زمن القراءة ~ 4 دقيقة 

ذم الله تعالى التكاثر في أمر الدنيا، وأطلقه ولم يقيده ليشمل أنواع التكاثر المذموم، وربطه بزيارة القبور، وجعل القبور “زيارةً” للدلالة على الآخرة.

مقدمة

اشتمل كتاب الله تعالى على وعظ القلوب بتضمنه لحقائق الوجود والإخبار بالغيب القادم في الآخرة، وخاطَب القلوب بحديث يخاطب العقل بدقته وإحكامه، ويخاطب الوجدان بحقائقه وأسلوبه.. ومن تدبّر وجد.

وهذه السلسلة من المقالات توضح بعضا من هذه الحقيقة الكبيرة؛ فاشتملت فوائد ودروسا مستنبطة من سورة التكاثر، وما ورد في معناها.

معنى أَلْهاكم

أولا: المعنى المستفاد من قوله ﴿أَلْهَاكُم﴾

«الإلهاء: هو الصرف إلى اللهو من (لها) إذا غفل، وكل شيء شغلك عن شيء فقد ألهاك، وهو صرف الهم بما لا يحسن أن يصرف به من الإعراض عن الحق والانشغال بالمتع العاجلة عن الدار الباقية، والميل عن الجد الى الهزل. وبالجملة: فكل باطل شغل عن الخير وعما يعني فهو (لهو)». (1انظر المفردات للراغب (مادة لهو ) ص748)

وقوله «﴿أَلْهَاكُم﴾ أبلغ في الذم مما لو قال: (شغلكم) لعدم التلازم بين اللهو والاشتغال، ذلك أن الإنسان قد يشتغل بالشيء بجوارحه وقلبه غير لاهٍ به؛ بينما اللهو: ذهول وإعراض». (2تفسير القرطبي 6/ 414, الفوائد لابن القيم ص32)

الاقتران بين اللهو واللعب، ومعناه

ثانيا: قرن الله عز وجل في كتابه الكريم بين «اللهو واللعب»، وذلك كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾ (العنكبوت:64).

وقوله تعالى: ﴿أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ (محمد:36).

وقوله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ (الحديد:20).

وقوله تعالى: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا﴾ (الأنعام:70).

وقوله تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (الأنعام:32).

و قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ (الأعراف:51).

والعطف يقتضي المغايرة فما هو الفرق بين اللعب واللهو؟

ذكر أهل العلم فروقا في ذلك: فقال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: «اللهو للقلب واللعب للجوارح». (3الفوائد ص32)

وقال بعضهم: اللهو: «صرف الهَمّ بما لا يحسن أن يصرف به، واللعب: طلب الفرح بما لا يحسن أن يطلب به».

وقيل: «اللهو: الإعراض عن الحق, واللعب: الإقبال على الباطل».

وقال العسكري: «الفرق بين اللهو واللعب: أنه لا لهو إلا لعب، وقد يكون لعب ليس بلهو, لأن اللعب يكون للتأديب… ولا يقال لذلك لهو, وإنما اللهو لعب لا يعقب نفعا, وسمي لهوا, لأته يشغل عما يعني, من قولهم: ألهاني الشيء, أي شغلني, ومنه قوله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾. (4الفروق اللغوية للعسكري ص210)

ومن تأمل هذه الأقوال تبين له مدى التقارب بين معنى اللهو واللعب، ولعل من أحسن الفروقات بينهما ما ذكره الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله من أن «اللهو للقلب، واللعب للجوارح»، قال: «ولهذا جمع بينهما». (5الفوائد ص32)

معنى التكاثر المذموم

ثالثا: التكاثر: التباهي بالكثرة من المال والجاه والولد وغير ذلك مما سيأتي تفصيله إن شاء الله تعالى، هو تفاعل من الكثرة.

وهو مأخوذ من مادة (ك ث ر) التي تدل على خلاف القلة.

والتكاثر يقع على أحد وجهين: فيحتمل أن يكون التكاثر بمعنى المفاعلة لأنه يتم بين اثنين، يقول كل واحد منهم لصاحبه ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالا﴾ (الكهف:34)، ويحتمل تكلف الكثرة وتطلبها، فإن الحريص مثلا يتكلف جميع عمره تكثير ماله. (6انظر التفسير الكبير32/ 75 والفوائد ص32)

دلالة الإطلاق وعدم تعيين مفردات التكاثر

رابعا: لم يعين ـ سبحانه وتعالى ـ المكاثر به؛ بل ترك ذكره لإرادة العموم في كل ما يكاثر العبد به غيره سوى طاعة الله عز وجل.

وترك الأمر على العموم والإطلاق أبلغ في الذم من تخصيصه، لأنه تذهب فيه الفكر كل مذهب، فيدخل فيه جميع ما يحتمله المقام؛ مما يتكاثر به المتكاثرون، ويفتخر به المفتخرون.

يقول ابن القيم رحمه الله تعالى:

“التكاثر في كل شيء: فكل من شغله وألهاه التكاثر بأمر من الأمور عن الله والدار الآخرة فهو داخل في حكم هذه الآية.

فمن الناس من يلهيه التكاثر بالمال.

ومنهم من يلهيه التكاثر بالجاه أو بالعلم، فيجمعه تكاثراً أو تفاخراً، وهذا أسوأ حالاً عند الله ممن يكاثر بالمال والجاه؛ فإنه جعل أسباب الآخرة للدنيا، وصاحب المال والجاه استعمل أسباب الدنيا لها وكاثر بأسبابها”. أ.هـ (7عدة الصابرين ص172)

وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان لأنواع كثيرة من التكاثر التي ظهرت في واقعنا المعاصر.

[للمزيد راجع: ألهاكم التكاثر .. الأموال والأولاد والرياسات

وقوع الذم على التكاثر في الدنيا، لا في شأن الآخرة

خامسا: بما مضى يتبين أن الذم في الآية واقع على التكاثر في متاع الدنيا الزائل ولذّاتها الفانية.

اما التكاثر بأسباب السعادة الأخروية فهو مطلوب شرعا قال الله عز وجل: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ (المطففين:26).

وعليه فالتكاثر من حيث تعلق الذم والحمد قسمان «محمود ومذموم»، فما كان في الآخرة فهو ممدوح إذا ابتغى به وجه الله تعالى، وما كان في الدنيا فهو مذموم ونهايته الى الخسران.

دلالة على البعث

سادسا: في سورة التكاثر دليل على البعث بعد الموت، وذلك من قوله تعالى: ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ لأن الزائر لا يقيم وإنما يرجع إلى موطنه الأصلي النهائي، وذلك في اليوم الآخر: إما إلى الجنة وإما إلى النار.

نسأل الله عز وجل أن يجعل قرارنا في جنات النعيم.

إشارة لزيارة القبور، للتذكر

سابعا: في هذه السورة فضيلة لزيارة القبور وتذكر الموت والدار الآخرة والاستعداد له ما دام الإنسان حيا قبل أن يزورها ميتا، وأن هذا من الأسباب التي تتقي بها الدنيا والتكاثر بها.

خطورة التكاثر المذموم

ثامنا: تضمنت السورة بيان خطورة التكاثر في الدنيا وما يورث فيها من الشقاء والهَمّ والغَمّ، وفي الآخرة من الحسرة والندامة ورؤية النار، وذلك بالانشغال في الدنيا عن العمل الصالح بالمكاثرة ولو بالمعاصي والحرام.

مسؤولية المال حلالا، ووبالُه حراما

تاسعا: بينت السورة أن التكاثر والمنافسة في الدنيا هي من أهم الأسباب التي تجعل الإنسان لا يبالي من أين يكسب المال وفيما ينفقه..

فحسْبه أن يتمتع بهذا المال حلالا كان أم حراما، وينسى أن الله عز وجل سيسأله عن كل نعيم تنعم به في هذه الدنيا، لما قال سبحانه وتعالى ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ وقوله صلى الله عله وسلم: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه. وعن جسمه فيما أبلاه». (8الترمذي 2417 وقال حسن صحيح)

فالمال والتكاثر به: إما حساب إن كان حلالا، وإما عذاب إن كان حراما.

خاتمة

هكذا جاء ذم الدنيا مطلقا؛ بخلاف التكاثر في شأن الآخرة وفي طريقها؛ ذلك أن الأول عائق في السفر الطويل؛ بينما الثاني هو زاد الرحلة الطويلة. والله تعالى الموفِق والهادي اليه سبيلا.

………………………………………

هوامش:

  1. انظر المفردات للراغب (مادة لهو ) ص748.
  2. تفسير القرطبي 6/ 414, الفوائد لابن القيم ص32.
  3. الفوائد ص32.
  4. الفروق اللغوية للعسكري ص210.
  5. الفوائد ص32.
  6. انظر التفسير الكبير32/ 75 والفوائد ص32.
  7. عدة الصابرين ص172.
  8. الترمذي 2417 وقال حسن صحيح.

اقرأ أيضا:

  1. ألهاكم التكاثر .. (1-4) الأموال والأولاد والرياسات
  2. ألهاكم التكاثر .. (2-4) غرائب العلم وتفريعاته للمباهاة
  3. ألهاكم التكاثر .. (3-4) المآكل والزينة والترحال
  4. ألهاكم التكاثر .. (4-4) الكلام والإعلام
  5. تجديد البديات

انضم إلى آلاف المهتمين بقضايا الأمة

زودنا بعنوان بريدك الإلكتروني لتصلك نشرة منتظمة 

نستخدم عنوان بريدك للتواصل معك فقط ولا نسمح بمشاركته مع أي جهة ويمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت

الاشتراك في النشرة البريدية