فتنة مسايرة الواقع (3-4)


زمن القراءة ~ 6 دقيقة 

ما بين الترخّص غير المستند الى الاجتهاد الصحيح، وتتبع الرخص، وسلوك طريق التنازلات لاسترضاء الأنظمة، وتقليد الغرب.. تلك من صور فتنة “مسايرة الواقع” المعاصرة.

مقدمة

بعد بيان أثر وخطورة فتنة “مسايرة الواقع” تاريخيا، وفي الواقع المعاصر، ونتاج هذه الفتنة من الشخصيات المهترئة “الإمعة” وذلك في الجزء الأول.

ثم بيان دور رجل العقيدة وإصلاحه للمجتمع وعدم تأثره بسلبياته، ونزول قضيته منزلة الروح من الجسد الجزء الثاني.

يوضح هنا بعض مجالات التأثر في تتبع الرخص والاستفتاء المغرِض لاستزلال العالِم وإصدار رخصة لما حرم الله، وتنازل الدعاة أمام ضغوط الأنظمة، ووقوع العلمانيين والليبراليين في العصرانية بمعناها المنحرف من تقليد الغرب في إباحيته وانحرافه واتسلاخه من الدين.

من صور فتنة “مسايرة الواقع” المعاصرة:

استصدار فتاوى مغرضة للترخص المذموم

وتلك فتنة مـسـايــرة الناس فيما يطرحونه من استفتاءات حول بعض المخالفات الشرعية المعاصرة.

وذلك من قِبَلِ بعض أهل العلم الذين قد يرون مسايرة الواقع، ويفتون ببعض الأقوال الشاذة والمهجورة، أو يحـتـجـــون بقواعد الضرورة أو رفع الحرج أو الأخذ بالرخص… إلخ.

ولا يخفى ما في ذلك من الـســيـر مــع أهواء الناس والرضا بالأمر الواقع، والتحلل من أحكام الشريعة شيئاً فشيئاً، والمطلوب مـــن أهـــل العلم والفتوى في أزمنة الغربة أن يعظوا الناس ويرشدوهم ويأمروهم بالمعروف وينهوهم عـــــن المنكر بدل أن يحسِّنوا لهم الواقع ويسوِّغوا صنيعهم فيه.

يقول الشاطبي، رحمه الله تعالـى:

“المقصد الشرعي مِن وضْع الشريعة هو إخراج المكلف عـن داعـيــــة هـــــواه حـتـى يـكـــون عـبـداً لله اختياراً كما هو عبد الله اضطراراً” (1الموافقات، 2/ 128)

ويقول أيضاً:

“إن الترخُّص إذا أُخذ بـــه في مـــوارده عـلــى الإطلاق كان ذريعة إلى انحلال عزائم المكلَّفين في التعبد على الإطلاق، فإذا أخذ بالعزيمة كــــان حــرياً بالثبات في التعبد والأخذ بالحزم فيه…

فإذا اعتاد الترخص صارت كل عزيمة في يده كالـشــاقَّة الـحرجة، وإذا صارت كذلك لم يقم بها حقَّ قيامـها وطلب الطريق إلى الخروج منها”. (2المصدر السابق، ص / 247)

وقــد لا يـكــون المفتي قاصداً مسايرة واقع الناس أو الميل مع أهوائهم؛ لكنه يغفل عن مكر بعض الناس وخداعهم، وذلك في طريقة استفتاءاتهم وصياغتها صياغةً تدفع المفتي من أهل العلـم إلـى إجابته بما يهوى.

وعن هذا يقول الإمام ابن القيم، رحمه الله تعالى:

“يحرم عليه ـ أي على المفتي ـ إذا جاءته مسألة فيها تحايل على إسقاط واجبٍ أو تحليل محرمٍ أو مكرٍ أو خداعٍ أن يعين المستفتي فيها، ويرشده إلى مطلوبه أو يفتيه بالظاهر الذي يتوصل به إلى مقصوده؛ بل ينبغي له أن يكون بصيراً بمكر الناس وخداعهم وأحوالهم، ولا ينبغي له أن يحسن الظن بهم، بل يكون حذراً فطناً فقيهاً بأحوال الناس وأمورهم، يؤازره فقهه في الشرع.

وإن لم يكن كذلك زاغ وأزاع.

وكم من مسألة ظاهرها جميل وباطنها مكر وخداع وظلم! فالغِرُّ يـنـظــــر إلى ظاهرها ويقضي بجوازه، وذو البصيرة ينفذ إلى مقصدها وباطنها.

فالأول يروج عليه زغل المسائل كما يروج على الجاهل بالنقد زغل الدراهم.

والثاني يُخرج زيفها كما يُخرج الناقــد زيــف النقوذ، وكم من باطل يخرجه الرجل بحسن لفظه وتنميقه وإبرازه في صورة حق! وكــــم من حق يخرجه بتهجينه وسوء تعبيره في صورة باطل! ومن له أدنى فطنة وخبرة لا يخفى عليه ذلك”. (3اعلام الموقعين، 4/ 229)

مسايرة الأنظمة العلمانية

وذلك بمسايرة واقع الأنظمة ببعض التنازلات التي تضر بالدعوة وأهلها.

وهــذا من أخطر ما يتعرض له أهل الدعوة والعلم والإصلاح، وبخاصة حينما يكثر الفساد وتـشـتـد وطــأتــه على الناس ويبطؤ نصر الله، عز وجل، ويتسلط الظالمون على عباد الله المصلِحين، حـيـنـئـذ يجتهد بعض المهتمين بالدعوة والإصلاح، ويظهر لهم أن التقارب مع أرباب الأنظمة والسـلـطــان والالتقاء معهم في منتصف الطريق قد يكون فيه مصلحة للدعوة وتخفيف شر عن المسلمـيـن، وكل ما في الأمر بعض التنازلات القليلة التي يتمخض عنها ـ بزعمهم ـ مصالح كبيرة!!

وليس المقام هنا مقام الرد والمناقشات لهذه الاجتهادات، فيكفي في فشلها وخطورتها نتائجُها التي نسمعها ونراهـا عنـد مـن خاضوا هـذه التنازلات ورضوا بالأمر الواقــع؛ فلا مصلحة ظاهرة حقـقـــوهـا بتنازلاتهم، ولا مفسدة قائمة أزالوها؛ ولقد حذَّر الله، عز وجل، نبيه صلى الله عليه وسـلـم عن الــركــون للـظـالمين المفسدين أشد التحذير؛ وذلك في قوله تعالى: ﴿وإن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَذِي أَوْحَـيـْـنـَـا إلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وإذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً * ولَوْلا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَـيْـئــاً قَلِيلاً * إذاً لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الحَيَاةِ وضِعْفَ المَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً﴾ (الإسراء: 73 – 75).

الطريق الزلِق..!

“يعدد السياق محاولات المشركين مع الرسول صلى الله عليه وسلم. وأولها:

محاولة فتنته عما أوحى الله إليه، ليفتري عليه غيره، وهو الصادق الأمين.

لـقـــد حاولوا هذه المحاولة في صور شتى منها:

  • مساومتهم له أن يعبدوا إلهه في مقابل أن يترك التنديد بآلهتهم وما كان عليه آباؤهم، ومنها:
  • مساومة بعضهم له أن يجعل أرضهم حراماً كالبيت العتيق الذي حرمه الله، ومنها:
  • ومنها: طلب بعض الكبراء أن يجعل لهم مجلساً غير مجلس الفقراء.

والـنـص يشـيـر إلى هــذه المحاولات ولا يفصِّلها، ليذكِّر بفضل الله على الرسول صلى الله عليه وسلم في تثبيته عـلـى الحق، وعصمته من الفتنة. ولو تخلى عنه تثبيت الله وعصمته لركن إليهم فاتخذوه خـلـيـــلاً، وللقي عاقبة الركون إلى فتنة المشركين هذه، وهي مضاعفة العذاب في الحياة والممات دون أن يجد له نصيراً منهم يعصمه من الله.

هذه المحاولات التي عصم الله مـنـهـا رسوله هي محاولات أصحاب السلطان مع أصحاب الدعوات دائماً، محاوِلة إغراءهم لينـحـرفـــوا ـ ولو قليلاً ـ عن استقامة الدعوة وصلابتها، ويرضوا بالحلول الوسط التي يغرونهم بها في مـقـابل مغانم كثيرة.

ومن حَمَلة الدعوات من يُفتن بهذا عن دعوته؛ لأنه يرى الأمر هيّناً؛ فأصـحـــاب السلطان لا يطلبون منه أن يترك دعوته كليةً، إنما هم يطلبون تعديلات طفيفة ليلتقي الـطـرفـــــان في منتصف الطريق.

وقد يدخل الشيطان على حامل الدعوة من هذه الثغرة، فيتصور أن خـيـر الـدعــــــوة في كسب أصـحــاب السلطان إليها ولو بالتنازل عن جانب منها! ولكن الانحراف الطفيف فـي أول الطريق ينتهي إلى الانحراف الكامل في نهاية الطريق، وصاحب الدعوة الذي يقبل التسليم في جزء مـنــهــا ولو يسيراً، وفي إغفال طرف منها ولو ضئيلاً، لا يملك أن يقف عند الذي سلم به أول مرة؛ لأن استعداده للتسليم يتزايد كلما رجع خطوة إلى الوراء!”. (4في ظلال القرآن، 3/ 245)

مسايرة الغرب المنسلخ من الدين

مسايرة ركب الغرب في بعض ميادين من قِبَلِ دعاة العصرانية من أبناء المسلمين:

إن الحديث عن العصرانية والعصرانيين يطول ويطول (5مـن أراد التـوســــــع في هذا الموضوع وكيف نشأ ومن هم رموزه فليرجع إلى كتاب: (العصرانيون بين مزاعم التجديد وميادين التغريب)، للأستاذ محمد حامد الناصر) ولكن يكفي أن نذكر هنا ما يتعلق بموضوعنا وهـــو الحديث عن فتنة المسايرة ـ ولا أحسب العصرانيين من بني قومنا إلا وقد ركسوا في هذه الفـتـنـة وظـهــــرت عليهم في أجلى صورها، وهم لا يعترفون بأنها “مسايرة”؛ ولكنهم يسمونها تجديداً وتطويراً يناسب العصر، وتحت هذا المسمى يقضون على كثير من الثوابت الشرعية ويتحللون من شرع الله، عز وجل، باسم “التطوير” وهو في الحقيقة “مسايرة” للواقع الغربي و”تقليد” أعمى وانبهار بإنجازاته المادية بل الهزيمة النفسية أمامه.

والغريب في أمر هؤلاء أنهم يرفضون “التقلـيـد” ويشنّعون على من يقلد سلف الأمة ويتبعهم، وعلى من يبقى على الموروث لا يتجاوزه ولا يـطـوره، ثم هم في الوقت نفسه يسقطون في تقليد الغرب ومحاكاته بصورة لا تدع مجالاً للريب والـشــــك؛ وهـــم الذين يتشدقون بالعقلانية ورفض التقليد!!

ويعرِّف الدكتور “الزنيدي العصرانية بقوله: “هي التأقلم مع المعطيات الاجتماعية والعلمية المتجددة في كل عصر، وربط الإنسان في فرديته وجـمـاعـيـته بها في دائرة التصور البشري”. (6العصرانية في حياتنا الاجتماعية، ص 22)

ويـتـحــــدث الأستاذ “محمد حامد الناصر” عن بعض شذوذات العصرانيين في ميادين الفقه فيقول:

“لـقـد خرج العصرانيون علينا بفقه غريب شاذ يريد تسويغ الواقع المعاصر لإدخال كثير من القيم الغربـيـــة في دائرة الإسلام؛ ذلك أن موقفهم من النصوص الشرعية عجيب..

فإذا كانت الآية واضـحـــــــة الدلالة والأحاديث النبوية المتواترة قالوا: إن هذه النصوص كانت لمناسبات تاريخية لا تـصـلـــــح لعصرنا الحاضر..!

وإذا كانت أحاديث آحاد قالوا لا يؤخذ من خبر الآحاد تشريع ولا تـبـنى عليه عقيدة.

أو ألغوا بعض الأحاديث الصحيحة بحجة أنها سُنَّة غير تشريعية.

ثم يـتـهـمــــون الفـقـهــاء بالجمود وضيق الأفق!!

إن هذه التجاوزات ـ لو أُخذ بها ـ لن تترك من ثوابت الإسلام إلا وحاولت مسخه أو تشويهه”.

من شذوذاتهم

“1- رفـضـهم تطبيق الحدود التي فيها رجم أو قتل أو قطع عضو إلا بعد الإصرار والمعاودة والتكرار، ويأتون بِشُبَهٍ من هنا وهناك.

2- إباحتهم الربا في البنوك بحجة الحفاظ على اقتصاد البلاد..! وأن الربا المحرم عندهم هو الربح المركب.

3- موقـفـهــم من المرأة، والدعوة إلى تحريرها ـ بزعمهم ـ ودعوتهم لها إلى محاكاة المرأة الغربية في عاداتــهـــــا، وإلى الثورة على الحجاب الشرعي وتعدد الزوجات. يقول محمد عمارة: “إن تعدد الزوجـــــات وتتابع الزواج واتخاذ السراري والجواري من سمات عصر الإقطاع والدولة الإقطاعية”. والـتـرابـي يـقــصــر الحجاب على نساء النبي صلى الله عليه وسلم..!

ثم راحوا يسوّغون الاختلاط بين الرجال والـنـســاء بعد أن زيّنوا للمرأة الخروج من بيتها.

4- أحكام أهل الذمة:

كـمـــا يرى “العصرانيون” أن أحكام أهل الذمة كانت لعصر غير عصرنا وهي الآن لا تناسب عصرنا!!”. (7العصرانيون بين مزاعم التجديد وميادين التغريب (بتصرف واختصار))

ولكن الأســتـاذ “الناصر” يوضح مفهومهم للتجديد والتطوير قائلاً:

“إن مزاعم التجديد التي رفع هؤلاء لـواءهـــا كشفت الحقيقة جلية، وهي أن التجديد لديهم يعني تطوير الدين على طريقة عصرنة الدين عند اليهود والنصارى”.

حقيقة التجديد عند العصرانيين

ولذلك فإن التجديد عـندهم يعني:

  • هدم “العلوم المعيارية”: أي علوم التفسير المأثور وأصوله، وعلم أصول الفقه، وعلم مصطلح الحديث.
  • ويعني: رفض الأحاديـث الـصـحـيـحـــة جزئياً أو كلياً بحجة ضرورة ملاءمتها لعقولهم ولمصلحة الأمة، وظروف العصر الحاضر.
  • ويعني: رفض السنة غير التشريعية أي: فيما يخص شؤون الحكم والسياسة وأمور الحياة والمجتمع عموماً.
  • الـتـجـديد عندهم يعني: الانعتاق من إسار الشريعة إلى بحبوحة القوانين الوضعية، التي تحقق الحرية والتقدم، ولذلك هاجموا الفقه والفقهاء بلا هوادة.
  • الاجتهاد والتجديد عندهم يعني: تحقيق المصلحة وروح العصر. (8المصدر السابق، ص 353، 354)

خاتمة

مما سبق يـتـبـيـن خـطـــر هذه البدعة الجديدة وأن أصلها مسايرة الواقع و”الانهزامية” أمام ضغطه مصحوباً ذلك بالجهل بالإسلام أحياناً، وبالهوى والشهوة أحياناً كثيرة.

…………………………………………..

الهوامش:

  1. الموافقات، 2/ 128.
  2. المصدر السابق، ص / 247.
  3. اعلام الموقعين، 4/ 229.
  4. في ظلال القرآن، 3/ 245.
  5. مـن أراد التـوســــــع في هذا الموضوع وكيف نشأ ومن هم رموزه فليرجع إلى كتاب: (العصرانيون بين مزاعم التجديد وميادين التغريب)، للأستاذ محمد حامد الناصر.
  6. العصرانية في حياتنا الاجتماعية، ص 22.
  7. العصرانيون بين مزاعم التجديد وميادين التغريب (بتصرف واختصار).
  8. المصدر السابق، ص 353، 354.

لتحميل البحث كاملا على الرابط التالي:

اقرأ أيضا:

التعليقات معطلة.