”الدين النصيحة ...لله ، ولكتابه ، ولرسوله ، ولأئمة المسلمين وعامتهم“

الحراك في مصر .. قراءة صحيحة حتى لا تُستلب الجهود

بين ارتفاع شعارات إسقاط الطاغية في مصر؛ الذي بدّل الدين وظلم المسلمين ونشر الفساد، وبين اتجاه الحراك المخاصم للدين، موقف حرج ومحسوب.

مقدمة

ارتفعت هذه الأيام دعوات مُطالِبة بالتظاهر ضد الطاغية الذي سفك دماء المسلمين وقتل الناس في الميادين والشوارع، والذي انقلب على تجربة كانت الأمة قد علقت بها من الآمال أن تتطور وتقترب بالناس الى الإسلام، أو على أقل الأحوال أن ترفع المظالم وتفتح الطريق أمام حرية الدعوة وتكف الأجهزة الغاشمة عن اضطهاد المسلمين، أو تمنع الانهيار الذي يهدد بلاد المسلمين ببعض التماسك الشعبي.

نصائح وتوصيات

وهنا نذكر ببعض الأمور:

حقيقة الأحوال والمظالم

1) إن الطاغية الذي يعاني منه المسلمون اليوم هو مجرم جميع بين العداء للإسلام، ومناهضة حرية الشعب المسلم، وممالأة وموالاة الكفار الصليبيين في أمريكا وأوروبا وروسيا والصهاينة في الكيان الصهيوني ويهود أمريكا، والكنيسة الطائفية في مصر ـ تم بناء خمسائة كنيسة في السنوات الماضية وينتظرون المزيد..! ـ والقِلة الملحدة العلمانية في البلاد..

هذا مع دعمه الشديد للفساد، ومحاربة الدين بالإلحاد ونشر الإباحية، وتجفيف منابع التدين بسجن وقتل وتكميم أفواه العلماء والدعاة وإطلاق الحرية لناشري الإباحية والإلحاد في القنوات المختلفة في وسائل الإعلام.

وأضاف الى هذا تبنيه لمشاريع تورط الأمة ولا رجعة فيها؛ كاتفاقيات إعطاء أثيوبيا حق بناء السدود هي ودول منابع للنيل؛ بما يؤدي الى تجفيف مياه النيل وموت “مصر” وإعدامها بدون طلقة رصاص واحدة..

هذا مع اتفاقيات ما يسمى بـ “صفقة القرن” لتمكين الصهاينة تماما من تصفية قضية الأمة في فلسطين وتسليم القدس تماما الى الصهاينة، وتحميل مصر دورا في التوطين، وتحميل الخليج دورا في التمويل؛ لاسترضاء الفلسطينيين ومساعدة الصهاينة في الْتهام جزء من الأمة أرضا وشعبا ومقدسات.

أدى هذا الى دعم شديد للفساد في مناحي الحياة وانقسام عميق في حياة أهل مصر، وتباغض بين أهلها وانشقاق داخل الأسرة الواحدة والأحياء والطرقات والمصالح؛ حيث شق البلاد والقلوب. عليه لعنة رب العالمين.

وقد عزّز هذا الانقسامَ تلك الطائفيةُ الفئوية؛ حيث أعطى الأموال ببذخ وبأَثَرةٍ شديدة للفئات الداعمة لحكمه الظالم من عسكر وقضاء وإعلام كاذب..

أمل التغيير

وبطبيعة الفاسدين بدأ الصراع يدب بينهم ويتقاسمون على “مُنتَج” المؤامرة، والاختلاف حول حق الاستمتاع بعائد السرقة.

كما يزعم البعض أن ثمة ضمير استيقظ في قلوب بعض الناس ممن هم قريبين في دائرة “الشوكة” والقوة حول زمرة الطغاة والظالمين. أو داخل الجيش. وهو أمر مشكوك فيه.

وجاء الصوت هذه المرة من داخل النظام، ومن دائرة الفساد نفسها؛ يفضحهم ويعري “بعض” ما يفعلون، ثم تطور الأمر الى الدعوة الى الحراك والتظاهر والثورة..! (1المقصود بهذه الإشارة الشخص الذي اشتهر باسم “الفنان والمقاول محمد علي” الذي أصبح حديث البلاد لما كشفه من بعض الفساد الذي كشفه عن قرب من هذه الدائرة)

موقع الإسلام من هذه الدعوات

ما ينبغي الالتفات اليه عدة أمور..

استبعاد الإسلام والتوجه نحو أوروبا

منها أن اتجاه هذه التظاهرات أنها تستبعد الإسلام من المعادلة، وتستبعد أهله ودعاته من الحراك نفسه، ومن المعادلة فيما بعد ـ في حال نجح الحراك ـ ومن تشكيل النظام السياسي المرتقب، بحيث يؤكد الحراك على رفض تواجد العلماء والدعاة و”الإسلاميين” عموما من تشكيل المشهد.

ومنها كذلك أن الاتجاه المرتقب هو التوجه نحو أوروبا، لا من حيث التحديث والتصنيع بل من حيث الثقافة كذلك.

الشوكة والتأثير

ومنها أن أي حراك في المشهد المصري مؤخرا يقوم بالتأثير فيه عاملان في غاية التأثير والخطورة، وهما:

أوضاع التبعية

ونقصد بها التأثير الأمريكي والصهيوني المباشر في قرار تغيير الرؤساء وقرار الانقلابات وغيرها؛ فرحيل مبارك وإن كان استجابة للشارع إلا أنه لم يكن بعيدا عن الحضور الأمريكي وتجهيز البديل، كما كان قرار التمسك ببشار الأسد في سوريا قرارا غربيا تحملت فيه أوروربا لاجئين بالملايين ولم تفرط في هذا الطاغية لما سيشمل سقوطه من انهيار المعادلة الغربية والدولية في المنطقة؛ بل والعالم.

وعليه؛ فقرار التفريط في طاغية لاستبداله ببديل آخر، أو التمسك بطاغية آخر؛ هو قرار لم يعبأوا فيه للشعوب؛ ومن ثم ضربوها بالبراميل المتفجرة، وأبادو القرى والمدن، وقتلوا مليون إنسان مسلم، وهجّروا أكثر من ستة ملايين، وما زالوا متمسكين به الى اللحظة، مع وصف المجنون الأمريكي له بأنه “حيوان”..! فهم يعرفون “حيواناتهم” جيدا.

فأي توفير للدعم والأمن لرموز التغيير الآن لم تخرج عن “الغرب” وهذه نقطة ينبغي عدم إهمالها؛ إذ لم يستقل المسلمون الآن بامتلاك قوة تجعل حراكهم وقرارهم مستقلا تماما.

حضور دور “العسكر العلماني”

والعامل الثاني هو أن الحراك لن يخرج كثيرا عن العسكر العلماني المتواصل مع الغرب، وإن كانت ثمة بقية من ضمير فلن يصل الى درجة “التحرر” والانعتاق” واستقلال الكلمة. بل لن يبتعد كثيرا عن الغرب، ولن يبتعد عن صورةٍ ما من صور الاستبداد. إلا أنه سيكون فيه متنفسا للناس وبعض الإصلاحات لاسترضاء حالة الشعوب المقهورة.

أفق التغيير

وعلى ما سبق فينبغي أن تكون الأمور واضحة على النحو الذي لا يسمح بالخديعة مرة بعد مرة:

1) فليس في هذا الحراك “إقامة للدين” وللشريعة وعودة للهوية الإسلامية وولاء الإسلام.

2) لكن هذا الحراك ـ إن تم ـ فينبغي أن يكون النظر فيه أنه خروج من ظلم “فادح” وشرس الى ما هو أقل منه، بحيث يلتقط الناس أنفاسهم.

3) إن اشترك المسلمون في هذا الحراك فينبغي الحذر وحماية أرواحهم ودمائهم وأعراضهم، وألا يكونوا يؤدون الثمن وغيرهم يحصل على النتيجة.

4) إن اشترك فيه المسلمون فينبغي أن يحصلوا على حرية الدعوة وحرية الكلمة ورفع القهر عن الأسرى والمقموعين، وهذا غاية ما يمكن أن يحصلوا عليه؛ ويجب عدم التفريط فيه.

5) كما ينبغي أن يكون نية الاشتراك في أي حراك هي «رفع المظالم».. «دون مظلمته»؛ فقد اعتدى هؤلاء المجرمون على الدين بالسب والالحاد والتشكيك؛ فيكون الحراك لكف هذا الإجرام «كف الصيال على الدين» فهو صيال يهدد باندراس الاسلام من البلاد.

وقد اعتدوا على الدماء المعصومة فقتلوا المسلمين؛ أسرى ومطارَدين، وتصفيات بلا ضابط ولا حساب. فيكون الحراك بنيّة «دون دمه».

وقد اعتدوا على الأعراض فقد تواترت الأخبار بعارٍ شديد؛ إذ يعتدي هذا الطاغية على أعراض المسلمات حيث أمر جنوده بهذا؛ حتى حملت بعضهن سفاحا عن قصد من مجرميه. فيكون الحراك «دون عرضه».

وقد استأثروا بأموال الناس وسرقوهم وأفقروهم عن قصد وتخطيط وفساد فيكون الحراك بقصد «دون ماله»؛ وهكذا.

أما إقامة الدين ورفع الراية وإعلاء كلمة الله تعالى فله منهجه وطريقه، وهذا الحراك هو فتح للطريق أمام الدعاة ورفع الأغلال وإنهاء تكميم الأفواه؛ ليكون للمسلمن حقهم في الدعوة والبيان.

6) وينبغي أيضا عدم إعطاء الأمان في حال نجح هذا الحراك بل ينبغي الحذر الدائم.

7) كما ينبغي لو نجح الحراك تعريف الناس بالمسافة بين واقعهم الذي يعايشونه، وبين ما أمر الله تعالى به من إقامة الدين وسيادة الشريعة وهيمنة أحكام الله تعالى على الحياة.

8) نتوجه بالدعوة للمسلمين بالتوبة النصوح من الذنوب لأنها أصل المصائب والشرور، ونذكّر الدعاة والمجاهدين منهم ـ خاصة ـ بشؤم معصية التفرق، ونحثهم على الاجتماع ونبذ الحزبية المقيتة.

ونذكر الجميع بقوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ فلا يُجْدي التغيير من الخارج  اذا كان الداخل في النفوس فاسدًا، وهذه سنة من سنن الله عز وجل لا تبديل لها.

كما نشير الى أن الذنوب تشمل الذنوب الخاصة للإنسان في نفسه، والذنوب العامة التي يجتمع عليها الناس تواطئا واتفاقا، أو اجتماعا بغير نكير.

خاتمة

قد قال صلى الله عليه وسلم «إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر» (2أخرجه البخاري (4203)، ومسلم (111) واللفظ له)؛ فقد يحدث من الخير ما لم نتوقعه على يد من لم نرْجُ منهم ذلك.

وقد بلغ الضعف بالمسلمين أنهم يرجون كف اليد عنهم. وهذا حال قد ذكره تعالى في كتابه، وذكر أنه قد يمر المسلمون بهذه الحالة ورجّاهم تعالى في كف يد الكافرين عنهم ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا(النساء: 84) فينبغي معرفة المسلمين لواقعهم، وعدم إنكار الحالة التي وصلوا اليها أو التعامي عنها.

يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله:

“كما يبرز لنا مدى المخاوف والمتاعب في التعرض لقتال المشركين يومذاك .. حتى ليكون أقصى ما يعلق اللّه به رجاء المؤمنين : أن يتولى هو سبحانه كف بأس الذين كفروا فيكون المسلمون ستارا لقدرته في كف بأسهم عن المسلمين .. مع إبراز قوة اللّه سبحانه وأنه أشد بأسا وأشد تنكيلا .. وإيحاء هذه الكلمات واضح عن قوة بأس الذين كفروا يومذاك والمخاوف المبثوثة في الصف المسلم ..” (3في ظلال القرآن، سورة النساء، الآية 84)

فتلك حالة لا ينكرها المسلمون أن تقع لكن ينبغي أن تكون عارضة ويسرع الخلاص منها.

كما أن تأييد أقل الناس ظلما دفعا لما هو أشد ليس بمستنكَر، ولكن أن يُجعل هذا هو نفس ما أمر الله به من إقامة الدين والفراغ من عهدة التكليف في هذا فهذا خطأ وتضليل.

وإذا انتقم الله تعالى من ظالم بيد آخر؛ فهذا مما جرت به سنة الله تعالى.

لكن ينبغي أن يتحول المسلمون الى قوة لا تقبل الخداع والتلاعب بل تستطيع الاستفادة من الفرص والتقدم بخطوات ثابتة الى الهدف وأن ينْفُذ المسلمون بقضيتهم من بين الاختلافات والصراعات؛ فقد رجا الأنصار في رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن يكون سببا لتأليف قلوب أهل المدينة؛ وقد كان.

واليوم الدور المنوط بالإسلام دور كبير ليؤلف القلوب ويجمع الأمة ويقرر اتزان القيم والأخلاق ويحفظ وحدة الأمة ويقيم الشريعة ويعيد الحضارة الإسلامية الى العمل والتفعيل. والله تعالى يقدر للأمة الخير في كل بلد وقُطر من أقطار المسلمين ويجمعهم جميعا على الخير.

…………………………..

هوامش:

  1. المقصود بهذه الإشارة الشخص الذي اشتهر باسم “الفنان والمقاول محمد علي” الذي أصبح حديث البلاد لما كشفه من بعض الفساد الذي كشفه عن قرب من هذه الدائرة.
  2. التخريج :أخرجه البخاري (4203)، ومسلم (111) واللفظ له.
  3. في ظلال القرآن، سورة النساء، الآية 84.

اقرأ أيضا:

Leave a Reply

avatar
  Subscribe  
نبّهني عن

اشترك في قائمة البريد ليصلك كل جديد