زمن القراءة ~ 4 دقيقة 

درعا بين مطرقة القصف والتجويع وسندان خارطة الطريق الرُّوسية

قيمة محافظة درعا الجغرافية والتاريخية

محافظة درعا منطقة سورية مهمة في حوران التي تمتد من جنوب دمشق في سوريا إلى جبال عجلون في الأردن، وتقع في جنوب سوريا بمحاذاة الحدود الأردنية.

تبلغ مساحتها أربع آلاف كيلومتر مربع، وتُسمَّى سهل حوران، ولكن 70% من أراضيها مرتفعات، وقد كانت تابعة لولاية دمشق سابقًا ثم أصبحت عاصمة حوران.

ويزيد عدد سكان هذه المحافظة عن المليونين ونصف، ويغترب منهم الكثير..

وقد خرج من تلك المحافظة كثير من العلماء؛ منهم الإمام النووي -نسبة إلى قرية نوى-، والإمام ابن قيم الجوزية -من مدينة إزرع-، والإمام ابن كثير -من بصرى الشام-، والإمام ابن أبي العز الحنفي -من حوران-، والطيبي، رحمهم الله تعالى،  وغيرهم كثير من العلماء والفضلاء..

وفي حوران كانت معركة “شقحب” التي كُسر فيها التتار لأول مرة في تاريخهم، وكان من أشهر القادة فيها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى..

ومدينة درعا هي المركز الرئيسي لمحافظة درعا، وتحتوى على المراكز الحكومية ومؤسسات الدولة، وينقسم مركز المدينة إلى قسمين: درعا المحطة، ودرعا البلد.. ويحتوي كل قسم على عدة أحياء..

ومما يعرف من تاريخ هذه المنطقة ما رواه الطبري بسنده عن عكرمة أنَّ الروم وفارس اقتتلوا في أدنى الأرض. قال: “وأدنى الأرض يومئذ أذرعات، بها التقوا فهزمت الروم، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهم بمكة..”.1[تاريخ الطبري (2/184)].

وروى أبو عبيد القاسم بن سلام بسند حسن عن عَبْد اللهِ بْن قَيْسٍ -أَوِ ابْنَ أَبِي قَيْسٍ- يَقُولُ: “كُنْتُ فِيمَنْ تَلَقَّى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ مَعَ أَبِي عُبَيْدَةَ، مَقْدَمَهُ مِنَ الشَّامِ، فَبَيْنَمَا عُمَرُ يَسِيرُ إِذْ لَقِيَهُ الْمُقَلَّسُونَ مِنْ أَهْلِ أَذْرِعَاتٍ بِالسُّيُوفِ وَالرَّيْحَانِ، فَقَالَ عُمَرُ: مَهْ رُدُّوهُمْ وَامْنَعُوهُمْ، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَذِهِ سُنَّةُ الْعَجَمِ -أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا-، وَإِنَّكَ إِنْ تَمْنَعْهُمْ مِنْهَا يَرَوْا أَنَّ فِي نفْسِكَ نَقْضًا لِعَهْدِهِمْ. فَقَالَ عُمَرُ: دَعُوهُمْ، عُمَرُ وَآلُ عُمَرَ فِي طَاعَةِ أَبِي عُبَيْدَةَ.

قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْمُقَلَّسُونَ قَوْمٌ يَلْعَبُونَ بِلُعْبَةٍ لَهُمْ بَيْنَ أَيْدِي الأُمَرَاءِ إِذَا قَدِمُوا عَلَيْهِمْ، فَأَنْكَرَهَا عُمَرُ وَكَرِههَا ثُمَّ أَقَرَّهَا، لِأَنَّهَا كَانَتْ مُتَقَدِّمَةً لَهُمْ قَبْلَ الصُّلْحِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا كَانَ مِنْ سُنَّتِهِمْ وَبِيَعِهِمْ وَكَنَائِسِهِمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَوَقَعَ الصُّلْحُ عَلَيْهِ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ نَقَضَهُ…”. 2[كتاب الأموال (425)].

تاريخ درعا “أذرعات” في صد الأعداء ودحرهم

وشهدت أذرعات الحروب المتلاحقة التي عاشتها بلاد الشام..

ولها تاريخ في دحر القرامطة؛ قال خير الدين الزركلي: “سعيد بن عامر بن قيس الشهابي: أمير حوران في سورية، وليها بعد وفاة أبيه سنة 280 هـ، وفي أيامه هاجم القرامطة حوران فقاتلهم وصدهم، وكانت إقامته بمدينة أذرعات وتوفي بها”. اهـ 3[الأعلام (3/97)].

ولأهلها قوة وبأس يصدون الجيوش الكبيرة؛ قال الزركلي -أيضًا-: “عامر بن قيس بن محمد بن شهاب بن قاسم الشهابي: أمير من الشهابيين. كانت له ولاية حوران، خلف بها أباه (سنة 253 هـ)، وفي أيامه استولى أحمد بن طولون على بلاد الشام وأرسل جيشًا كبيرًا للاستيلاء على حوران، فقاتله عامر في صحراء أذرعات المعروفة اليوم بدرعة، وظفر عامر، فجعل إقامته فيها، وبنى بها مساكن، ونسب إليها فقيل له: الأذرعي. وتوفي بها..”. اهــ 4[الأعلام (3/254)].

وفي زمن الحروب الصليبية كان للمنطقة تاريخ طويل لمقاومة الصليبيين ودحرهم، ومن ذلك تهديد البرنس أرناط الصليبي لأمن الحجاج واستعداده لمهاجمة قوافلهم، فقدم صلاح الدين إلى بصرى وعسكر فيها ليرهب أرناط وجيشه؛ وتم لصلاح الدين ذلك ولله الحمد، والقصة ذكرها ابن الأثير، وملخصها أن: “صَلَاحُ الدِّينِ كَتَبَ إِلَى جَمِيعِ الْبِلَادِ يَسْتَنْفِرُ النَّاسَ لِلْجِهَادِ، وَكَتَبَ إِلَى الْمَوْصِلِ وَدِيَارِ الْجَزِيرَةِ وَإِرْبِلَ وَغَيْرِهَا مِنْ بِلَادِ الشَّرْقِ، وَإِلَى مِصْرَ وَسَائِرِ بِلَادِ الشَّامِ، يَدْعُوهُمْ إِلَى الْجِهَادِ، وَيَحُثُّهُمْ عَلَيْهِ، وَيَأْمُرُهُمْ بِالتَّجَهُّزِ لَهُ بِغَايَةِ الْإِمْكَانِ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ دِمَشْقَ، أَوَاخِرَ الْمُحَرَّمِ، فِي عَسْكَرِهَا الْخَاصِّ، فَسَارَ إِلَى رَأْسِ الْمَاءِ، وَتَلَاحَقَتْ بِهِ الْعَسَاكِرُ الشَّامِيَّةُ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا جَعَلَ عَلَيْهِمْ وَلَدَهُ الْمَلِكَ الْأَفْضَلَ عَلِيًّا لِيَجْتَمِعَ إِلَيْهِ مَنْ يَرِدُ إِلَيْهِ مِنْهَا، وَسَارَ هُوَ إِلَى بُصْرَى… وَكَانَ سَبَبُ مَسِيرِهِ وَقَصْدِهِ إِلَيْهَا أَنَّهُ أَتَتْهُ الْأَخْبَارُ أَنَّ الْبِرِنْسَ أَرْنَاطَ صَاحِبَ الْكَرَك، يُرِيدُ أَنْ يَقْصِدَ الْحُجَّاجَ لِيَأْخُذَهُمْ مِنْ طَرِيقِهِمْ… فَسَارَ إِلَى بُصْرَى لِيَمْنَعَ الْبِرِنْسَ أَرْنَاطَ مِنْ طَلَبِ الْحُجَّاجِ… فَلَمَّا سَمِعَ أَرْنَاطُ بِقُرْبِ صَلَاحِ الدِّينِ مِنْ بَلَدِهِ لَمْ يُفَارِقْهُ، وَانْقَطَعَ عَمَّا طَمِعَ فِيهِ، فَوَصَلَ الْحُجَّاجُ سَالِمِينَ”. اهـ 5[في الكامل (10/20)].

انتقام النظام السوري وإيران وسوريا من أهل درعا والضغط عليهم للقبول بخارطة الطريق الروسيّة

وفي عصرنا انطلقت شرارة الثورة السورية من درعا حفظ الله تعالى أهل سوريا من كل سوء، وردَّ كيد عدوهم في نحره..

وفي مايو الماضي في الانتخابات الرئاسية السورية كانت خيبة الطاغوت بشار الأسد في درعا كبيرة، رغم فوزه المزعوم بولاية رابعة بعد إعلان حصوله على 95.1% من أصوات الناخبين المشاركين في الانتخابات الرئاسية.

وقد وصفت المعارضة السورية الانتخابات بأنها “مهزلة”، بينما قالت الولايات المتحدة وعدة دول أوروبية إن الانتخابات “ليست حرة ولا نزيهة”..

وقالت هيئة التفاوض السورية أن الانتخابات أظهرت “احتقارا للشعب السوري” وقالت: “إنه قرار من الحكومة متفق عليه من روسيا وإيران لقتل العملية السياسية. إنه استمرار للطغيان”.

وتعد هذه الانتخابات المزورة الباطلة سببًا لبداية الطغيان الجديد في درعا؛ فمنذ 24 يونيو الماضي والنظام السوري وحلفاؤه يحاصرون درعا البلد مما تسبب في نزوح أكثر من 80% من أهالي المنطقة، التي تتعرض بشكل يومي لقصف مدفعي هائل؛ مما تسبب في سقوط قتلى وجرحى من المدنيين، وتم منع دخول المواد الغذائية والدواء، كما جرى قطع الماء والكهرباء عنها بشكل كامل، وذلك في سبيل الضغط عليهم للقبول بخريطة الطريق الروسية الجديدة والتي تنص على تجريد أهالي المنطقة من كافة الأسلحة ليتمكن نظام الطاغوت بشار من التنكيل بأهل درعا وقهرهم..

يقول عمر الحريري -مسؤول مكتب توثيق الشهداء في محافظة درعا-: “إنَّ الخطة الروسية تضع درعا أمام مسارين فقط لا ثالث لهما، وهو إما الاستسلام أو الحرب، مؤكدًا الرفض الشعبي الواسع لها…

إن الشروط التعجيزية في الخطة الروسية تعكس إرادة النظام فقط، دون أخذ إرادة الشعب بعين الاعتبار، خاصة أنها تسلبهم حريتهم وكرامتهم، وتهدف لإذلالهم وتهجيرهم وتركهم لقمة سائغة للتغول الإيراني في المنطقة…

إن المخطط الروسي يهدف لبسط سيطرة النظام على درعا البلد، ولكن في الوقت نفسه سيتم تطبيق هذه الخطة على كامل مدن وبلدات وقرى المحافظة، والدور سيأتي على الجميع إذا لم يكن صوتهم وكلمتهم واحدة في وجه هذا المخطط سياسيًّا وعسكريًّا، وحينها فقط يمكن تغيير بنود الخطة الروسية، ودون ذلك سنشهد قضم المناطق واحدة تلو الأخرى…”.

وليس عجيبًا أنَّ القصف والتدمير الحادثان في درعا يوميًّا، يعتبره كلاب إيران تقصيرًا، فهذا خالد العبود عضو “مجلس الشعب” التابع لنظام اﻷسد، والمعروف بعلاقاته الوطيدة مع اﻹيرانيين يهاجـم الدور الروسي في درعا، مقرًّا بفشل “الانتخابات السورية” هناك، ومتهمًا الروس بالتسبب بذلك.. وجاءت تصريحاته اﻷخيرة في لقاء على قناة العالم الإيرانية، حيث قال: إنَّ روسيا تدعم “أدوات الفوضــى” وهي الميليشـيات التابعة لها والتي عقدت اتفاقيات تسوية ومصالحة…

وكان خالد عبود هذا قد دعا العام الماضي لإلغاء اتفاقيات التسوية والمصالحة المعقودة في درعا بضمانات روسية، داعيًا لشن حــملات عسـكرية عليها، ومطالبًا الروس بـما سماه “رفع الغطاء” عن الفصائل الموقعة.

اللهم فرج عن عبادك المؤمنين بدرعا وكافة بقاع الأرض.

الهوامش:

  1. [تاريخ الطبري (2/184)].
  2. [كتاب الأموال (425)].
  3. [الأعلام (3/97)].
  4. [الأعلام (3/254)].
  5. [في الكامل (10/20)].

اقرأ أيضًا:

انضم إلى آلاف المهتمين بقضايا الأمة

زودنا بعنوان بريدك الإلكتروني لتصلك نشرة منتظمة 

نستخدم عنوان بريدك للتواصل معك فقط ولا نسمح بمشاركته مع أي جهة ويمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت

الاشتراك في النشرة البريدية