تنبيهات ودروس من “كورونا” الفيروس


زمن القراءة ~ 6 دقيقة 

في كل حدث لله تعالى حكمة، وفي الأحداث العظام ما يجب أن يلتفت الناس فيه الى ربهم فيتعرفوا حكمته، ويعرفوا قدرته، ويتلمسوا طريق العودة اليه.

مقدمة

الحمدلله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه أما بعد:

فلا يخفى ما يعيشه اليوم العالم بأسره من الهلع والترقب وتناقل الأخبار في القنوات والإذاعات والصحف عن ما يسمى بـ (فيروس كورونا المستجد) حتى أصبح هو حديث الناس وكأن لا يوجد من الكوارث والمصائب غيره، حيث نسي الناس تلكم الحروب والمآسي التي يتعرض لها المسلمون في الصين والهند وبورما وأفغانستان واليمن وبلاد الشام وليبيا وغيرها، والتي تحصد من الأرواح الأضعاف المضاعفة لما يحصده (فيرس كورونا) من الإصابات والوفيات.

ومما يلفت الإنتباه في هذا الحدث المبالغة والتهويل بشكل لم يسبق له نظير  في ما سبق من أحداث وأمراض حتى أصبح يتصدر الأخبار وكل يوم في ازدياد وتهويل، كما ظهر ذلك أيضاً في هلع الناس والدول وبث الرعب والهلع والشائعات.

تنبيهات وعبر

وأود أن أسجل في هذا الحدث أعني (فيروس كورونا المستجد) بعض التنبيهات والعبر أجملها فيما يلي:

أولاً: الإيمان بقدرة الله وقضائه

إن من أصول الإيمان الثابتة التي لا يصح إيمان العبد إلا بها: الإيمان بالقضاء والقدر؛ وهو اليقين بأن الله عز وجل قد علم الأشياء قبل وقوعها وكتبها عنده وأرادها وخلَقها، وأن شيئاً في ملكه سبحانه لا يكون إلا بإذنه وإرادته وعلمه وحكمته؛ ومن ذلك جميع الأحداث العلوية والسفلية دقيقها وجليلها.

وبناء على ذلك فإن ظهور هذا الفيروس وانتشاره بهذه السرعة والنشاط إنما حدث بعلم الله عز وجل، وإرادته لذلك، وإيجاده له، وأن له سبحانه الحكمة البالغة من ذلك، وأن من يتعرض له من المسلمين فهو رحمة وكفارة لهم ـ وهذا مقتضى فضله ورحمته ـ ومن يتعرض له من الكفار والمنافقين فهو عقوبة ورجز من الله عز وجل على كفرهم وظلمهم ـ وهذا مقتضى عدله وحكمته (وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) (الكهف: 49).

إن ما نزل بالصين وتلاه من انتشار المرض في العالم لهو رجز وعذاب من الله عز وجل على من كفر وظلم وعتا في الأرض ليفسد فيها قال تعالى: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) (النحل: 112).

وقال تعالى: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (الأعراف: 96).

وقال سبحانه: (وَتِلْكَ الْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا) (الكهف: 59).

وقال سبحانه: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (الروم: 41).

فسبحان القوي العزيز؛ كيف تحول الأمر في الصين إلى حَجْر وسجن للناس الملاحدة بحجة الحجر الصحي؛ فهم حبيسوا بيوتهم حيث بلغ المحجوز عليهم أكثر من سبعين مليون من السكان، وهذا جزاء وفاقًا لما فعلوه بالمسلمين “الإيجور”، وكذا الحال في بقية دول العالم الظالمة المستكبرة. ومن العقوبات التي حلت بالصين ومثيلاتها في العالم الانهيارات الاقتصادية في الأسهم والمصانع والبنوك والشركات التي تجاوزت مئات المليارات.

ثانيًا: الجمع بين الأخذ بالأسباب والإيمان بالقدَر

وبناء على الإيمان بالقضاء والقدر نوقن أن خالق الأسباب ومسببَاتها هو الله عز وجل. ونذكّر في ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم «لا عدوى ولا طيرة» (1البخاري (5776) ومسلم (2224))، وقوله صلى الله عليه وسلم عن الإبل التي أصابها الجرب بوجود بعير مجروب «فمَن أعدى الأول؟» (2البخاري 5717،، ومسلم 2220) وهذا لا ينافي الأخذ بأسباب الوقاية والابتعاد عن ما جعله الله سببًا حسًا أو شرعًا في الإصابة بالمرض؛ وبذلك نجمع بين قوله صلى الله عليه وسلم «لا عدوى ولا طيرة» وبين قوله صلى الله عليه وسلم «فر من المجذوم فرارك من الأسد» (3رواه البخاري. كتاب الطب، باب الجذام) وذلك بأن نأخذ بأسباب الوقاية والاحتراز مع يقيننا أن المرض لا يعدي بنفسه استقلالًا وإنما بإذن الله تعالى، وإلا كيف نجد مَن يتعرض لمثل هذه الأمراض ثم لا يصيبه شيء منها..؟

وهذا لا يعني التهوين من شأن هذا الفيروس وآثاره وأخذ الاحترازات منه؛ وإنما المقصود تجريد التوكل على الله عز وجل خالق كل شيء،  وأنه هو القادر على دفعه ورفعه، وأن لا نتكل ونتعلق بالأسباب.

ثالثاً: التداوي بالتوبة لوقاية شر الذنوب

وبناء على ما سبق فالواجب على المسلمين الذين يفقهون سنة الله عز وجل في أخذه للظالمين بذنوبهم، أن يبادروا بالتوبة والتضرع إلى الله عز وجل، والإقلاع عن الذنوب ومظالم العباد؛ فهذا هو العلاج والدواء لهذه الكوارث والأمراض قال الله عز وجل: (فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الأنعام: 43)، وقال سبحانه: (أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (المائدة 74). فهذا والله طريق العلاج الذي تدفع وترفع به الكوارث والأمراض، وهذا لا يعني عدم الأخذ بالأسباب من وسائل الوقاية والعلاج وفرض بعض الاحترازات التي تحد من انتشار المرض؛ وإنما التنبيه الى أهمية التوكل على الله عز وجل والاستعانة به ودعائه في كشف الشرور والكروب، وأن يكون هذا حاضرًا في قلوب الناس وأذهانهم.

رابعًا: رؤية آثار أسماء الله وصفاته

ومن هذه العبر معرفة الله عز وجل بأسمائه الحسنى وسننه التي لا تتبدل ومن ذلك أسمائه (العزيز، الحكم، القوي، القدير، العليم، الرحيم، اللطيف)؛ فلقد أرانا الله عز وجل جانبًا من قوته وقدرته حيث سلط على الناس أضعف جنوده وخلقه، ذلكم الفيروس الذي لا يرى إلا بالميكروسكوب الدقيق، ومع ذلك قتل من الناس هذا القتل بل تسبب في انهيارات اقتصادية عالمية وهلع ورعب بين الناس؛ فكيف لو سلط الله عز وجل أكبر من ذلك وأشد فتكا.

وفي المقابل من قدرة الله عز وجل العظيمة يظهر ضعف هذا الانسان المتكبر المتجبر؛ فهو على امكانياته المادية والتقنية والعلاجية يقف ضعيفًا خاسئا وهو حسير، لا يملك أن يدفع أو يرفع مثل هذه الأمراض. وهذا يجعل المسلمين يعيدون النظر في انبهارهم بقوة الأعداء وأنهم لا شيء بجانب قوة الله عز وجل، كما أنه يطرد اليأس والإحباط عن قلوب المسلمين الذين يئسوا من نصر الله أمام قوة الكفرة الهائلة وكما يلفتهم الى تحقيق شروط نصر الله والتمكين في الأرض ليسخر الله لهم جنود السموات والأرض؛ إذ لا قدرة للبشر بكل ما يملك من إمكانيات أن يواجهوا جنود الله عز وجل وأولياءه.

خامسًا: توقف عوائد الناس

وفي مقابل هذه الكوارث وما ترتب عليها من انهيارات وأمراض ووفيات وتعطيل أعمال فقد ظهر لنا جانبٌ من حكمة الله عز وجل، في تقديرها، وما تضمنته من رحمته وألطافه بعباده المؤمنين والطائعين، وما ظهر فيها من المصالح، وما خفي عنا من الألطاف أكثر ومن ذلك:

  • توقف السياحة في كثير من الدول وما يحصل فيها من الفساد العظيم في الدين والأخلاق والقيم حتى أصبحت الأماكن السياحية خالية.
  • توقف الحفلات الماجنة والتجمعات التي يحصل فيها من الفساد والإفساد ما الله به عليم.
  • إلغاء المباريات وجنون الكرة ودورات الألعاب حتى أصبحت المدارج الرياضية اليوم خالية.
  • الكوارث الاقتصادية والبشرية التي أنزلها الله عز وجل بدول الكفر والإفساد.

سادسًا: تساؤلات عن التهويل..؟!

وهنا سؤال: هل هناك سر وراء هذا التهويل والمبالغات..؟ هل ركِبت بعض الدول هذا الزخم الإعلامي وهذا التهويل في تسييس هذا المرض واستثماره في تحقيق أهداف سياسية أو اقتصادية أو اعلامية أو أمنية أو تصفية حسابات بين الدول وشعوبها أو بين الدول مع بعضها وكأن هذا المرض بيئة مناسبة لها..؟

هذا مجرد تساؤل واستفهام لا نملك عليه الدليل، ولكننا في زمان لا يستغرب فيه مثل هذا السؤال.

سابعًا: واجب النصح والبيان

يجب على المسلم أن يسعى جاهدًا في توعية اخوانه المسلمين بداية من الأهل والأولاد والأقارب إلى من تربطه بهم روابط اجتماعية وأن يبين لهم ما سبق بيانه في التنبيهات السابقة، وأن يربط الناس بربهم سبحانه؛ فهو الذي يدبر ملكه العظيم وإليه تصير وترجع الأمور بحكمته وعلمه وقدرته ورحمته ولطفه. كما يجدر في هذه المناسبة الحذر من الإرجاف والإشاعات التي تبث في الناس الرعب، والتعلق بالأسباب الذي ينسيهم التوكل على الله عز وجل، وضرورة اللجوء اليه سبحانه والاستعانة به وحده في كشف الكروب ورفع المصائب وذلك بالدعاء والتوبة الى الله سبحانه والإقلاع من الذنوب فما وقعت مصيبة إلا بذنب ولا رفعت إلا بتوبة.

ثامنًا: معرفة المصيبة الأعظم

كان من دعائه صلى الله عليه وسلم قوله «ولا تجعل مصيبتي في ديني». وهذا يلفت انتباهنا إلى أن المصيبة العظمى على الإنسان أن يصاب في دينه وينحرف عن الصراط المستقيم لأن مآل ذلك سخط الله عز وجل وعذابه أما مصيبة الدنيا من أمراض جسدية أو فقر أو غير ذلك من المصائب فهي هينة عند مصيبة الدين، وغايتها الموت أو فقد مُتع الدنيا، وهذا لا يضيره إذا سلِم الله عز وجل له دينه وأخلاقه كما قال الشاعر

وكلُ كسرٍ فإن الله يجبره ** وما لكسر قناة الدين جُبران

وهذا لا يعني عدم الأخذ بالأسباب في دفع المصائب والأمراض؛ وإنما المقصود بيان خطر الفيروسات التي تأكل الدين وتفتك به من فيروسات الشبهات والشهوات التي إذا تمكنت من الإنسان أوبقت عليه دينه وتعرَّض لعذاب الله وسخطه، وأن ننبه الناس إلى أن خطر فيروسات الدين والأخلاق أعظم بكثير من فيروسات الأجساد. والحاصل والواقع الذي نشاهده من احوالنا هذه الأيام العناية بالوقاية من فيروس كورونا مع الإهمال الشديد لما نراه من نقص في أدياننا وأخلاقنا، ثم لا يكون له هذا الهلع والخوف والمقاومة، وهذا يقودنا إلى الفقرة التالية.

تاسعًا: أمراض الدين والأخلاق أوْلى

إن ما يتخذ من أسباب احترازية لمكافحة فيروس كورونا ينطلق من قاعدة سد الذرائع وهو أن ما كان ذريعة للفساد وانتشار المرض فإنه يسد ويمنع وأن ما كان ذريعة الى تقليص الفساد والأمراض فيؤخذ به، وهو ما نراه اليوم من أسباب وذرائع واحترازات للحد من خطر هذا المرض.

والسؤال المطروح هنا: لماذا الانتقائية في العمل  بقاعدة سد الذرائع حيث الأخذ بها في الحد من أخطار الأمراض التي تفسد على الناس صحتهم الجسدية ولا يأخذ بها في كل ما يؤول إلى فساد الدين والإخلاق والتشنيع على من يأخذ بها في ذلك .

خاتمة

أسأل الله عز وجل أن يجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن وأن يرزقنا التوبة النصوح الذي يرفع الله عز وجل بها عنا البلاء والفساد.

والحمدلله رب العالمين

………………………….

هوامش:

  1. البخاري (5776) ومسلم (2224).
  2. البخاري 5717،، ومسلم 2220.
  3. رواه البخاري. كتاب الطب، باب الجذام.

اقرأ أيضا:

التعليقات معطلة.