، وبين شمول الحضارة الإسلامية «للإنسان» من كل جوانبه، الروحي منها والمادي، وتركيز هذه الحضارة على جوانب الحياة الحسية وإهمال جانب الروح.

إن هذا بالضبط هو الفارق بين ممارسة الحياة بجنس العبادة، أي عبادة الله، وممارستها – بوعي أو بغير وعي – عبادة للشيطان، على تعدد الصور التي تمارس بها عبادة الشيطان!

ولقد كانت الأمة الإسلامية في ذروتها حين كانت تمارس «العمل» بحس العبادة، فأما حين خرج العمل تدريجيا من مفهوم العبادة فقد بدأت تهبط من ذروتها درجات مختلفة من الهبوط..

ولم يكن العمل وحده – بجميع مجالاته – هو الذي خرج من مفهوم العبادة حين انحصرت في الشعائر التعبدية.. إنما كانت الطامة في خروج «الأخلاق» من دائرة العبادة..

إن من المزايا الكبرى لهذا الدين قاعدته الأخلاقية العريضة الشاملة، التي تشمل كل أعمال الإنسان.

المصدر:

كتاب “مفاهيم ينبغي أن تصحح” للأستاذ محمد قطب رحمه الله، ص202-214 بتصرف يسير.

اقرأ أيضًا:

التعليقات معطلة.